رغم عدم امتلاكه مأوى آخر، يعارض الموظف المتقاعد مصطفى محمد، التسجيل في منصة السكن البديل التي أتاحتها وزارة الإسكان قبل أشهر لتخصيص وحدات بديلة لمستأجري الإيجار القديم. فالحل الذي تراه الحكومة تعويضًا للمستأجرين الذين سيضطرون لإخلاء منازلهم بعد إنهاء العلاقة الإيجارية، يؤمن محمد بأنه آخر مسمار في نعش أحلامه للحفاظ على مأواه الوحيد.
وأعلنت وزارة الإسكان بدء تلقي طلبات السكن البديل لمستأجري القانون القديم أكتوبر الماضي ولمدة 3 أشهر، ومُدت مهلة التقديم 3 أشهر أخرى تنتهي أبريل المقبل.
استأجر محمد شقة الزوجية بمحافظة كفر الشيخ في ثمانينيات القرن الماضي، بمقدم تعاقد تجاوز 7 آلاف جنيه، وقيمة إيجارية ثابتة بلغت 30 جنيهًا. تُوفي المالك الأصلي للعقار وباعه الورثة، ليبدأ المالك الجديد رحلة مطاردة الأرباح غير المستغلة بإخلاء الشقق بأحكام قضائية حصل عليها على مدار العقدين الماضيين. وبينما صمدت شقته في مواجهة رغبات المالك، اهتزت أعمدتها أمام أحكام القانون رقم 164 لسنة 2025 الذي أعاد تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وسمح للمرة الأولى بانتهاء عقود إيجار الأماكن الخاضعة لأحكام هذا القانون للغرض السكني بانتهاء مدة 7 سنوات من تاريخ العمل به.
وصدق رئيس الجمهورية على القانون 164 لسنة 2025 في أغسطس الماضي، الذي نصت المادة الثانية منه على أن "تنتهي عقود إيجار الأماكن الخاضعة لأحكام هذا القانون لغرض السكنى بانتهاء مدة سبع سنوات من تاريخ العمل به، وتنتهي عقود إيجار الأماكن للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى بانتهاء مدة خمس سنوات من تاريخ العمل به، وذلك كله ما لم يتم التراضي على الإنهاء قبل ذلك".
"استلمت شقتي طوبًا أحمر وأدخلت المرافق وأسستها لتكون شقة العمر بموجب العقود القديمة، التي تتيح للورثة الانتفاع منها طالما كانوا من الجيل الأول، اليوم أواجه التشريد بعد نهاية المدة الانتقالية. قد لا أعيش لأرى هذه اللحظة لأني في منتصف السبعينيات، لكن عندي شابين لم يتزوجا بعد هي الستر بالنسبة لهم"، يقول مصطفى في وقت يعزف فيه عن التسجيل بمنصة السكن البديل لعدم توفير السند القانوني لإخلاء منزله، إلى جانب عدم وضوح البدائل بالنسبة إليه.
وفقًا لرئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، تلقت الحكومة 70 ألف طلب فقط للحصول على سكن بديل للمتضررين من الإيجار القديم منذ تدشين الاستمارة الإلكترونية الخاصة بهم، وهو رقم اعتبره رئيس الوزراء دلالة على عدم وجود متضررين بالملايين عكس ما كان يثار حين تقدمت الحكومة بمشروعها لمجلس النواب العام الماضي، وهو لغم تجنبت الحكومات المصرية الاقتراب منه طوال العقود الماضية خشية من تشريد مئات الآلاف دون أن توفر لهم البدائل.
تهدف الاستمارة الإلكترونية إلى حصر حجم الطلب الحقيقي ومعرفة أماكن تواجد المستحقين واحتياجاتهم من حيث مساحات الوحدات، بحسب مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي، مبينة أن إخلاء المستأجرين لن يتم قبل تسلم الوحدة البديلة وفي نفس المحافظة ولذات الغرض.
تنحصر بدائل الحكومة لمتضرري الإيجار القديم في 4 خيارات تبدأ من الحصول على وحدة سكنية بديلة بنظام الإيجار، أو نظيرتها بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، وأتاحت أيضًا نظام التمليك عن طريق التمويل العقاري، أو من خلال السداد النقدي أو بالتقسيط وفقًا لشروط الإعلانات الصادرة عن صندوق الإسكان الاجتماعي.
أحمد متولي، سائق بالمعاش، يعيش رفقة زوجته وابنته في شقة استأجرها أواخر الثمانينيات بحي البساتين، جنوبي القاهرة، لم يكن مقتنعًا في البداية بإقدام الحكومة على اقتحام ملف تعديلات قانون الإيجار القديم، وبمجرد أن بدأت لجان المحافظة في حصر أصحاب العقود القديمة وزيادة الإيجار في منطقته إلى 450 جنيهًا، بادر أخيرًا إلى التسجيل بالمنصة الحكومية لضمان حق ابنته في وحدة بديلة بنظام الإيجار.
"حين تبدأ الحكومة في إخلاء المنازل المؤجرة سأكون قد بلغت حينها عامي الثمانين، لن أستفيد من هذه الشقة ولا أعرف قيمة الإيجار، لكن زوجتي وابنتي غير المتزوجة ستكونان في الشارع بلا مأوى، ولم يكن أمامي حل سوى شقة الحكومة" يقول متولي لـ"فكر تاني"، حيث تضيق الخيارات أمامه بعد دخول القانون رقم 164 حيز التنفيذ.
تشير التقديرات الرسمية إلى وجود 1.6 مليون مستأجر بواقع 3 ملايين و19 ألف وحدة مؤجرة، ما زالوا يعولون على المسار القضائي أو عدول حكومي مفاجئ ينهي الكابوس الذي أقض مضاجعهم وغير الكثير من خطط الحالمين بنهاية هادئة.
الانتقال إلى منزل جديد في الأمتار الأخيرة من الرحلة لا يروق للكثير من المستأجرين أصحاب المعاشات. فالطبيب المتقاعد أحمد مديان الذي قضى جُلّ عمره في "أرض سلطان" الواقعة على ضفاف النيل بمحافظة المنيا، لا تتوفر لديه الكثير من البدائل إذا أقدم على ترك منزله، مبينًا أن الخريطة العمرانية المكتظة بالسكان لا تسمح بالتخطيط إلا بمكان ناءٍ غير مأهول يسمى "كمين الصفا" بالصحراء الشرقية، وهو يبعد نحو 40 كيلومترًا عن منزله.
"ليس أمامنا إلا المحكمة الدستورية لتنصف أجيالًا ستحرم من السكن، لست مستأجرًا بل شريكًا، دفعت 15 ألفًا ونصف الألف مقدمًا وخلوًّا في الثمانينيات للمالك، كان سعر الشقة التمليك وقتها 24 ألفًا، يعني تقريبًا دفعت ثلثي ثمن الشقة، وهذا المبلغ كان ثمن منزل بالكامل في منطقة مثل أبو قرقاص، هذا كله لا يشفع لنا الآن أمام القانون الجديد" يضيف مديان.
إنهاء العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر بعد السنوات السبع الانتقالية، وإن كان صلب الخلاف والاعتراض، لكن الزيادة التراكمية للقيمة الإيجارية التي تتراوح من 10 أضعاف إلى عشرين تمثل عبئًا على طبيب المنيا أحمد مديان وآلاف مثله تلتهم الزيادات دخولهم مع بنود المعيشة: "لو بقيت الزيادة السنوية المركبة على الأجرة المضاعفة عشرين مرة فستكون كافية للطرد، لأنه سيتحول من إيجار قديم إلى تجاري حسب أسعار كل منطقة".
ينظر البعض إلى التقديم للحصول على الشقة الحكومية البديلة بمثابة استفتاء على مدى رضا المستأجرين بالقانون الساري، والموافقة الضمنية من المستأجرين لترك سكنهم، خصوصًا أن من شروط التقديم للسكن البديل الإقرار بالتنازل عن الشقة المؤجرة للمالك بالشهر العقاري.
منعطف قضائي جديد
في موازاة ذلك، دخلت قضية الإيجار القديم منعطفًا جديدًا بعد أن أوصى تقرير صادر عن هيئة المفوضين بمجلس الدولة بوقف تعليقي لنظر الطعن المقدم على تعديلات قانون الإيجار القديم، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية المواد (2، 3، 4، 7) من القانون، التي تتعلق بإنهاء عقود الإيجار بين المالك والمستأجر بعد سبع سنوات للأماكن السكنية وخمس لغير السكنية.
التوصية وإن كانت غير ملزمة للمحكمة الدستورية ولا يترتب عليها أي تغيير في تطبيق بنود القانون، لكن أيمن عصام، محامي عدد كبير من متضرري الإيجار القديم، يراها خطوة إيجابية في مسار الطعون القضائية قبل أن تبسط المحكمة الدستورية العليا صلاحيتها الكاملة للفصل في المنازعات القائمة، بهدف الحفاظ على استقرار المراكز القانونية للأطراف ومنع حدوث أضرار يصعب تداركها حال صدور حكم بعدم الدستورية مستقبلًا.
ومنذ نشر القانون بالجريدة الرسمية بعد موافقة رئيس الجمهورية، استقبلت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة والمحكمة الدستورية مئات الطعون من المستأجرين، كان لأيمن عصام النصيب الأكبر منها، للمطالبة بتعديل المواد الخاصة بإنهاء العلاقة وقيمة الزيادة المنصوص عليها، مشيرًا إلى أن المحكمة الدستورية لم تحدد موعدًا بعد للبت في تلك الطعون.
التطورات القضائية تلقي بظلالها بطبيعة الحال على تعامل المستأجرين مع البدائل التي تطرحها الحكومة لتعويض المتضررين بعد إنهاء العلاقة الإيجارية، إذ يلفت أيمن عصام في تصريحاته لـ"فكر تاني" إلى تشكك المستأجرين في البدائل المقترحة بسبب الغموض الذي يكتنف هذا المسار، فالمستأجر لا يعرف أين سينتقل بعد انتهاء السنوات السبع، والقيمة المالية المقررة للسكن سواء الإيجاري أو التمليكي، ومواصفات الشقق التي تعتزم وزارة الإسكان تخصيصها لهم.
"توجد حالة إنكار عند الكثير من المستأجرين للوضع الحالي، الكثير منهم لا يصدق انتزاع مأواه الذي استقر فيه لعقود، خصوصًا أن كثيرين منهم بلغوا من العمر عتيًا ولا يملكون إلا معاشاتهم التي تلتهمها بنود المعيشة من الأكل والشرب والدواء" يضيف عصام، في وقت يرصد عزوفًا ممنهجًا عن التسجيل بمنصة التقديم للسكن البديل لعدم ترسيخ الوضع الحالي والتنازل عن وحداتهم السكنية.
ويعلق محامي المستأجرين على تصريح رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بتسجيل قرابة 70 ألفًا بالمنصة الخاصة بقوله: "هذا العدد لا يمثل 1% من المتضررين، إذ تقدر أعدادهم بـ 3.6 مليون مستأجر يرفض معظمهم القانون".
تحت القبة
بموازاة تحركات روابط المستأجرين في المسارات القضائية أملًا في إبطاله دستوريًا، تستعد كتلة المعارضة والمستقلين تحت القبة لخوض معركة جديدة ضد تعديلات قانون الإيجار القديم، إذ أشار النائب محمود سامي، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى وجود تحركات لبلورة مشروع قانون لتعديل قانون الإيجار القديم، متضمنًا إلغاء المادة الثانية الخاصة بإخلاء العين المؤجرة خلال 7 سنوات من دخول القانون حيز التنفيذ.
يشير سامي في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن التعديلات تتضمن مراجعة الأثر التشريعي للقانون 164 على مئات الآلاف من الأسر المصرية لتحقيق العدالة والتوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر، خصوصًا مع التحديات التي تواجه تطبيقه، متمثلة في عدد الذين تقدموا بالفعل للحصول على سكن بديل من الحكومة، مبينًا أن التقديرات التي حصل عليها حزبه لعدد المستأجرين تتراوح بين 1.3 و1.7 مليون مواطن.
يُرجع رئيس الهيئة البرلمانية للمصري الديمقراطي ضعف الإقبال على التسجيل بالمنصة الإلكترونية إلى عدم معرفة المستأجرين بنظام الوحدات البديلة سواء التمليك أو الإيجار وأماكنها، بالإضافة إلى وجود معوقات تقنية حالت دون تسجيل آخرين، مشيرًا إلى أن الحزب لم يبدأ الحشد للتعديلات المقترحة، لكنه يلمس استجابة من كتلة المستقلين وعدد من المحسوبين على أحزاب الموالاة لإعادة النظر في المادة الخاصة بإنهاء العلاقة الإيجارية.
أمر واقع
لكن ضعف الإقبال على منصة التسجيل للسكن البديل يجد تفسيرًا مختلفًا من زاوية المُلاك، إذ يرى مصطفى عبد الرحمن رئيس ائتلاف مُلاك العقارات القديمة أن الأعداد الحقيقية للمستأجرين تقل عن مليون وحدة سكنية من بينها وحدات مغلقة، زاعمًا أن بعضهم يمتلكون وحدات أخرى ولا يريدون إثبات امتلاكهم لها في الوقت الحالي حتى لا يخسروا الوحدة التي يستأجرونها.
"القانون بات أمرًا واقعًا على المالك والمستأجر، القانون أنشأ علاقة جديدة بين الطرفين ولا شواهد على نية الحكومة في التراجع، حتى وإن كانت هناك طعون أمام المحكمة الدستورية العليا أو تحركات في البرلمان" يضيف عبد الرحمن لـ"فكر تاني".
كما أن إعلان الحكومة تخصيص 500 مكتب بريد لاستقبال الراغبين في التسجيل بالسكن البديل يعتبره عمرو حجازي، نائب رئيس جمعية المضارين من قانون الإيجار القديم، دلالة على عدم وجود نية حكومية للتباطؤ في تنفيذ بنود القانون، متوقعًا ألا تنجح كتلة المعارضة في البرلمان في طرح التعديلات من جديد لضعف تأثيرها مقارنة بالكتلة الأكبر المؤيدة للقانون التي تنتمي لما يعرف بأحزاب الموالاة.
سنوات سبع ينتظر مُلاك العقارات القديمة مرورها بفارغ الصبر في انتظار استردادهم كنوزًا أزاحت الحكومة غبارها بعد عقود من التجميد، بينما هي سبع عجاف بالنسبة للمستأجرين لا يعلمون ما سيعقبها، علاقة تراقبها الحكومة بخطوات متسارعة كمن يركض في مضمار خالٍ من المكابح.