تاء فاعلة | كوتة المرأة.. كيف نقفل دفاتر البرلمان؟

ندى، وهو اسم مستعار، فتاة صعيدية مسيحية متفوقة في دراستها. التحقت بإحدى كليات القمة، ودرست تخصصًا نادرًا وتفوقت فيه، لكن كان لديها شغف آخر بالعمل العام، وخاصة الاجتماعي منه، إذ حلمت أن يكون لها تأثير محلي في حياة الناس من حولها. عملت في المجتمع المدني، وطورت من أدواتها السياسية والتفاوضية، وفي خطوة جريئة تجاوزت فيها صغر السن وخوف البدايات، قررت أن تصل إلى مجلس النواب لتكمل ما بدأته بمحاولة تحسين حياة مجتمعها.

تقدمت لأحد الأحزاب محملة بأحلامها وشغفها وأدواتها التي تطورت في المجال العام وبالالتحام مع مجتمعها. وبالفعل، وُضعت على قائمة الحزب للترشح لمجلس النواب، لكن المفاجأة أنها تَرَشَّحَت عن إحدى محافظات الدلتا.

كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ تساؤلات متعددة تدور في الأذهان بلا إجابات شافية، فكيف يمكن لمرشح أن يخرج من محيطه ليمثل محيطًا اجتماعيًا آخر، ويعبر عن احتياجاته، ويحقق آماله؟

ندى لم تكن الحالة الوحيدة، فأنا أعرف سيدات من القاهرة يمثلن دوائر في الدلتا، والسر وراء هذه العجيبة هو "كوتة المرأة" في الدستور والقانون.

وضعت المادة 11 من الدستور الأسس لنظام الكوتة، وتنص على أن "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقًا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلًا مناسبًا في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا."
وقد حدد نص المادة 102 من الدستور بشكل أكبر التمثيل المناسب للمرأة الذي جاء في المادة 11، حيث تنص المادة 102 على أن "يُشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن أربعمائة وخمسين عضوًا، يُنتخبون بالاقتراع العام السري المباشر، على أن يُخصص للمرأة ما لا يقل عن ربع إجمالي عدد المقاعد."

أصحاب هندسة الترشح لمجلس النواب في القوائم المغلقة يعانون بسبب النقص الشديد في نسبة تمثيل المرأة والأقليات، مما يؤدي إلى التحركات الجغرافية للمرشحات من محافظة إلى أخرى.


اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | التمييز في العمل يبدأ من المنزل | فكر تانى

 

 

 

 

 


وفي حالة ندى، وهي مكسب كبير، إذ إنها امرأة مسيحية، ولها تمييز مضاعف كونها امرأة ومسيحية، فيمكن وضعها حتى تزين القائمة وتعطي انطباعًا ظاهريًا بالتمثيل المتوازن لكل فئات الشعب. وهذا دفع القائمين على تشكيل القائمة الوطنية إلى أن يضربوا عصفورين بحجر واحد، فوجودها سيخدم نسبة السيدات المطلوبة ونسبة الأقليات المطلوبة في القانون في الوقت نفسه.

وقد حدد قانون مباشرة الحقوق السياسية ذلك، حيث تنص المادة رقم 5 على أنه "يتعين أن تتضمن كل قائمة مخصص لها عدد (102) من المقاعد الأعداد والصفات الآتية على الأقل: تسعة مترشحين من المسيحيين، ستة مترشحين من العمال والفلاحين، ستة مترشحين من الشباب، ثلاثة مترشحين من الأشخاص ذوي الإعاقة، ثلاثة مترشحين من المصريين المقيمين في الخارج. على أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو من غيرهم (51) امرأة على الأقل."

ويبقى السؤال، هل يُعقل أن تُؤخذ فتاة من الصعيد، من دورها في منطقة جغرافية، إلى منطقة جغرافية أخرى لا تعرف عنها سوى اسمها المُدوَّن في القائمة الوطنية؟

وعلى الرغم من وجود "ندى" نائبةً عن محافظة بالدلتا، لم تستسلم لذلك، فاستمرت في نشاطها المجتمعي والخدمي وعملها البرلماني الذي يخدم محافظتها الأصلية. فالمنطق يقول ذلك، حيث إنها بالتأكيد لا تعلم شيئًا عن الدلتا بحكم نشأتها وعملها المجتمعي في الصعيد لسنوات طويلة.

الكوتة تمثيل إيجابي

تُعرف الكوتة بأنها تمييز إيجابي يُفترض أن يكون مؤقتًا في سياقات معينة. تعزز الكوتة من قدرات المجتمع وتمكنه من اختيار ممثليه على أسس صحيحة، وقد تحتاج الكوتة إلى أن تبقى كآلية مستدامة لتحقيق المساواة الشاملة في العديد من الحالات. ومن المهم أن يتم تقييم الوضع بشكل دوري لضمان تحقيق النتائج المرجوة.

فدائمًا ما يكون تمثيل النساء والشباب والأقليات في البرلمان أقل بكثير من وزنهم السكاني أو مشاركتهم الاجتماعية، لذا تُعد الكوتة وسيلة تصحيحية لزيادة التمثيل وتمكين هذه الفئات من المشاركة في اتخاذ القرار. وجود نواب من هذه الفئات يسهّل طرح قضاياهم على جدول العمل التشريعي -مثل القوانين الخاصة بالمرأة، وأصحاب الاحتياجات الخاصة، ومكافحة التمييز- بدلًا من انتظار تغيّر ثقافي طويل الأمد.

وتهدف الكوتة إلى تحسين تمثيل الفئات المحرومة، مما يجعل انتخابات ومؤسسات الدولة أكثر شمولية في التمثيل، ويساهم في زيادة الثقة الشعبية في المؤسسات.

الكوتة في مصر

في مصر، يُعد التطبيق الفعلي للكوتة مجرد وسيلة لتلبية الشروط القانونية، وتسوية الأوراق وملء القوائم دون أن يستند إلى منافسة حقيقية؛ فهو مجرد "سد خانة" يُضاف ليكون ضرورة قانونية تتجاوز التركيز على الكفاءة والأساسيات، وحتى تصبح القائمة صالحة لدخول المنافسة حسب المواد الدستورية والقانونية. والعجب كل العجب أنه لا منافسة، فهي قائمة وطنية واحدة لا تنافس أحدًا.

وأصبحت كوتة النساء مجرد رقم و"تقفيل للدفاتر"، وقد يكون معيار الكفاءة متوافرًا مثل حالة ندى، لكن التلاعب بالتوزيع الجغرافي لفرض تمثيل سطحي يضرب جذور المساواة، ويعكس صورة غير صحيحة عن الإمكانيات الحقيقية للنساء.

فما يحدث هو استغلال الكوتة لصالح الأحزاب، وانتهاك كامل لفكرة التمييز الإيجابي التي من المفترض أن تكون أداة لتقييم مدى فعاليتها في تحقيق التوازن الاجتماعي بعد فترة من تطبيقها، وهذا لن يحدث إذا كان التطبيق "سد خانة" و"تستيف ورق"، فحينها ليس هناك حاجة للتقييم.

ويتحول الأمر تدريجيًا من تطبيق كوتة لتحقيق توازن ومنح المرأة تمييزًا إيجابيًا يشجع المجتمع على اختيار النساء في المناصب القيادية، إلى استغلال السيدات والأقليات "الكوتة" لفرض أغلبية مهيمنة على البرلمان. وأصبحت ندى هنا فرصة وليست كفاءة؛ فنوعها الاجتماعي ودينها أصبحا أهم من مهارتها وقدرتها على قيادة المجتمع.

تمثيل المرأة في البرلمان يجب أن يهدف إلى دعم قضايا النساء، وتعزيز المساواة، ورفض التمييز، بدلًا من كونه مجرد وسيلة لتحسين الصورة أو التجميل للحصول على إشادات دولية؛ فالجوهر والكفاءة والتمثيل الحقيقي يبقون الأهم بكثير.

وتطبيق كوتة المرأة يتطلب التزامًا جماعيًا من الحكومة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، لضمان تمثيل عادل يرفع صوت المرأة ويعطيها مكانة تليق بها. ويجب تحقيق تمثيل عادل وفعّال للنساء، وليس جعله أداة للاستهانة واستغلال النساء والتقليل من مكانتهن في المجتمع بتغيير موطن إقامتهن من أجل القائمة الوطنية.

كما يتطلب النجاح في تطبيق كوتة المرأة نقطة انطلاق من المجتمع نفسه، وتضافر الجهود لبناء مسار يضمن الكفاءة ويحقق العدالة. فمع تصحيح الأسس، يمكن أن تصبح التجربة السياسية مسعى يُثَمَّن فيه كل صوت، ويتحقق فيه التوازن والمساواة دون أي استغلال غير مبرر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة