في خطوة أثارت جدلًا قانونيًا وحقوقيًا واسعًا، نشرت الجريدة الرسمية في عددها رقم 61، الصادر أمس الأحد، قرار وزير العدل رقم 896 لسنة 2026، الذي يقضي بتعليق استفادة المواطنين الصادر ضدهم أحكام قضائية، في قضايا حبس دين النفقة من خدمات حكومية عديدة لحين سداد ما عليهم من مستحقات مالية.
وبينما وصفت وزارة العدل القرار بأنه يأتي في إطار مساعيها لتنظيم الاستفادة من بعض الخدمات الحكومية للمواطنين الصادر ضدهم أحكام واجبة النفاذ وفقًا للمادة 293 من قانون العقوبات الخاصة بجريمة الامتناع عن سداد النفقة، اعتبر حقوقيون تحدثوا إلى "فكر تاني" أن القرار "غير دستوري وجائر ويظلم الأسرة".
وتعقيبًا على أهمية الهدف من القرار، ترى المحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون أن الجدل حوله مهم وضروري. وتوضح أن قضية النفقة تمس حياة آلاف الأمهات والأطفال مبينة أن صعوبة تنفيذ الأحكام تمثل مشكلة حقيقية تضع النساء والأطفال في أوضاع اقتصادية قاسية بسبب تهرب بعض الملزمين بالسداد.
وتضيف انتصار، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنه يمكن النظر إلى القرار في هذا الإطار باعتباره محاولة جادة لتقوية آليات تنفيذ أحكام النفقة وضمان وصولها المباشر إلى مستحقيها. وتعتبر أن هذا المسعى يمثل هدفًا بالغ الأهمية لحماية حقوق الأمهات والأطفال وضمان حصولهم الفعلي على الدعم المالي الذي يكفله لهم القانون صراحة.
وتنص المادة 293 على أن "كل من صدر عليه حكم قضائي واجب النفاذ بدفع نفقة لزوجه أو أقاربه أو أصهاره أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن، وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه لمدة ثلاثة أشهر، بعد التنبيه عليه بالدفع، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ولا تُرفع الدعوى إلا بناءً على شكوى من صاحب الشأن. وإذا رُفعت بعد الحكم عليه دعوى ثانية عن هذه الجريمة فتكون عقوبته الحبس مدة لا تزيد على سنة. ويترتب على الحكم الصادر بالإدانة تعليق استفادة المحكوم عليه من الخدمات المطلوب الحصول عليها بمناسبة ممارسته نشاطه المهني التي تقدمها الجهات الحكومية والهيئات العامة".
بينما يتساءل الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون وعضو جمعيات القانون الدولي، عن امتلاك المشرع لصلاحية ابتداع عقوبة إضافية خارج منظومة العقوبات الأصلية والتكميلية المعروفة وربطها بالحرمان من خدمات عامة لا صلة لها بطبيعة الجريمة المرتكبة. ويرى أن هذا التعديل يطرح إشكاليات دستورية وقانونية جوهرية لا يمكن تجاوزها أبدًا.
ويتفق المحامي الحقوقي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة مع هذا الطرح، معتبرًا أن القرار يعكس حالة من الفوضى القانونية والخلل في فهم العلاقة بين أحكام القضاء وإدارة الدولة للخدمات العامة. ويقول في تصريحات لـ"فكر تاني"، إنه "يكشف حجم الفوضى في بعض القرارات الحكومية التي لا تميز بين تنفيذ الأحكام القضائية وبين التزام الدولة بتقديم الخدمات".
عقوبات مستحدثة وتصالح مشروط
ويبين مهران أن قانون العقوبات المصري يُقسم العقوبات أصوليًا إلى نوعين رئيسيين، أولهما عقوبات أصلية كالسجن والغرامة والإعدام، وهي التي ينطق بها الحكم مباشرة. وثانيهما عقوبات تكميلية تبعية كالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية أو المنع من مزاولة مهنة بعينها أو وضع المحكوم عليه تحت المراقبة الشرطية.
ويوضح مهران، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن هذه العقوبات التكميلية لا تسري ولا تُنفذ إلا إذا نطق بها الحكم القضائي صراحة أو نص عليها القانون نصًا صريحًا مرتبطًا بجريمة بعينها. ويؤكد أنه في كلتا الحالتين يبقى مصدر العقوبة الوحيد والأصيل هو القضاء المستقل وليس الجهة الإدارية ولا حتى القرارات الوزارية الصادرة عن السلطة التنفيذية.
اقرأ أيضًا: الطاعة مقابل النفقة.. الحرية أم الزواج؟ | فكر تانى

ويتابع أستاذ القانون أن ما جاءت به المادة 293 المعدلة من تعليق للخدمات يعد نوعًا ثالثًا غير مألوف لا يندرج ضمن العقوبات الأصلية أو التكميلية. ويعتبره إجراء ضغط اقتصادي واجتماعي مقنع في صورة أثر تبعي للحكم الجنائي مما يجعله مخالفة صريحة للمادة 95 من الدستور التي أرست مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
ويمتد التعليق وفق تعديل القانون الجديد ليشمل وحدات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والجهات التي تؤدي خدمات مرافق عامة، ويستمر حتى أدائه ما تجمد في ذمته لصالح المحكوم له وبنك ناصر الاجتماعي حسب الأحوال. ويحق للمجني عليه أو ورثته أو وكيلهم الخاص وكذلك لبنك ناصر الاجتماعي طلب إثبات التصالح مع المتهم من النيابة أو المحكمة.
ويترتب على هذا التصالح انقضاء الدعوى الجنائية لتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة حتى وإن تم التصالح أثناء تنفيذها أو بعد صيرورة الحكم باتًا. ولا يُرتب الصلح أثره إذا تبين أن المحكوم لصالحه قد تقاضى من بنك ناصر الاجتماعي كل أو بعض ما حُكم به لصالحه ما لم يُقدم المتهم شهادة بتصالحه مع البنك.
ويشمل هذا التصالح مع البنك ما أداه من نفقات وأجور وجميع المصاريف الفعلية التي تكبدها بسبب امتناع المحكوم عليه عن السداد. وفي جميع الأحوال لا تُنفذ العقوبة إذا أدى المحكوم عليه ما تجمد في ذمته أو قدم كفيلًا يقبله صاحب الشأن ويصدر قرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزراء المختصين بتحديد تلك الخدمات.
ولا يُعد هذا القانون جديدًا في حد ذاته فقد أقر القانون رقم 6 لعام 2020 إطارًا عقابيًا مماثلًا لردع المتهربين لكنه لم ينفذ في حينها، ليصبح قرار وزارة العدل الجديد بمثابة اللائحة التنفيذية له. وقد شدد مهران على أن العقوبة في دولة القانون يقررها القضاء وحده وتنتهي آثارها بمجرد تنفيذ الحكم الصادر.
انعكاسات سلبية على الأسرة
يشير مهران إلى أن حرمان المحكوم عليه من خدمات عامة تلتزم الدولة بتقديمها لجميع مواطنيها دون استثناء يُعد من الناحية القانونية الصرفة امتدادًا غير مبرر للعقوبة، ليتجاوز أثرها حدود ما قضى به الحكم الجنائي الأساسي. ويحدد ثلاثة مواطن رئيسية لشبهة عدم الدستورية أولها يتعلق بمبدأ شخصية العقوبة.
وينوه مهران إلى أن المادة 95 من الدستور تنص صراحة على أن العقوبة شخصية، موضحًا أن تعليق بطاقة التموين التي تعيش عليها أسرة المحكوم عليه يفضي إلى معاقبة الأسرة ذاتها المقضي لها بالنفقة. ويعتبر ذلك تناقضًا جوهريًا يمس مبدأ شخصية العقوبة من صميمه ويتجاوز على مبدأ الفصل بين السلطات المكرس في المادة الخامسة.
وهو المعنى ذاته الذي يؤكده ناصر أمين، مشيرًا إلى أن الإجراءات الواردة في القرار قد تؤدي عمليًا إلى معاقبة أفراد الأسرة أو الأبناء بشكل مباشر. ويقول أمين "عندما تُحرم أسرة من بطاقة تموين أو من إضافة طفل إلى البطاقة التموينية لأن الأب صدر ضده حكم بالحبس فإن العقوبة تمتد لتشمل الأبناء".
ويضيف أمين أن هذا يخالف بشكل واضح قاعدة شخصية العقوبة المنصوص عليها دستوريًا. وتلتقط انتصار السعيد خيط هذا التخوف لافتة إلى إمكانية أن يؤدي تعليق بعض الخدمات الحكومية إلى تعطيل قدرة الشخص على العمل أو منعه من استخراج أوراق ضرورية لكسب الرزق، ما ينعكس بآثاره السلبية على الأسرة نفسها.
وتشير انتصار إلى أن هذه الأسرة هي ذاتها التي يُفترض أن القرار صدر خصيصًا لاستهداف حمايتها. ويتوافق هذا تمامًا مع رؤية الدكتور مهران الذي يقول إن الدستور يكفل في مادته 92 عدم جواز تقييد الحقوق والحريات الأصيلة إلا بقانون وبشرط ألا يمس التقييد جوهر الحق الأصيل بأي حال من الأحوال.
ويبين مهران أن حرمان المواطن من خدمات جوهرية كبطاقة التموين الماسة بالأمن الغذائي لأسرته أو رخصة القيادة المهنية التي تمثل مصدر رزقه يمس بلا شك جوهر الحق لا هامشه. ويشير إلى أن الأمر يصل لحد انقلاب هذا الحرمان على الهدف المشروع من النص ذاته بشكل جذري.
ويوضح أستاذ القانون أن تجريد المحكوم عليه من مصادر رزقه الأساسية يجعله عاجزًا تمامًا عن الوفاء بالتزاماته المالية تجاه الأطراف التي صدر الحكم من أجل حمايتهم وتأمين احتياجاتهم المعيشية. وتؤكد انتصار هنا ضرورة التذكير بتمييز القانون المصري بين حكم النفقة كالتزام مالي وجريمة الامتناع عن التنفيذ رغم القدرة.
تحديات التطبيق وضمانات الطعن
وتوضح انتصار امتلاك النظام القانوني بالفعل لأدوات مساءلة وعقاب للامتناع المتعمد مبينة أن التحدي الحقيقي يكمن في بطء إجراءات التنفيذ أو صعوبة تحصيل المستحقات بشكل فعال وسريع. وتطرح مجموعة من التساؤلات الحقوقية المهمة التي ينبغي مناقشتها بعناية لضمان تطبيق القرار بشكل عادل وفعال دون الإضرار بالمواطنين.
وتتساءل عما إذا كان تعليق الخدمات سيؤدي بالفعل لضمان سداد النفقة بانتظام وعن معايير التحقق من أن الامتناع تم رغم القدرة على الدفع وليس لتعثر مالي حقيقي. كما تتساءل عن الآليات المتاحة للطعن أو التظلم في حال وقوع خطأ إداري مؤكدة أهمية وجود إجراءات شفافة تسمح للمواطنين بالدفاع عن حقوقهم.
وتضيف قائلة "من المهم أيضًا معرفة ما هي الضمانات التي تمنع إساءة استخدام القرار أو تطبيقه بشكل تعسفي خاصة في ظل اتساع نطاق الخدمات التي قد يشملها التعليق". ويجيب ناصر أمين على جزئية الطعن موضحًا أن القرار يظل بطبيعته خاضعًا للرقابة القضائية المستمرة من قبل المحاكم المختصة.
ويشدد أمين على أن أي مواطن يتضرر من تطبيقه الفعلي يمتلك الحق القانوني الكامل في الطعن عليه مباشرة أمام محكمة القضاء الإداري لطلب إنصافه وإلغائه. وفي سياق الإشكاليات الدستورية يضيف الدكتور مهران موطنًا ثانيًا يتمثل في التعدي على مبدأ المساواة وعدم التمييز الذي كفلته المادة 53 من الدستور المصري.
ويبين أن تصنيف المواطنين لفئتين تتمتع إحداهما بالخدمات وتُحرم الأخرى استنادًا لحكم قضائي دون تفرقة بين درجات الملاءة المالية أو ظروف العجز الحقيقي ينطوي على تمييز غير مبرر يخالف الدستور. ويشير إلى أن الموطن الثالث يتمثل في حق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة لعدم علم المحكوم عليه مسبقًا بامتداد أثر الحكم.
وأوضح مهران أن حرمان المحكوم عليه من خدمات كانت مكفولة له بحكم القانون يتعارض بشدة مع مبادئ اليقين القانوني وسيادة القانون. وشدد على أن الهدف المشروع لحماية حقوق الزوجة والأطفال يعد هدفًا إنسانيًا نبيلًا غير أن الوسيلة المختارة لتحقيقه قد تنقلب على هدفها وتؤدي إلى نتائج عكسية ومضرة بالأسرة.
وحذر أستاذ القانون من خطورة هذا المسار مؤكدًا أن تحويل الخدمات العامة إلى أدوات مخصصة للحرمان والضغط يفتح الباب واسعًا أمام توسيع دائرة الإقصاء الاجتماعي بين المواطنين. وأشار إلى أن هذه الإجراءات تأتي كنتيجة سلبية تعرقل جهود دعم إعادة الاندماج الإيجابي والفعال للمحكوم عليهم داخل نسيج المجتمع بشكل سليم.
تفويض تشريعي يتسع بلا حدود
ويتطرق الجدل إلى زاوية مهمة، حيث يتوقف المحامي بالنقض والدستورية العليا محمد حامد سالم، عند المادة الثانية من القرار، التي تمنح الوزير صلاحية إضافة جهات أخرى لقائمة الحرمان ليعتبرها سالم كارثة قانونية موضحًا رأيه بالقول "لا أستوعب كيف مرت هذه المادة على الوزير أو على من صاغوا القرار".
ويضيف سالم، في تصريحات إلى "فكر تاني، أن المادة منحت وزير العدل سلطة إضافة جهات لاحقًا قائلًا "وهو ما يعني من الناحية القانونية أن نطاق الحرمان قابل للاتساع بلا حدود". ويشير إلى أن هذه الصلاحية الواسعة تتعارض بشكل مباشر مع مبدأ اليقين القانوني الذي يعد أحد المبادئ الأساسية والراسخة في دولة القانون.
ويؤكد أن هذا المبدأ يضمن معرفة المواطن بحدود الجزاءات بوضوح مضيفًا أن إبقاء الباب مفتوحًا أمام إضافة قيود جديدة بقرارات لاحقة يعني احتمالية خضوع المواطن لجزاءات غير متوقعة أو غير محددة مسبقًا. ويشدد على أن إنشاء عقوبات جديدة أو توسيع نطاق تطبيقها لا يجوز أن يتم إلا عبر البرلمان بقانون.
ويوضح سالم أن فرض آثار عقابية إضافية عبر قرار إداري قابل للتعديل يمثل خروجًا على القواعد الدستورية المنظمة لتوزيع السلطات. ويؤكد أن السماح بإضافة خدمات جديدة لا يعد مجرد سلطة تنظيمية عادية حيث يرقى هذا الإجراء قانونيًا إلى مرتبة تفويض تشريعي غير دستوري يُمنح مباشرة لصالح السلطة التنفيذية.
ويشير سالم إلى استقرار قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن التفويض التشريعي المطلق والخالي من الضوابط يهدر مبدأ الفصل بين السلطات. ويوضح أن السماح للسلطة التنفيذية بإضافة خدمات لقائمة الحرمان يفتح الباب نحو توسيع نطاق القيود المفروضة على المواطنين بشكل مستمر ودون الخضوع لأي رقابة برلمانية تضمن سلامة هذه الإجراءات.
اقرأ أيضًا: أرملة تطلب إذنًا بالأمومة | فكر تانى

ويحذر المحامي بالنقض من أن هذا الوضع قد يؤدي عمليًا لتحويل السلطة الإدارية إلى سلطة تشريعية مقنعة قادرة على فرض قيود جديدة تمس الحقوق العامة. ومع بدء سريان القرار رسميًا عقب نشره يبدو أن الجدل القانوني حوله مرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة وسط تحذيرات الخبراء من تحويل الخدمات لأدوات عقاب.
وفي الوقت الذي يهدف فيه القرار لتعزيز تنفيذ أحكام النفقة وحماية حقوق الزوجات والأطفال يرى منتقدوه أن وسيلته تثير إشكاليات دستورية معقدة. وتتعلق هذه الإشكاليات بحدود السلطة التنظيمية للدولة ومدى جواز تقييد الحقوق بقرارات إدارية بالإضافة إلى خطورة انسحاب الضرر الناجم عن توقف الخدمات الحكومية ليصيب الزوجات والأطفال أنفسهم.