منذ اللحظات الأولى لحملها، تمنت وفاء جابر أن يهبها الله طفلة، وما إن أكدت لها طبيبة النساء أن الجنين أنثى، حتى استقر قلبها على اسم "مليكة". وبشغف الأمومة، بدأت وفاء تجهيزاتها الخاصة، حيث تواصلت مع متجر للتطريز اليدوي لتصميم فستان وهدايا تذكارية تحمل اسم صغيرتها المنتظرة لتستقبلها بها فور ولادتها.
تحكي الأم الشابة، البالغة من العمر خمسة وعشرين عامًا، كيف كانت تتحسس بطنها مع كل ركلة تشعر بها، معبرة لـ"فكر تاني" عن ذلك بقولها "كنت بنادي عليها وأغني لها أغاني باسمها، أبوها مسافر من بداية حملي وحصلت مشاكل مع أهله فمشيت من بيت العيلة ورجعت عيشت مع أهلي، هما اللي صرفوا عليا وكانوا بيراعوني طول فترة الحمل". وفي يوم الولادة، اقتحم أهل الزوج المشهد لا للاطمئنان عليها وإنما لانتزاع "حق التسمية".
وهكذا تحولت فرحة الولادة إلى ذكرى تعيسة، إذ تضيف وفاء "جابولي شهادة الميلاد ومكتوب الاسم سحر، على اسم أمه، من غير رغبتي ولا كأنها بنتي، وبسبب المشاكل أعلنوا كلهم على فيس بوك الاسم اللي اتفرض علي، فاضطريت أكتب أنا كمان إني جبت بنت وسميتها مليكة، وتقريبا اليوم ده كل اللي حوالينا عرفوا إن بنتي لها اسمين".
وتعكس هذه الحادثة واقعًا أعمق في الكثير من المجتمعات الشرقية، حيث يُنظر إلى المولود كحلقة في سلسلة نسب الأب فقط، مما يحول حق التسمية إلى امتياز ذكوري. ولا تقتصر مواجهة الأم هنا على القوانين الرسمية وحدها، وإنما تصطدم أيضًا بجدار من التقاليد التي ترى في اختيارها تعديًا على مكانة الأب أو إهانة لإرث العائلة.
ويمنح قانون الأحوال المدنية المصري رقم 143 لسنة 1994 الأب الحق الأصيل في التبليغ عن الولادة في مكاتب الصحة، وتسمية الطفل رسميًا واستخراج شهادة الميلاد. وفي حالة غياب الأب أو امتناعه عن التسجيل، تتم الإجراءات من قبل الأم بعد تقديم ما يثبت العلاقة الزوجية من خلال وثيقة الزواج. أما في حالة وفاة الأب، فيجب على الأم تقديم شهادة الوفاة بالإضافة إلى شهادة الزواج من أجل القيام بإجراءات تسجيل الولادة، أو يمكن أن يقوم بذلك الأقارب حتى الدرجة الثانية الذين كانوا حاضرين أثناء الولادة.
ورغم هذا الإطار القانوني، تواجه الأمهات من الناحية العملية مشاكل عدة في تسجيل الأبناء عند غياب الأب، وعلاوة على ذلك قد يطلب المسؤولون في بعض الحالات أن يتم التسجيل من قبل أقارب من جهة الأب سواء الجد أو العم، وليس من جهة الأم.
صاحبة الحق الغائبة
وبينما كانت وفاء تصارع واقعًا فُرض عليها داخل المستشفى، لم تكن تعلم أن قصتها ليست سوى فصل في كتاب مفتوح تعاني منه نساء كثيرات. فالسلطة الأبوية التي اختزلت حقها في اختيار اسم طفلتها، هي ذاتها التي تكررت بصورة أخرى في حياة ريهام، التي ظلت شهرين لا تعلم الاسم الحقيقي لابنها.
ففي قرية منشأة دملو بالمنوفية، تحولت رغبة ريهام مصطفى في اختيار اسم عصري لمولودها إلى خطيئة كبرى في عرف عائلة زوجها، حيث واجهوها بقرار حاسم مفاده "قالوا لي مفيش اختيار، الولد هيكون توفيق على اسم جده". وتصف ريهام لـ"فكر تاني" معاناتها قائلة "رد فعلي كان مبالغ فيه شوية بالنسبة لهم لمجرد إني اعترضت أو شوفت إنه اسم كبير على طفل، كل الردود اللي قولتها كانت لا شيء جنب الغضب اللي حسيت بيه، أنا حملت بمعجزة، مش عارفة هاخلف تاني ولا لأ، كنت بموت من التعب طول فترة حملي، طب إزاي ميبقاش ليا أحق أسمي ابني".
ولم تتوقف محاولات الأم لإثناء أسرة الزوج بأكملها عن قرارهم، غير أنهم قرروا أن يكون العقاب قاسيًا. وتستكمل ريهام حكايتها "يوم الولادة خدوا الولد الصحة عشان يسجلوه، ولما رجعوا بسأل سميتوه توفيق بردو؟ فأقسموا أنه اتكتب باسم تاني خالص، ورفضوا يعرفوني أو يدوني شهادة الميلاد، وفضلت شهرين معرفش اسمه الحقيقي ولا عارفة أنادي عليه بإيه ولما حد يسألني خلفتي إيه كنت بسكت وأعيط".
تعدد الأسماء كفعل مقاومة
تُظهر قصتا وفاء وريهام كيف يتحول الاسم من دلالة حب وعلامة هوية، إلى ساحة معركة لإثبات النفوذ وتكريس الولاية الأبوية، ليصبح المولود في أوراقه الرسمية مجرد نسخة مكررة من ماضٍ لم تختره أمه.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود السجلات الرسمية والإقصاء من الاختيار، وإنما تمتد لتضع الأم في مرمى الانتقاد المجتمعي بسبب قرارات فُرضت عليها قسرًا، لتتحمل وحدها نتيجة نزق السلطة الأبوية وأهوائها المتقلبة. وهو ما يتجلى بوضوح في حالة سمر محمد، البالغة من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، التي تشكو من اللوم المتكرر الذي تتعرض له من الدوائر المحيطة بها بمجرد سماع اسم طفلها، لتبرر موقفها قائلة "لما حد يعرف إن اسم البيبي صقر، الناس تقولي حرام عليكي، إزاي طفل مكملش سنة يبقى ده اسمه، فبضطر أشرح للكل إني مجبرة عليه ومختارتش".
ولا يعود فرض الاسم في قصة سمر لأسباب عائلية تقليدية أو رغبة في تخليد ذكرى الأجداد، وإنما يمثل استعراضًا واضحًا لسلطة الجد وتأثره بشخصية أحد الممثلين الذي كان يحمل لقب "صقر" في أحد المسلسلات. ورغم موافقة سمر في بداية حملها على أن يكون المولود "أحمد" تيمنًا باسم جده، فإن الشهور الأخيرة من حملها شهدت فرمانًا جديدًا ومفاجئًا من الجد، وصل إلى حد التهديد بمقاطعتهم للأبد في حال عارضوا رغبته.
وتحكي الأم لـ"فكر تاني" أنها بكت كثيرًا وحاولت إقناعه بأن الطفل سيتعرض للتنمر، لكنه لم يهتم، وتضيف "راح سجله صقر ولما شوفت شهادة الميلاد انهارت وقعدت شهور مكتئبة وحاليا أنا اللي بتلام ولو في إيدي هاروح أغير الاسم بعد وفاة جده، لكن مفيش في إيدي حاليًا غير إني أنادي عليه باسم تاني".
وتتفق الأمهات الثلاث في أن أطفالهن ولدوا باسم مزدوج، حيث يصبح تعدد الأسماء وسيلة دفاعية تلجأ إليها النساء لمقاومة السلطة الأبوية. وتقرر الأم تسمية الطفل باسم مختلف عن المسجل رسميًا كمحاولة لاستعادة السيادة على هوية طفلها بعيدًا عن السجلات الحكومية التي تمنح الأب الحق المنفرد.
كيف تُسلب الأم فرحتها في غرف التسجيل؟
تقول مجدة حلمي سعودي، مسؤول ميكنة وكاتب بالإدارة الصحية في شبرا الخيمة، لـ"فكر تاني"، إن القانون لا يسلب الأم حق تسجيل الطفل، لكن أغلبهن يجهلن ذلك، أو أنه بسبب آلام المخاض والولادة جرت العادة أن الأب وعائلته هم من يتولون هذه الإجراءات، وتضيف "لو جت لي واحدة عايزة تسجل الطفل ومعاها القسيمة وصور بطاقتها وبطاقة الزوج كنت بمشي معاها الخطوات لحد ما تستلم الشهادة".
ولا تنكر مجدة تعنت بعض الموظفين في التسجيل للسيدات، مؤكدة "كان بيجي لي أم بعد ما تكون لفت على كذا مكتب صحة ورفضوا بدون حضور الزوج، لكن أنا بطبق القانون خاصة إن بعض الأزواج بيتعمدوا إذلال الست في موضوع التسمية ده، أحيانا بيكون بينهم خلافات مثلا ويمتنع الأب عن تسجيل الطفل".
ومن واقع عملها الذي يمتد لحوالي ثلاثين عامًا في هذا المجال، تروي مجدة إحدى الوقائع قائلة "في مرة الأم جت سجلت راح الأب اشتكاها وجاب لي المحامي يهددني، وساعتها قولت له روح اقرأ قانون 143 لسنة 1994 وإسنادًا للمادة 20 بتنص على إن والدة الطفل مكلفة بتسجيل الطفل شريطة إثبات العلاقة الزوجية على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية، بنطلب منها بس تكتب إقرار بمسؤوليتها عن صحة البيانات المذكورة".
وفي السياق ذاته، توضح هبة عادل، مؤسسة مبادرة "المحاميات المصريات"، أن حق التسمية ليس مجرد اختيار عاطفي، وإنما جزء أصيل من الولاية على الأبناء التي يمنحها القانون للأب بشكل أساسي. وتشير إلى أن تسجيل الأم لاسم طفلها في العرف القانوني يعد استثناءً لا أصلًا، ففي حال تعنت الأب أو عائلته، تضطر الأم لخوض مسارين شاقين، يتمثل الأول في تحرير محضر لإثبات واقعة الولادة والنسب على مسؤوليتها الشخصية ليتسنى لها استخراج شهادة ميلاد تضمن للطفل حقه في التطعيمات، ومع ذلك يظل لأهل الزوج الحق القانوني في الاعتراض وتغيير الاسم لاحقًا.
ويأتي المسار الثاني كخيار أقسى، حيث تضطر لتسجيل الطفل كمجهول الأب لتتمكن من تمرير الاسم الذي اختارته. وتشدد مؤسسة المبادرة على أنه "لا بديل عن إقرار حق الأم في تسمية وتسجيل أبنائها بشكل فوري"، بحيث لا يُنظر لهذا الحق كاستثناء قانوني أو مسار اضطراري، وإنما كأصل يتيح لها إنهاء إجراءات التسجيل بنفس الخطوات الإدارية التي يتبعها الأب تمامًا.
وتقول لـ"فكر تاني" إن تغيير الاسم لاحقًا ليس أمرًا يسيرًا، فالقانون يضع ضوابط صارمة تتجاوز مجرد عدم الإعجاب بالاسم، لتشمل الأسماء المنبوذة أو المسيئة أو التي تسبب خلطًا في الجنس.
وتلخص الأزمة في أن حق التسمية هو أول فصول معركة الولاية التعليمية والمدنية التي تُقصى منها الأم، لتبدأ رحلة التهميش من لحظة تدوين الاسم في شهادة الميلاد، ولذلك فإن الحل لا يمكن أن يظل رهينًا لمسكنات قانونية أو إجراءات مؤقتة مثل الولاية التعليمية التي تُمنح بشروط، وإنما يجب أن يكون حلًا جذريًا وشاملًا.
وترى هبة عادل أن نقطة الانطلاق تبدأ من إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية بما يضمن للأم ولاية كاملة غير منقوصة على أطفالها. وهكذا تُصادر فرحة الأم في أروقة الدوائر الرسمية والأعراف الاجتماعية، لتصبح ورقة الميلاد وثيقة إقصاء تُهمّش رغبتها لصالح سلطة مجتمعية.
وهكذا تتجاوز أزمة تسمية المواليد حدود السجلات الورقية والنزاعات العائلية لتصبح انعكاسًا صريحًا لخلل أعمق في ميزان الحقوق والأدوار، ففي الوقت الذي تتحمل فيه الأم وحدها مشقة الحمل وآلام المخاض، تجد نفسها فجأة مجردة من أبسط حقوقها الإنسانية وهو اختيار اسم لطفلها الذي حملته في أحشائها لأشهر طويلة، ولعل تعدد الأسماء الذي تلجأ إليه وفاء وريهام وسمر وغيرهن من الأمهات ليس مجرد حيلة لتعويض فرحة مسلوبة، وإنما اعتراض صامت ضد سلطة أبوية تقصي الأم من المشهد فور انتهاء دورها البيولوجي. ويبقى الأمل معقودًا على وعي مجتمعي جديد وتعديلات تشريعية جريئة تعيد للأم حقها الأصيل في الولاية، وتضمن ألا تتحول شهادة الميلاد في يوم من الأيام من وثيقة لإثبات الحياة إلى وثيقة لإقصاء من وهبت هذه الحياة.