أرزاق على المحك.. ماذا سيفعل عمال اليومية في مواجهة شبح "التاسعة مساء"؟

تعيش منى السيد، الأربعينية المُطلقة، حالةً من القلق منذ قرار الحكومة بغلق المحال التجارية في التاسعة مساءً لمدة شهر، فوردية عملها بمحل الملابس تبدأ من الساعة الرابعة عصرًا وتستمر حتى منتصف الليل، وهو ما يعني تقليصها إلى النصف، وتقليص راتبها بالضرورة، أو استغناء المتجر عن شيفت الليل بالكامل.

ويقضي قرار مجلس الوزراء بأن تُغلق المحلات التجارية والمولات والمطاعم والكافيهات أبوابها بدءًا من السبت المقبل ولمدة شهر في تمام الساعة التاسعة مساءً، على أن تمتد ساعات العمل حتى العاشرة مساءً يومي الخميس والجمعة، مع دراسة الأوضاع لاحقًا لتحديد ما إذا كان سيتم الاستمرار فيه أو التعديل عليه. وفي ظل هذه المتغيرات، لا تعرف منى مهنةً أخرى غير تلك التي تنفق منها على بناتها الثلاث، في حين يدرس صاحب المحل التداول بين العاملين جميعهم وإلغاء الوردية المسائية لمدة شهر لتوفير النفقات، وحجته في ذلك توفير رواتب فريق يضم أربع بائعات بإجمالي 28 ألف جنيه.

يعتقد أصحاب المحال التجارية أن القرار الحكومي لن يتوقف على شهر واحد فقط، خاصةً أن فصل الصيف على الأبواب، والقرار قابل للتمديد أو التكرار حال حدوث تخفيف أحمال بالصيف، علاوةً على أن التكاليف التي يدفعونها تتزايد مع تراجع كبير في السلوك الشرائي من قِبل المواطنين، ورغم تأكيد شعبة الملابس الجاهزة ارتفاع مبيعات الملابس خلال الربع الأخير من شهر رمضان بنسبة تزيد على 45% ضمن استعدادات الأسر لاستقبال عيد الفطر المبارك، يقول أحمد مصطفى صاحب أحد محال الملابس لـ"فكر تاني"، إن "الانتعاش كان في مبيعات الأطفال فقط، وهو مرتبط بالعيد".

ويصل حجم تجارة الملابس الجاهزة في مصر إلى حوالي 30 مليار جنيه، ويبلغ عدد العاملين أكثر من خمسة ملايين عامل تبعًا لآخر إحصائيات شعبة الملابس بغرفة تجارة القاهرة، غير أنه لا توجد بيانات تفصل عدد العاملين بالبيع عن العاملين بالتصنيع. ومن المتوقع تراجع المبيعات بعد انتهاء الموسم بنسبة تتراوح بين 35 و40% وحتى بداية موسم الملابس الصيفية في شم النسيم، وتحديدًا في ظل ارتفاع الأسعار بسبب زيادة أعباء الشحن والوقود والدولار.

وتوضح شعبة الملابس الجاهزة بالغرفة التجارية بالقاهرة أن قرار غلق المحال التجارية يوميًا في التاسعة مساءً لن يؤثر على مبيعات قطاع الملابس، فالمواطنون ينسقون مواعيد تسوقهم مع مواعيد فتح وإغلاق المحلات، لكنه سيؤثر حتمًا على محلات ملابس السهرة والسواريه فقط. ويرتبط تأثر مبيعات تلك الفئة من الملابس بقرار غلق قاعات الأفراح في التاسعة مساءً، مما يعني أن المواطنين سيلجؤون للأفراح النهارية التي لا يتناسب معها ارتداء الملابس السواريه، وهي قطاع يرى خبراء أن ترشيد الاستهلاك فيه واجب في ظل كمية الإنارة غير الطبيعية التي تتضمنها صالات الأفراح.

قطاع المقاهي والمطاعم

ويتكرر الأمر ذاته في قطاع المقاهي الذي يشهد نشاطًا ملحوظًا خلال الفترات المسائية بعد انتهاء وقت العمل الرسمي وبدء الخروجات، مما يؤدي لتراجع حاد في الإيرادات اليومية، وإمكانية تخفيض العمالة حال استمر القرار لمدة أكبر من شهر.

ففي بعض المقاهي الحيوية، يدفع مُستأجر المقهى إيجارًا شهريًا يصل إلى 40 ألف جنيه، مثل «فتحي . أ» الذي يؤجر مقهى في وسط القاهرة، ويقول إن مدخراته لا تكفي لتحمل تبعات القرار الجديد أكثر من شهر، خاصةً مع ارتفاع تكلفة العمالة وخدمات الإنارة ومياه الشرب.

ويعمل في المقهى الواحد نحو ستة أشخاص على الأقل، أربعة منهم ليلاً واثنان صباحًا فقط، فذروة العمل تكون بعد السابعة مساءً مع المباريات وتجمعات الأصدقاء، أما الفترة الصباحية فلا تزيد قوتها عن 10% من حركة البيع وهي قاصرة في المقام الأول على كبار السن وأصحاب المعاشات وبعض الصنايعية قبل التوجه إلى أشغالهم.

ويُقدر عدد العمال بقطاع المقاهي والمطاعم بحوالي مليوني عامل، أي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف الرقم الرسمي المعلن، ولعل ذلك التفاوت في التقديرات يرجع بشكل أساسي إلى طبيعة القطاع الذي تغلب عليه العمالة غير الرسمية، التي تعمل دون عقود أو تأمينات، وكذلك العمالة غير المنتظمة والمؤقتة من عمال التوصيل.

تداعيات الإغلاق على الأنشطة المرنة

وعلى صعيد حركة السياحة، يعجب الكثير من السياح في مصر بأنها دولة لا تنام ويقدمون تسويقًا مجانيًا لتلك الفكرة، وتطبيق القرار لم يقدم استثناءات للمحافظات السياحية، مما دفع النائب عبد الرحمن بشاري، عضو مجلس النواب، للتقدم بطلبين رسميين إلى رئيس مجلس الوزراء ومحافظ الأقصر لإعادة النظر في قرار الغلق.

وقال النائب إن القرار بصورته الحالية قد يؤثر سلبًا على الحركة السياحية والاقتصادية بالمحافظة، خاصةً في ظل اعتماد الأقصر على النشاط المسائي كجزء أساسي من تجربة السائحين، كما ينعكس على أرزاق أصحاب المحلات والعاملين بها، مطالبًا بمد مواعيد الغلق حتى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل بما يتناسب مع طبيعة الأقصر السياحية.

وينسحب الأمر ذاته على مدينة رأس البر، إذ يقول أحمد كراوية لـ"فكر تاني"، وهو صاحب أحد المقاهي بالمدينة، إن "أصحاب المحلات التجارية والمطاعم والكافيهات في مدينة رأس البر يبدأون العمل تقريبًا من الخامسة مساءً لأنها مدينة ساحلية تتمتع بطابع خاص والإغلاق المبكر يضر بتلك الأنشطة".


اقرأ أيضًا:"الإعدام الوظيفي".. آلاف من ضحايا القانون 73 في انتظار "قُبلة حياة" برلمانية | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني
تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني

ويشير المهندس أسامة الشاهد، رئيس الغرفة التجارية بالجيزة، إلى ضرورة تصنيف الأنشطة المختلفة وتحديد المواعيد طبقًا لطبيعة النشاط، فهناك أنشطة تجارية قادرة على الإغلاق بأي وقت إذ تستطيع تحديد ساعات العمل لها دون أن يتأثر التاجر أو العمال داخلها، بينما توجد أنشطة تجارية دخلها الأساسي خلال الفترة المسائية، ومنها المطاعم والمقاهي التي نجد عند دراسة أوضاعها أن ذروة العمل للعمال قبل صاحب العمل تبدأ من الساعة التاسعة مساءً حتى الواحدة صباحًا.

وقد منح القرار الحكومي استثناءً لمحلات البقالة والصيدليات والمستشفيات، بينما أمام المطاعم فسيتم إغلاق الأبواب وسيكون العمل في توصيل الطلبات فقط وليس تناول الطعام داخلها مثل فترة انتشار وباء كورونا بالضبط.

ويقول الشاهد في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن تطبيق قرار غلق المحال التجارية والمولات والمطاعم من الساعة التاسعة مساءً سيؤثر على دخل المواطنين والتجار في ظل الظروف الاقتصادية، إذ يوجد بعض المواطنين الذين يضطرون إلى العمل الإضافي ليلًا لتحسين دخولهم، وعليه ستحرمهم من ذلك وستزيد العبء على عاتقهم.

وبحسب غرفة الجيزة، فإن تأثير تنفيذ القرار سينعكس على التاجر والعامل البسيط الذي سيقل عدد ساعات عمله ومعه سيقل أجره، وقد تضطر بعض المحال التجارية إلى تقليل عدد العمالة، كما أن تطبيق القرار سيزيد الضغط على أصحاب الأعمال الذين تأثروا برفع أسعار الوقود وارتفاع أسعار المواد الخام. وشدد الشاهد بقوله "لا يصح استحداث أنظمة طبقت في دول ذات طبيعة مختلفة عن طابعنا وتطبيقها لمجرد أنها نجحت في دول أخرى، فكل دولة لها طابع تتميز به ونظام مناسب لمواطنيها".

الحلول المطروحة والبدائل الاقتصادية

وأمام هذه التحديات، تبرز تساؤلات عن وجود حلول أخرى، فبحسب خبراء اقتصاد سيؤدي الإغلاق المبكر لتخفيض عدد السيارات ليلاً وزيادة العمل من المنزل وتخفيض استهلاك الطاقة، غير أنه سيؤدي في الوقت نفسه لانخفاض في السياحة وزيادة السرقة وتكدس في الشوارع قبل موعد غلق المحلات، وهي آثار سلبية لابد من دراستها. وسيفتح القرار الباب أيضًا للمخالفة، فبعض المقاهي الشعبية ستغلق أبوابها على الموجودين فيها وستواصل العمل مثلما حدث في فترات كورونا، خاصةً أن بعضها يقع في أزقة ضيقة، كما يتم التواصل بين أصحابها في حالة وجود حملات تفتيشية من الحي.

ولمواجهة ذلك، يقول الخبير الاقتصادي أحمد العطيفي، إن جميع المحلات يُفترض أن تغلق أبوابها من الساعة التاسعة مساءً مقابل الثانية عشرة حاليًا، مما يعني ثلاث ساعات أقل، ويمكن أن يقدم كل من يريد أن يعمل للساعة الثانية عشرة مساءً طلبًا إلى الحي مرفقًا به آخر فاتورة كهرباء. ويتم سداد 30% مقدمًا من فاتورة الكهرباء السابقة للحصول على تصريح غلق متأخر لفترة شهر على اعتبار أنه الاستهلاك الفعلي له في نفس الظروف، لتسدد كل قيمة فاتورة الكهرباء الجديدة المتبقية للشهر نفسه عند صدورها.

ويضيف الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن ذلك الحل يجري من خلاله تحميل مالك المحل أو المول قيمة إضافية من استهلاك الكهرباء والدولة تحصل على مبلغ مقدمًا يساهم في أعباء استهلاك الكهرباء من الساعة التاسعة إلى الثانية عشرة مساءً.


اقرأ أيضًا:من 7 إلى 10 آلاف جنيه.. سيناريوهات رفع الحد الأدنى للأجور وماذا تشتري لك اليوم؟ | فكر تانى


وبين مطرقة القرارات الحكومية الرامية لترشيد استهلاك الطاقة وسندان الأعباء الاقتصادية المتزايدة، تتشابك خيوط هذه الأزمة لتضع مصائر الكثيرين في مهب الترقب. فقصة منى السيد التي تخشى فقدان مورد رزقها الوحيد لا تعدو كونها انعكاسًا حيًا لمعاناة شريحة واسعة من العمالة البسيطة التي تتأثر سلبًا بأي تقليص لساعات العمل.

وفي خضم هذه التحديات التي تعصف بقطاعات حيوية كالمقاهي والسياحة والأنشطة التجارية المتنوعة، تتجه الأنظار نحو الحلول الوسطى التي يطرحها الخبراء ومسؤولو الغرف التجارية لإنقاذ الموقف، ويبقى الأمل معقودًا على إيجاد صيغة مرنة توازن بين حق الدولة المشروع في توفير نفقاتها ومواردها، وبين ضرورة حماية أرزاق الناس ودعم عجلة الاقتصاد المحلي، حتى لا تنطفئ أنوار الشوارع التجارية وتتبدد معها آمال آلاف الأسر في تأمين قوت يومها بحلول غير مدروسة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة