بين بريق الشاشة وظلام الكواليس.. أوجاع "أرزقية" العمالة الفنية في مصر

نشاهد أمام الكاميرات "السحر كله" بتعبير مهووسي السينما، لذا قليلًا ما تشغلنا "الفتنة" عن السؤال عن منبعها، والكيفية التي صيغت من خلالها، وهو سؤال ربما تحمل إجابته في الحالة المصرية ما لا يسر.

ليست المسألة هنا موضوع العمل الفني نفسه، وإنما في الطاقات المبذولة في إنتاجه، التي قد تأتي في بعض الأحيان على حساب الصانع أيًا كان مركزه في دائرة العمل الفني، وفي شهر رمضان الذي يعد موسم الدراما السنوي، لا تعمل الآلة بشكلها الطبيعي، فالمسلسلات التي يبدأ تصويرها قبل بداية الشهر بأسابيع قليلة، تلهث طواله لإنجاز ما تبقى من مشاهد، مما قد يرفع عدد ساعات العمل في الأوردر الواحد إلى ما يتجاوز 40 ساعة، دون مظلة واضحة تضمن حق العامل أو تؤمنه ضد الأخطار.

وعلى خلفية هذا الإرهاق الشديد وما أثاره إعلان صناع فيلم "هارلي"، في حادثة سابقة، من اضطرارهم للتصوير لـ52 ساعة متواصلة في الأوردر الواحد، للحاق بموسم عيد الفطر، أعلن الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية في شهر مايو من عام 2025 تحديد عدد ساعات العمل في مواقع التصوير لتكون 12 ساعة فقط. ولم يتبلور موقف النقابة بسبب فيلم "هارلي" وحده، وإنما جاء استجابة لما رصده النقيب من حالات وفاة تحدث في أثناء العمل بسبب الإجهاد المضني.

أرزقية الكاميرات

بحثت "فكر تاني" في أرشيف الأخبار خلال السنوات الخمس الماضية، لكنها فشلنا في توثيق وفاة واحدة، رغم ذلك اصطدمنا بواقع العمل الشاق الذي يعاني منه العاملون والفنيون في الصناعة، والذي يقترب من تهديد حيواتهم فعلًا.

وقد كانت رحلة البحث عن عاملين وفنيين في الصناعة للحديث عن حقوقهم الغائبة عسيرة للغاية، إذ يخشى الكثير منهم الحديث خوفًا من انقطاع أرزاقهم، وهو قلق دفعهم لربط التصريح إلى المنصة بطمس هوية المصادر حرصًا على سلامتهم المادية والمعنوية.

وفي هذا السياق يوضح أحد العاملين تحت اسم مستعار وهو "رامي"، أن أغلب الموجودين في هذا السوق من العمالة الحرة أو ما يُعرف شعبيًا بالـ"أرزقية"، حيث لا توجد شركات للتأمين على العمال المتعاونين معها، وبالتالي إذا حدث أي ضرر للعامل فلا توجد جهة تعوضه، وأقصى ما يمكن فعله هو جمع مبلغ مالي فيما بينهم لمساندة العامل أو أسرته.

يشير رامي، وهو مساعد إنتاج، إلى أن العمل الفني، يضم في المتوسط، نحو 200 فرد موزعين على أقسام مختلفة تشمل البوفيه وفنيي الإضاءة والديكور والمكياج والخدمات. ويضيف رامي أن جميعهم عمالة غير منتظمة وقليل جدًا من يعمل في شركة تؤمن عليه مثل مدينة الإنتاج الإعلامي، التي توقفت في الأساس عن الإنتاج وكذلك شركة صوت القاهرة، حيث تحول الأمر حاليًا إلى إنتاج خاص بنسبة الأغلبية. وهذا القطاع الخاص يتعاقد مع فنيين دون تأمين مقابل أجر يومي يتراوح بين خمسمائة وألف جنيه، وبحسبة بسيطة فإن تصوير مسلسل يستغرق سبعين يومًا يوازي حوالي سبعين ألف جنيه في حالة تقاضي العامل الأجر الكامل، وهو مبلغ يفترض أن يقضي به السنة كلها حتى يأتيه عمل جديد أو لا يأتيه.

قد يصل يوم التصوير في العادة، حسب المصدر، إلى عشرين ساعة، وأقصى ما يقدمه الإنتاج هو تعويض مادي يعادل أجر نصف يوم. ويستذكر رامي أيام مدينة الإنتاج حين كانوا يصورون 12 ساعة منها ساعة للراحة، ثم يعود الفرد إلى بيته ليرتاح، بينما ينام الناس حاليًا في أماكنهم داخل موقع التصوير من كثرة الضغط، ويحلم بأن تتحقق خطوة دخول العاملين والفنيين في الوسط تحت مظلة التأمين الصحي على الأقل، ليجد من يتعرض لأي وعكة ولا يستطيع النزول إلى العمل حماية تقيه قسوة الأيام ولا تتركه عرضة لتقلبات الظروف المفاجئة.

حالة تواطؤ عام

وفي تجربة أخرى تعكس حجم المعاناة، يروي محمود الذي يعمل أسطى إضاءة قصة تعرضه لمواقف خطرة في بداية عمله، مما دفعه إلى تأسيس شركة صغيرة تعمل كوسيط بين عمال وفنيي الإضاءة وبين شركة الإنتاج.

ويحاول محمود عبر شركته التأمين على العاملين معه في أثناء فترة المشروع، متذكرًا كيف تعرض في السنوات الأولى من العمل لسقوط من أعلى سلم أدخله في غيبوبة لمدة ثلاثة أيام، وتولى حينها مصاريف العلاج كاملة رغم أنه كان يعمل مع جهة إنتاج شهيرة رفض ذكر اسمها أو اسم العمل.

ويوضح محمود لـ "فكر تاني" أنه يتكفل بشكل شخصي بأي إصابات تقع لأحد العمال التابعين لشركته، لأن قسمه لا ينتمي لأي نقابة والجميع يعملون بنظام العمل الحر، مشيرًا إلى أن المتعارف عليه في عدد ساعات العمل هو 14 ساعة كحد أقصى، غير أن ما يقع فعليًا أغلب الوقت يتجاوز ذلك بكثير لدرجة أنهم وصلوا في أحد الإعلانات التي عملوا عليها في الشركة إلى 40 ساعة عمل متواصل.

يشير محمود إلى أن الإنتاج يرفض دفع أي أجر إضافي عند مطالبتهم بذلك بحجة عدم وجود هذا المبدأ، ولا يوجد فارق في ذلك بين شركة مشهورة وأخرى صغيرة، حسب تصريحه، وعلى العكس من ذلك تبدو الشركة الصغيرة محتفظة ببعض الآدمية في التعامل لا تمتلكها الشركات الكبيرة.

يسيطر على المهنة عرف قائل بأن العمل لا يتوقف على أحد، وللأسف تغيب أي نقاشات من أي جهة حول حقوق هؤلاء الناس الذين يمتنعون بدورهم عن الكلام رغبة في كسب العيش. ورغم ذلك يحاول محمود شخصيًا في شركته تأمين العاملين معه كي لا يعيد إنتاج العيوب التي قاسى منها في بداياته، متمنيًا فتح هذا الملف وانضمام جميع الأقسام من إضاءة وتصوير وديكور إلى نقابة تحميهم من الكوارث المتكررة كالسقوط والصعق بالكهرباء.

من المسؤول؟

وفي ظل الحديث عن هذا الشأن المعقد كان من المهم التواصل مع أحد الأطراف المتعمقين في حقوق العمال لفهم الموقف القانوني لهؤلاء، حيث أوضح شعبان خليفة الأمين العام للاتحاد الدولي لنقابات إفريقيا وآسيا، أن توصيف العمالة في مواقع صناعة الترفيه ينطبق على الأشخاص المتخصصين الذين ينفذون الأعمال الفنية والتقنية المطلوبة في المشروع، كل حسب مهنته وخبرته.

ويختلف نوع هؤلاء العمال حسب طبيعة الموقع ليشمل الإنشاء والمعمار والكهرباء والديكور والترميم، غير أن موقفهم القانوني يندرج بشكل عام وفق قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، تحت تعريف العمالة غير المنتظمة، وهم أفراد عاملون مع شركة أو مقاول بنظام المقاولة في عمل ينتهي بانتهاء الغرض منه وهو إتمام تصوير العمل الفني المتعاقد عليه. ويُعرّف العامل غير المنتظم بأنه كل من يقوم بأداء عمل غير دائم بطبيعته مقابل أجر أيا كانت صورته أو يعمل في مهنة أو حرفة لا ينظمها قانون خاص.

ويوضح خليفة أن هذه العمالة لا تنتمي حتى الآن إلى أي نقابة أو كيان يهتم بشؤونها رغم أعدادها الكبيرة، ورغم إتاحة المشرع لهم في قانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2018، الحق في إنشاء نقابة عمالية تنظم شؤونهم وتكون خط الدفاع الأول للمطالبة بحقوقهم. وقد وردت للاتحاد بعض الحالات من هذه العمالة التي تعرضت لإصابات في مواقع التصوير، وللأسف لم يقم المنتجون بالتأمين عليهم تأمينًا نمطيًا بالهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية أو عبر الاشتراك في صندوق التأمين على العمالة غير المنتظمة الموجود في مديريات وزارة العمل، وهو ما يحرم هذه الفئة من التمتع بمظلة الحماية الاجتماعية من تأمين صحي واجتماعي أو الاستفادة من منحة العمالة غير المنتظمة التي أقرها رئيس الجمهورية، حسب خليفة، الذي يشير إلى أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أقر بأن وزارة العمل هي وحدها المسؤولة عن هذه العمالة، وأعطت الوزارة الحق في نص المواد الـ75 والـ76 والـ77 والـ78 بتنظيم ودعم وتشغيل العمالة غير المنتظمة والعاملين في القطاع غير الرسمي على المستوى القومي.

وتسري على هؤلاء جميع الحقوق والواجبات الواردة في قانون العمل حيث يصدر الوزير المختص قرارًا بالقواعد والأحكام المنظمة لشروط وظروف عمل تلك الفئات وطرق الحصول على حقوقهم والقيام بواجباتهم بما يتوافق مع طبيعة وفترات عملهم. وتلتزم وزارة العمل ومديرياتها بحصر وقيد هذه العمالة وفقًا لتصنيفها وفئاتها في السجلات الورقية أو الإلكترونية المعدة لذلك، كما تلتزم بإعداد قواعد بيانات قومية لهم وربطها بأجهزة ووزارات الدولة بالتنسيق مع الجهات المعنية وعلى الأخص الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تمهيدًا لصدور قرار الوزير المختص بالقواعد والإجراءات اللازمة.

ويبرز نص قانوني آخر يتعلق بهذه الفئة في المادة الـ78 من نفس القانون ينص على إنشاء صندوق لحماية وتشغيل العمالة غير المنتظمة يسمى صندوق إعانات الطوارئ والخدمات الاجتماعية والصحية ويتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة. ويختص الصندوق بتقديم 14 ميزة لهذه الفئات من أهمها صرف إعانات الطوارئ في حالات الأزمات الاقتصادية العامة أو الكوارث أو الأوبئة أو حالات التوقف المؤقت عن العمل، إلى جانب تقديم الخدمات الصحية والنفقات العلاجية والخدمات الطبية، فضلًا عن المساهمة في سداد التأمين الاجتماعي للعمالة غير المنتظمة بالاتفاق مع وزير المالية ووزارة التضامن الاجتماعي والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في حدود موارد الصندوق، مما يؤكد بوضوح أن وزارة العمل هي المسؤولة الأولى عن هذه الفئة.

التهرب من الرد

وبعد جمع هذه الشهادات الممزوجة برفض البعض النهائي للمشاركة، توجهت المحاولات للتواصل مع بعض شركات الإنتاج العاملة في السوق حاليًا، التي تمتلك مشاركات درامية. وأرسلت "فكر تاني" رسالة رسمية عبر الموقع الرسمي لشركة سينرجي حول الموضوع دون تلقي أي رد حتى الآن، كما أُجري تواصل مع سامح صادق من فريق الإنتاج بالشركة نفسها، الذي أجل الحديث في الموضوع ثم تجاهل محاولات الاتصال المتكررة.

وفي السياق ذاته اعتبرت رحاب محسن المستشار الإعلامي لشركة الصباح، أن هذا الموضوع خارج مهام عملها ولا شأن لها بالتعليق عليه، واعدة بإرسال وسيلة تواصل للمسؤول عن الرد حول هذه القضية قبل أن تنقطع استجابتها تمامًا دون إرسال أي بيانات.

ولم يختلف موقف المنتج شادي مقار الذي رفض التعليق معللًا ذلك بعدم رغبته في الحديث بصفته منتجًا في هذا الموسم، لمشاركته كممثل في بعض الأعمال.

أين تقع النساء داخل هذه الدائرة

في خضم هذه التعقيدات يطرح سؤال نفسه عن الرؤية النسائية للوضع وما تواجهه الفتاة في مواقع التصوير. وقد طُرحت هذه التساؤلات على بعض العاملات في قسمي الديكور والتصوير لتأتي الإجابات متطابقة تقريبًا عن الساعات الطويلة للغاية للتصوير، دون مراعاة لأي ظرف إنساني.

وتطرقت إحدى العاملات وتدعى "نور" إلى وضعها كفتاة تعمل لساعات طويلة وسط مجموعة من الرجال، موضحة أن الأغلبية ينظرون إلى البنات العاملات في هذا المجال كأشياء متاحة يمكن امتلاكها.

وتتعدد أساليب جس النبض وفتح الطرق للتحرش اللفظي وغيره، وحين لا يجد المتحرش استجابة مرضية وهو يملك السلطة فإنه قد يمنع العمل عن الفتاة أو يخلق لها صعابًا في مهامها، حسب نور التي تشير إلى حدوث ذلك معها شخصيًا حين حاولت إيقاف أحد الأشخاص بشكل رسمي لتُفاجأ بمنعها من الاستمرار في العمل، موضحة أن أغلب هذه النماذج تتواجد في قسم الإنتاج.

وتدفع هذه الأجواء نور لمحاولة الجلوس بمفردها طوال الوقت والابتعاد عن الجميع لحماية مساحتها الخاصة، وتعمل في حالة قلق مستمر وتأهب دائم لردود الفعل.

وتروي نور تجربتها مع مدير تصوير متحرش حاول استغلالها باستمرار، وفي ظل غياب أي آلية للشكوى أو استرداد الحقوق يصبح من السهل استبدال المشتكية فورًا، بينما يحتفظ مدير التصوير أو مساعد المخرج بموقعه. ولتجنب المشاكل والشائعات التي تنتشر بسهولة في الوسط تختار نور وغيرها المغادرة بصمت واحترام الذات دون إثارة ضجة، وهو صراع مرير دفعها بعد انتهاء عملها مؤخرًا في أحد المسلسلات المتصدرة للتريند إلى اتخاذ قرار نهائي بترك هذا المجال وعدم العودة إليه أبدًا.

ويستوجب هذا الواقع ألا يتوقف الحديث في هذه القضية، وتتطلب الأزمة استمرار التراكم والسعي الحثيث وراءها حتى يتحقق التغيير المنشود، لأن وجود مجال كامل يخلو من إتاحة الضمانات الآمنة لأفراده يعد خطأ فادحًا في حق أشخاص ينجزون واجباتهم بينما تُترك حقوقهم معلقة على كف عفريت.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة