"الإعدام الوظيفي".. آلاف من ضحايا القانون 73 في انتظار "قُبلة حياة" برلمانية

بينما كان فتحي محمد، الموظف في شركة "بتروتريد" للخدمات البترولية، يستعد لقطع خطوة إضافية في مسيرته المهنية، بالتثبيت على درجة رئيس قسم، فوجئ بإنهاء خدمته وحرمانه من مستحقاته عن رحلة عمل استمرت 22 عامًا.

لم تكن نهاية حياة محمد العملية نتيجة إهمال في مهام وظيفته، إنما لثبوت إيجابية تحليل المخدرات الذي أخضعته له الشركة، ضمن المسوغات الرئيسية للترقي.

حضر محمد إلى مركز "السهام" التابع لوزارة البترول في الموعد الذي حدد له، وسلم عينة البول: "كنت أنتظر الحصول على النتيجة أسفل المبنى، لكن فوجئت بيهم بيقولوا لي إنهم عملوا محضر غش وامتناع عن التحليل".

خاض محمد مشاجرة بعد إبلاغه بقرار اللجنة الطبية، بتحرير محضر غش وامتناع عن التحليل، وغادر بعدها كم دون التوقيع على المحضر، لكن الموظف الأربعيني واظب على عمله بعدها اعتقادًا بأنه قد يعود لإجراء التحليل مرة أخرى، غير أنه بعد عشرة أيام صدر قرار بفصله نهائيًا من الخدمة بدعوى ثبوت إيجابية عينة تحليل المخدرات.

فجأة، انضم الموظف الطامح للترقي إلى طابور العاطلين، وهو واحد ضمن آلاف خسروا مصدر رزقهم الوحيد وسمعتهم أيضًا، في أعقاب تطبيق القانون 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، والمعروف بقانون الفصل من الوظيفة بسبب تحليل المخدرات.

مر القانون حينها في أجواء حملات استهدفت سائقي الحافلات، الذين ثبت تعاطيهم للمخدرات في أثناء القيادة بعد وقوع عدد من حوادث السير، تبعها كذلك إجراء حملات فحص دوري للمخدرات على موظفي الدولة والهيئات، بهدف حماية الأرواح والمرافق وأموال الدولة.

لكنه واجه منذ صدوره اعتراضات حقوقية وعمالية واسعة لوجود شبهات عدم الدستورية في مواده، كما أسفر تطبيقه عن الافتئات على حقوق الكثير من العاملين، والإضرار بأعداد واسعة من الأسر التي فقدت مصدر رزقها، كما لم تتوقف مناشدات واحتجاجات وتحركات الموظفين والعمال المتأثرين به وأسرهم، التي انتهت أحيانًا بـالقبض على منظميها وحبسهم.

حراك في مجلس النواب

مع بدء الفصل التشريعي الجديد لمجلس النواب، شهد هذا الملف حراكًا برلمانيًا لافتًا بطلبات إحاطة لمناقشة أثره التشريعي بهدف إنقاذ آلاف الموظفين المفصولين، بسبب أخطاء في التحليل، أو تناولهم أدوية علاجية أثرت على نتائجه.

بين 2022، موعد دخول القانون حيز التنفيذ، و2026، موعد المطالبة بتعديله، جرت الكثير من المياه في النهر، فمحمد سعفان، وزير العمل الذي أقر في عهده هذا القانون، هو نفسه رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، الذي بدأ دراسة الأثر التشريعي لقانون شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها.

في تعقيبه على فتح هذا الملف، قال سعفان إن الهدف من القانون حماية المجتمع والعامل، وشدد على التمسك بتطبيق القانون، مع مراجعة بعض أحكامه، مثل دراسة منح الموظف الذي يثبت تعاطيه فرصة أولى من خلال إيقافه عن العمل مؤقتًا مع توجيه إنذار، مع مد مهلة تصل إلى 90 يومًا لإعادة الفحص، وفي حال تكرار النتيجة تتخذ الإجراءات القانونية التي قد تصل إلى الفصل من الخدمة.

إعدام وظيفي ورحلة ممتدة في القضاء

لم يستسلم موظف بتروتريد، فتحي محمد، إلى قرار الفصل النهائي الصادر في مايو 2024، وبدأ رحلة التقاضي لاسترداد وظيفته، وآلت القضية إلى محكمة النقض بعد رفض دعواه القضائية.

عامان إلا قليلًا، اضطر خلالهما لبيع سيارته الخاصة لتصفية ديونه المتراكمة لتغطية احتياجات أسرته المكونة من 4 أفراد، فأكبر أبنائه في مرحلة الجامعة وأصغرهم في الإعدادية، وبات مستقبلهم اليوم على المحك بعد أن تبددت مدخرات الأسرة.

"عمري 47 عامًا، قضيت نصفها تقريبًا في الشركة، وأعاني من انزلاق غضروفي منعني من العمل بمكان آخر بعد فصلي"، يقول فتحي لـ"فكر تاني"، بينما يتمنى العودة لوظيفته، "فرصتي الوحيدة في الحياة"، منتظرًا حكمًا قضائيًا أو تعديلًا تشريعيًا ينصفه ويعيده لوظيفته.

يبدو الوضع أكثر صعوبة عند محمد صابر، الموظف بشركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، الذي كافح لإثبات تناوله أدوية نفسية تسببت في إيجابية عينة تحليل المخدرات: "أعاني من مرض نفسي منذ 2013 وأخضع للعلاج بمستشفى جمال ماضي أبو العزايم للطب النفسي".

صدر قرار بفصل صابر من عمله في أغسطس 2023 بعد كشف مخدرات روتيني بشركة الكهرباء، ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف المحاولات القضائية والإدارية لإثبات تاريخه المرضي، فتشكلت لجنة ثلاثية وأجرى تحليلًا جديدًا تحت إشراف صندوق علاج ومكافحة الإدمان، وبحسب صابر: "رغم ثبوت سلبية العينة فإن الشركة القابضة للكهرباء رفضت الاعتراف بنتيجة التحليل".

خسر صابر، وهو أب لثلاثة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، خلال هذه الفترة الكثير من مدخراته جراء إيقاف راتبه، بينما يعتمد بشكل رئيسي على إيرادات محل أدوات كهربائية خاص به تراكمت خسائره وديونه كذلك: "من ساعة ما اترفدت وأنا مديون والمحل بيخسر لأني مش قادر أسدد الديون ولا أشتري مستلزمات التجارة".

اختلاط العينات سبب في أخطاء النتائج

يشكك بعض المتضررين في نتائج عينات التحاليل التي أجروها بمعامل تابعة للوزارات والهيئات، مثل الموظف بقطاع البترول حازم الكظم، الذي أجرى تحليلًا بجهة حكومية عقب يومين من التحليل الذي خضع إليه بمستشفى السهام البترولية، وجاء مخالفًا للنتيجة الأولى الإيجابية، وهو ما عزاه إلى اختلاط العينات بسبب خضوع أعداد كبيرة من الموظفين للفحوصات الطبية في توقيت واحد.

قضى الكظم 16 عامًا في شركة كار جاس للخدمات البترولية، ومثل غيره كان يتطلع للترقي استنادًا إلى ملفه الوظيفي المشهود له بالكفاءة والسيرة الحسنة، لكن الرياح جاءت عكس ما تشتهيه السفن ليجد نفسه بلا وظيفة، ويتساءل متعجبًا: "لماذا أتناول الحشيش أو الترامادول وأنا على وش ترقية والتحليل ليس فجائيًا لكنه إجراء معروف، ولماذا ثبتت سلبيته بينما في السهام النتيجة إيجابية، ولو فعلًا بتعاطي حاجة كيف تتحول العينة من إيجابية إلى سلبية بعد يومين؟!".

سيارة الكظم كانت المنقذ الوحيد بعد خسارته لوظيفته، يواصل الليل بالنهار متنقلًا بين تطبيقات النقل الذكي من أجل تلبية احتياجات أسرته، فلديه 3 أبناء أكبرهم بالمرحلة الإعدادية، ويخشى أن تطول محنته ويتأثر مستقبلهم الدراسي في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة انزلقت فيها الكثير من الأسر "المستورة" إلى خط الفقر.

يحلم الموظف بقطاع البترول باستعادة وظيفته من جديد، ويراه حقًا مشروعًا لكثيرين تعرضوا لما يصفه بـ"الذبح الوظيفي وضياع أحلام أسرهم"، مطالبًا بإدخال تعديلات على القانون بما يسمح بإجراء عينات جديدة لإنصاف المتضررين وإعادة اعتبارهم، مشيرًا إلى أن موظفي الهيئات لا يعارضون القانون برمته بل يريدون الخضوع لتحاليل طبية بمستشفيات حكومية معتمدة، وبإشراف من الطب الشرعي لتفادي اختلاط النتائج وإلغاء التحاليل الاستدلالية، التي ثبت ضعف نتائجها.

وبينما يواصل موظفون كثر تعرضوا للفصل طرق أبواب المحاكم لانتزاع أحكام قضائية توقف قرارات فصلهم من الخدمة، حالف الحظ آخرين استنادًا إلى الإجراءات الخاطئة في تطبيق مواد القانون، مثلما حدث في واقعة محاسب بمستشفى شرم الشيخ، الذي أثبت عدم توقيع ممثل مصلحة الطب الشرعي على نتيجة التحليل، كما أفلت عامل بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بالإسكندرية من المصير ذاته بسبب خطأ مماثل في الإجراءات، وأمرت المحكمة بإعادته.

شبهات عدم الدستورية

ساهمت هذه الأحكام في إيداع المحامي مصطفى زكي، أول طعن دستوري على القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، وهو طعن تحددت له جلسة جديدة لتنظره هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا في أبريل القادم، وهو مسار يعول عليه المحامي العمالي مصطفى زكي ومن خلفه آلاف الموظفين في إبطال قرارات فصلهم وتعويضهم عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم.

يقول زكي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن القانون تسبب في مآسٍ اجتماعية بعد فصل آلاف دون مراعاة للبعد الاجتماعي ووصم وتشريد أسرهم نتيجة التحليل الفجائي للمخدرات واعتماد التحليل الاستدلالي بعينات بول شابه قصور في الإجراءات، واصفًا إياه بقانون الإعدام الوظيفي حيث غابت عنه الضمانات الأساسية للعامل، فلا تعرض الشركة أمر الفصل على المحكمة المختصة، ويُحرم العمال من التقاضي أمام المحكمة العمالية، إلى جانب عدم اشتراط التعاطي أثناء العمل أو تأثيره على بيئة العمل، وعدم تحديد نسبة المخدر ومدى كفايتها لتبرير الفصل، ولم يُراعِ مبدأ التدرج في العقوبة.

ويعرج زكي إلى إشكالية التحاليل في ظل شكاوى متكررة من التلاعب في النتائج والتشكيك في شفافية بعض المراكز الطبية، مشيرًا إلى أن القانون حصر التحليل في عينة البول دون الدم وهي الأكثر دقة، كما أن التحليل التوكيدي من العينة ذاتها دون أخذ عينة أخرى من الموظف، فضلًا عن افتقاره لتحديد نسبة معينة للمخدر في الجسم ومدى تأثيرها على أداء الوظيفة.

حملة العلاج قبل العقاب

يصف كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، القانون 73 بالجريمة الاجتماعية، بسبب ما ترتب عليه من آثار كارثية بفصل الآلاف من وظائفهم بعد إجراء تحاليل المخدرات بشكل فجائي، مشيرًا إلى أن دار الخدمات تتبنى حملة نقابية وإعلامية لإعادة النظر في القانون تحت شعار "العلاج قبل العقاب" لتوفير الحماية للعمال والموظفين بتوفير مسار للعلاج والتأهيل قبل إنزال العقاب عليهم، حيث أدى تطبيقه إلى تشريد آلاف الأسر بعد حرمانهم من مصدر دخلهم الأساسي.

واعتبر عباس، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن القانون بنصوصه الحالية نسف فكرة الأمان الوظيفي ووضع حياة عشرات الآلاف في مهب الريح، كما أظهر تربصًا كبيرًا من الحكومة بالموظفين لتخفيف أعباء الهيكل الإداري، مشيرًا إلى أن القانون مُرر بضرورات مواجهة انتشار المواد المخدرة وأضرارها، غير أن ما ترتب عليه من مآسٍ يكشف عن نهج عقابي أكثر منه إصلاحي.

اتحاد العمال الرسمي يدعم تعديل القانون

الحراك الحالي لتعديل القانون، امتد إلى أصوات محسوبة على الحكومة، حيث يقول مجدي بدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، في تصريح لـ"فكر تاني"، إن "القانون يجب أن يعاد النظر فيه لأن الهدف هو الإصلاح وليس العقاب"، مشيرًا إلى أن التطبيق كشف عن ثغرات يجب سدها ولم يمنح للعامل أو الموظف فرصة الاستتابة.

يقترح بدوي، وهو أيضًا رئيس نقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام، تعديل المواد الخاصة بالفصل الفوري حال ثبوت تعاطي المخدرات، بنص آخر يخفف من العقوبة بإيقافه عن العمل لفترة، أو خصم جزء من راتبه لمدة معينة وإعادة إجراء التحليل عليه قبل اتخاذ قرار فصله من العمل، لضمان الحفاظ على أسرته ومستقبل أبنائه.

بصيص أمل في مجلس النواب

بموازاة الحراك النقابي، تشهد الساحة النيابية تحركات مماثلة لمراجعة الأثر التشريعي للقانون 73، في مقدمتها مقترح تعديل القانون من النائبة نشوى الشريف الذي حمل توقيع عُشر أعضاء مجلس النواب، لتحقيق التوازن بين معالجة تحديات تطبيق القانون وفلسفة الدولة في مواجهة تعاطي المخدرات داخل الجهاز الإداري.

توضح الشريف في تصريحاتها لـ"فكر تاني" أن أبرز التعديلات المقترحة تتعلق بمد ميعاد التظلم وطلب التحليل التوكيدي بما يتيح فرصة حقيقية للعامل لممارسة حقه القانوني، إلى جانب تنظيم إجراءات الوقف الاحتياطي، وتأكيد سرية البيانات الصحية الخاصة بنتائج التحاليل، ووضع ضوابط أكثر دقة لإجراءات سحب العينات وتحليلها.

غير أن النائبة عن الحزب المصري الديمقراطي، سناء السعيد، تشير إلى أن التعديلات البرلمانية المقترحة حاليًا على القانون 73 سبق وأن رفضتها الحكومة وأيدها نواب الأغلبية، معتبرة أن الكرة الآن في ملعب الأغلبية.

التحركات النقابية والبرلمانية الرامية لإعادة النظر في القانون 73، تمثل نافذة أمل بالنسبة لموظف البترول حازم الكظم، وفتحي محمد، وصابر، وآلاف مثلهم لاسترداد حقوقهم واسترجاع وظائفهم بعدما قلب القانون حياتهم رأسًا على عقب.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة