يُعد شهر رمضان في مصر موسمًا سنويًّا لتدفق التبرعات وتكثيف أنشطة الجمعيات الخيرية، حيث تتضاعف حملات جمع الأموال وتتسع شبكات المساعدة الغذائية والطبية والمالية.
ظاهريًّا، يبدو هذا المشهد تعبيرًا عن التضامن الاجتماعي والرحمة الدينية، وهو يعبر بصدق عن التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع. لكن خلف هذه الصورة الأخلاقية، يتشكل نموذج اجتماعي وسياسي أكثر تعقيدًا، ففي رمضان تتحول الشاشات ومنصات السوشيال ميديا إلى مساحات مكتظة بصور وقصص الفقراء مصحوبة بحملات التبرعات ونداءات الإحسان.
يكشف هذا المشهد عن حقيقة أقل راحة، وهي أن الصدقات الموسمية أصبحت إحدى آليات إدارة الفقر بدلًا من تفكيكه والاشتباك مع أسبابه، وأن الجمعيات الخيرية أصبحت تملأ فراغًا تركته الدولة في سياسات الحماية الاجتماعية، مما يحوّل الحقوق الأساسية إلى هبات مشروطة بكرم المتبرعين ومزاج المؤسسات الخيرية.
هذه المقالة ليست نقدًا لفعل العطاء ذاته، بل محاولة لفحص اقتصاد العمل الخيري بوصفه ظاهرة سياسية-اجتماعية، وتأثيره على كرامة الفقراء وحقوقهم، وعلى تصور المجتمع لمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.
دور غائب وشراكة غير متكافئة
في ظل منظومة اقتصاد رأسمالي، تستفيد الدولة بشكل مباشر وغير مباشر من توسع دور الجمعيات الخيرية، لأن هذه الجمعيات تتحمل جزءًا كبيرًا من عبء الفقر والرعاية الاجتماعية نيابةً عنها. وبدلًا من أن تكون الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي التزامًا سياسيًّا وتمويليًّا واضحًا، تتحول إلى نشاط تطوعي يعتمد على التبرعات وسخاء المتبرعين.
وحينما تكون غالبية الجمعيات والمؤسسات الأهلية المشهرة جمعيات خيرية، تصبح تلك الجمعيات آلية استقرار اجتماعي منخفضة التكلفة.
اللافت أن الدولة تُظهر مرونة كبيرة في إشهار الجمعيات الخيرية، مقابل تعنت واضح تجاه المؤسسات الحقوقية غير الحكومية، وذلك في إطار من القيود التنظيمية والإدارية الصارمة.
غياب الرقابة على أموال التبرعات
خلال رحلة عملي داخل العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية، التي امتدت لما يقارب السبع سنوات، أذكر أني كنت شاهدًا على عدد من الوقائع التي تمثلت في تدخلات سافرة في توجيه الدعم المالي لغير مستحقيه، رغم وجود تقارير لزيارات ميدانية واستكشافية تنفي مشروعية استحقاق الدعم، ما كنت أراه غيابًا للمعايير الموضوعية لاختيار المستفيدين والتحقق من استحقاقهم للمساعدات.
إن ضعف الشفافية في إدارة أموال التبرعات يفتح الباب لتشوهات عديدة: أسر غير مستحقة تتلقى الدعم، وأسر أشد احتياجًا لا يصلها الدعم المناسب. ففي ظل غياب البيانات والمعايير الواضحة للاختيار والتقييم، تتحول العدالة الاجتماعية والدعم التكافلي إلى تقدير إداري شخصي بدلًا من أن تكون نظامًا مؤسسيًّا قابلًا للمساءلة.
هذا الوضع يسهم في خلق اقتصاد غير رسمي للتضامن الاجتماعي، تُدار فيه موارد ضخمة دون معايير واضحة للحوكمة أو لمؤشرات قياس الأثر، ومدخلًا لإساءة تخصيص الموارد وربما استغلالها سياسيًّا ودعائيًّا.
ولا يتوقف الخلل عند تلك الكيانات وحدها، بل يمتد إلى الإطار التنظيمي الذي يركز على الامتثال الإداري أكثر من الشفافية العامة، حيث تُقدم التقارير المالية للجهات الإدارية دون إلزام قانوني بنشرها للرأي العام، أضف إلى ذلك غياب متطلبات تقارير الأثر الاجتماعي القابلة للمراجعة العامة. بينما في الأدبيات الدولية لحوكمة القطاع غير الربحي، تُعد الشفافية العامة وإتاحة البيانات المفتوحة شرطًا أساسيًّا لبناء الثقة والمساءلة المجتمعية، فيما تمثل الرقابة البيروقراطية المغلقة نموذجًا يهدف إلى التحكم لا إلى تمكين المجتمع من آليات المساءلة والرقابة المجتمعية.
في هذا السياق، لا يعود العمل الخيري مجرد نشاط اجتماعي، بل يتحول إلى بنية اقتصادية وسياسية غير مرئية، تُخفف الضغط على الدولة دون أن تخضع لآليات التخطيط والمساءلة التي تُفترض في أي سياسة عامة. وبدل أن تكون التبرعات جزءًا من منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية، تصبح بديلًا غير رسمي عنها، يعمل وفق منطق المزاج الموسمي للمتبرعين وحملات العلاقات العامة، لا وفق احتياجات اجتماعية مدروسة أو استراتيجيات تنموية طويلة المدى.
احترام كرامة الإنسان يسبق تقديم المساعدة
المشكلة الأساسية في كثير من ممارسات العمل الخيري ليست نقص الموارد، بل النظرة الضمنية للفقراء/طالبي المساعدات باعتبارهم "حالات" لا أصحاب حقوق.
باعتباري باحثًا اجتماعيًّا متخصصًا في إدارة الحالات، تكوّنت لديّ قناعة راسخة بأن كثيرًا من طالبي المساعدات -بل أكاد أجزم القول بأن جميعهم- لا يبحثون فقط عن إعانة أو مساعدة، بل عن الاعتراف بآدميتهم وعدم اختزالهم في ملف أو صورة أو قصة مشوقة ضمن حملة تبرعات.
ومن ضمن أشهر الممارسات غير الأخلاقية في العمل الخيري هي تصوير طالبي المساعدات واختراق خصوصياتهم، فقد كنت شاهدًا على مثل هذه الممارسات غير الأخلاقية ضمن نطاق العمل في أثناء إجراء الزيارات الميدانية، ولم يكن مفهوم "التصوير" مقتصرًا على الأفراد أنفسهم، بل يمتد إلى تصوير منازلهم وربط الموافقة على التصوير بشرط تقديم المساعدة. هنا يصبح اختراق الخصوصية ثمنًا لتقديم الدعم.
تختلف قاعدة التصوير من جمعية إلى أخرى، حيث نجد جمعيات ترفض تصوير وجوه الأشخاص في مقابل الإصرار على تصوير المنازل، وتبرر الجمعيات والمؤسسات الخيرية هذه الممارسة بمنع الاحتيال وإقناع المتبرعين، لكن الاعتماد على التصوير بدلًا من تطوير أدوات تقييم اجتماعي احترافية وشاملة يعكس ضعفًا مؤسسيًّا. فهل يتناسى القائمون على جمعيات ومؤسسات العمل الخيري أشهر قواعد العمل الإنساني التي تقر بأن "احترام كرامة الإنسان وصون خصوصيته يجب أن يكونا سابقين على تقديم أي مساعدة مالية أو عينية"؟
إن المساعدة التي تُقدَّم على حساب الكرامة ليست عملًا خيريًّا، بل إعادة إنتاج لعلاقة قوة غير متكافئة بين المُعطي والمتلقي، حيث إنّ الفقر ليس جريمة تحتاج لإثبات بصري، ولا ينبغي تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة دعائية.
باحث اجتماعي أم وكيل نيابة
من خلال عملي بمختلف الكيانات الخيرية ترسخت لدي قناعة بأن كثيرًا من تلك الكيانات لا تمتلك مدونات سلوك واضحة تنظم تعامل الأخصائيين والباحثين الاجتماعيين، مع طالبي المساعدات أو مع البيانات الشخصية الخاصة بهم. ففي ظل غياب آليات مساءلة قانونية وإدارية صارمة، وغياب منظومة شكاوى خارجية تخص طالبي المساعدات، تُترك العلاقة الحساسة بين الباحث الاجتماعي والأسر المحتاجة/الأفراد طالبي المساعدات لتقديرات فردية، مما يؤدي لسوء المعاملة وتعميم اللغة الأبوية المهينة.
هذا الفراغ المؤسسي لا يقتصر تأثيره على تعامل الباحثين الاجتماعيين اللفظي أو الأداء غير المهني للزيارات الميدانية، بل يفتح المجال لممارسات سلطوية قد تتطور إلى أشكال متنوعة من الابتزاز، بما في ذلك الابتزاز الجنسي المشروط بتمرير المساعدات.
النقطة الأكثر أهمية هي أن جمع البيانات عن الأسر وطالبي المساعدات يمثل مخزونًا حساسًا من المعلومات الصحية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، كثير من الجمعيات والمؤسسات الخيرية لا تمتلك سياسات واضحة وفعّالة لحماية البيانات، ولا تُدرج أي إقرارات قانونية بعدم تداول أو استغلال البيانات خارج سياق العمل ضمن شروط التعاقد مع العاملين، مما يُسهِّل تحول تلك البيانات والمعلومات الحساسة إلى أداة ضغط محتملة دون أي ضمانات لحفظ الخصوصية أو منع استغلالها. هنا يتضاعف عدم التكافؤ: فقر اقتصادي مقترن بغياب الحماية وآليات المساءلة.
استدامة الفقر وغياب التنمية
غالبية برامج الجمعيات الخيرية تركز على المساعدات قصيرة المدى، مثل: سلال غذائية، وأجهزة منزلية، وإعانات مالية مؤقتة. قليل جدًا من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تتبنى بشكل منهجي برامج التدريب المهني وتنمية المهارات ودعم المشروعات الصغيرة القابلة للاستدامة، التي قد تمكّن المستفيدين من الاستقلال المالي عبر تحقيق دخل ثابت، والتخلص من الاعتماد الطويل على المساعدات.
يعلم الجميع أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية لا تتوقف عن جمع التبرعات، ولكن في الشهر الكريم تتضاعف هذه الظاهرة وتصل إلى ذروة نشاط الحملات الخيرية. فكما أكدنا الطابع الإنساني الظاهر، يظل التركيز على توزيع المعونات المؤقتة بديلًا عن الاستثمار في استدامة الاستقلال المالي لطالبي المساعدات. فالمتعارف عليه بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية أن شهر رمضان هو "موسم جمع التبرعات"، فيبرز هذا "الموسم" بشكل واضح كيف تتحول الصدقات إلى أداة لإدارة الفقر، بدلًا من التمكين الاقتصادي للأفراد.
النتيجة أن طالبي المساعدات يظلون عالقين في دائرة الاعتماد على المساعدة بدل الخروج منها، ويصبح وجودهم في برامج الجمعيات حلًا مؤقتًا، وغير ذي جدوى حقيقية لأزمات ممتدة دون تقديم حلول جذرية أو استراتيجية لكسر حلقة الفقر. فالعمل الخيري هنا يعالج الأعراض لا الأسباب، ويُبقي الفقر في حالة "إدارة دائمة" بدلًا من تفكيكه، وتتحول العلاقة بين طالبي المساعدات والكيانات الخيرية إلى علاقة تبعية مما يجعل الأزمة أكثر استدامة، وتغيب الإجابة على السؤال الأبرز، وهو: هل ما نعاني منه هو فقر أم سياسات إفقار؟
إن العمل الخيري ضروري وقت الأزمات، لكن لا يمكن اعتباره بديلًا عن دور الدولة ومسؤوليتها في ضمان وتوفير الرعاية الاجتماعية لكل الأفراد. والفقر ليس ملف إحسان، بل ملف حقوق غائبة، فالمجتمع الذي يعتمد على الصدقات بدلًا من السياسات العامة للرعاية الاجتماعية ينتج فقراء لا مواطنين مُمكّنين.
إن كاتب هذا المقال لا يرفض العمل الخيري، بل يحاول إعادته إلى موقعه الصحيح، مكملًا للحقوق لا بديلًا عنها.