بإسقاط ثلاثين قنبلة، بعضها خارق للتحصينات، على مجمع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وتدميره، كتبت عملية "ملحمة الغضب" الأمريكية الإسرائيلية المشتركة فصل النهاية في مسيرة الرجل الذي تمتع بالسلطة المطلقة لثلاثة عقود ونصف.
وبهذا الاستهداف حصدت واشنطن وتل أبيب الجائزة الكبرى من حرب حُضِّر لها منذ أشهر وفق تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، لتشكل هذه الضربة القاسمة نقطة تحول كبرى في تاريخ الجمهورية الإسلامية التي تعيش لحظة فارقة تحت وطأة هجمات تستهدف بوضوح تغيير النظام.
وقد طرح هذا الغياب المفاجئ لمهندس التوسع الإيراني طوال العقود الماضية تساؤلات ملحة عن مستقبل البلاد ودورها الإقليمي، غير أن ملامح المرحلة الانتقالية ارتسمت سريعًا لملء الفراغ القيادي وإعادة ترتيب البيت الداخلي عبر مجلس مؤقت يدير البلاد، ويضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، وممثلًا عن مجلس صيانة الدستور، لحين استكمال الإجراءات الدستورية لاختيار مرشد جديد.
ورغم هذا الترتيب المؤسسي الرسمي، آل زمام الأمور الحقيقية إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني الذي كان يحظى بثقة المرشد خامنئي في إدارة الشؤون الأمنية والخارجية خلال الأشهر الماضية، في مشهد يزداد تعقيدًا مع تزامن اختيار هذه القيادة المؤقتة، مع إعلان الحرس الثوري مواصلة الحرب والانتقام لقائده وسط استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية الموجهة إلى طهران.
تمنحنا هذه المعطيات مؤشرًا قويًا على أن الحرب ستطول ولن تنتهي سريعًا بسقوط رأس النظام رغم مكانته الدينية والسياسية، فالأحداث لم تبلغ ذروتها بعد، رغم اغتيال شخصيات رفيعة، حيث سيسعى الإيرانيون إلى امتصاص الصدمة وإطالة أمد المعارك عبر توسيع دائرة استهداف القواعد الأمريكية بالمنطقة وزيادة الضربات الموجهة إلى تل أبيب، وهو ما يوضحه الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان في تصريحاته إلى "فكر تاني".
يرى سلطان أن الحرب معقدة ولن تنتهي فور نشوبها، فما دام الانفجار قد حدث سيمارس الجميع دوره المرسوم له، سواء قادة الداخل كالحرس الثوري والشخصيات الوازنة أو حلفاء الخارج الداعمين.
اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية | "بيان الحرب" يثير أزمة في مجلس النواب
يتوقع الباحث انخراطًا محدودًا لأذرع إيران الإقليمية في هذا التصعيد، وفي مقدمتهم الحوثيون الذين هددوا بمعاودة شن الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، تزامنًا مع مشاركة فصائل المقاومة العراقية في عمليات صاروخية ضد مواقع إسرائيلية.
وفي هذا السياق المعقد، يبقى حزب الله، الذي ينزف، والذي قد يخوض مغامرة جديدة بما تبقى من عتاد لم يُنزع منه، وهي مغامرة أشبه بالرقصة الأخيرة في ظل معاناته من ضغوط داخلية هائلة بعد الحرب الأخيرة.
التكتيك الإيراني وثغرات المواجهة
اتسم الرد الإيراني على الهجوم المشترك بتكثيف الهجمات الصاروخية على القواعد الأمريكية بالدول الخليجية، غير أنها طالت أهدافًا مدنية وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية في دول البحرين وقطر والإمارات والكويت.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس أيمن الرقب، أن النظام الإيراني أخطأ في تقديراته الاستراتيجية باستهداف هذه الدول، فاتحًا بذلك جبهة عداء مع المحيط العربي، خصوصًا أن دول الخليج حاولت لعب دور في التهدئة بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع الماضية.
وكشفت الحرب في الوقت نفسه عن فروق عسكرية وتكنولوجية هائلة بين البلدين، وأظهرت عدم صلاحية التكتيك الإيراني في التعامل مع الأمريكيين. وتعد هذه المرة الثانية التي يسقط فيها الإيرانيون في فخ المفاوضات أثناء التحضير للحرب، وذلك بعد مواجهات الاثني عشر يومًا التي انتهت بقصف البرنامج النووي الإيراني. ويعتبر الرقب في حديثه لـ"فكر تاني" أن ما جرى يمثل خداعًا ممنهجًا، حيث خُطط للعملية منذ أشهر وكانت تنتظر ساعة الصفر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويشير الرقب أيضًا إلى الاختراقات الأمنية التي أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى والنخبة الأمنية والعلماء البارزين في المواجهة الحالية وحرب الاثني عشر يومًا، معتبرًا أن ما حدث في إيران يفوق التوقعات ويتجاوز موقعة "البيجر" التي استطاعت إسرائيل عبرها اختراق حزب الله اللبناني وتفخيخ أجهزته اللاسلكية عن بعد.
مستقبل النظام والمشروع الإقليمي
على الجانب الآخر، لا يعتبر البعض اغتيال المرشد الأعلى في الأيام الأولى للحرب الجديدة إشارة إلى بداية تفكك النظام الإسلامي بهذه السرعة، وذلك لوجود شخصيات وازنة اكتسبت شعبية في دوائر النفوذ قادرة على إدارة مقاليد الأمور، حسبما توضح الباحثة بالمنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية شيماء المرسي.
تعد المرسي علي لاريجاني واحدًا من رجال المرحلة المقبلة، حيث اتسمت مسيرته بالولاء لخامنئي وارتباطه بعلاقات عملية بأذرع ومؤسسات الحكم، وقد عاد مؤخرًا ليتصدر الواجهة بعد حرب الاثني عشر يومًا، متوليًا ملفات المفاوضات النووية والعلاقات الإقليمية وقمع الاضطرابات الداخلية.
صحيح أن اغتيال المرشد فتح الباب لاحتمالات تغيير شكل النظام الراسخ منذ أربعة عقود ونيف، لاسيما مع دعوات ترمب ونتنياهو للإيرانيين بالنزول إلى الشوارع لاستعادة حريتهم، غير أن الباحثة تلفت إلى أن التطورات الأخيرة ترفع درجة العداء مع الولايات المتحدة، مما قد يساهم في الاصطفاف خلف القيادة الجديدة.
يعود أيمن الرقب ليؤكد أن الدول الدينية العقائدية لا تنهار بسهولة وتمتلك دائمًا سيناريوهات بديلة، محذرًا من أن تداعيات سقوط النظام الإيراني ستحمل فوضى عارمة للشرق الأوسط والخليج بشكل خاص، وأن إيران ستكون مقبلة على حرب داخلية قاسية تتجاوز التخيلات الأمريكية.
بهلوي لا يحظى بالقبول الكافي لخلافة النظام رغم الدعاية الأمريكية المبالغة لدفعه إلى الواجهة
يتزامن ذلك مع إشارة الرئيس الأمريكي إلى وجود مرشحين أكفاء لقيادة البلاد، قاصدًا بذلك شخصيات خارج الدائرة التقليدية المتمثلة في نجل المرشد مجتبى خامنئي أو رجال الدين الآخرين.
ويفتح هذا التوجه الباب أمام المعارضة الإيرانية في الخارج للرهان على دور محتمل إذا سارت الأمور وفق المخطط الأمريكي، وهنا يبرز اسم رضا بهلوي نجل شاه إيران الذي كرر دعوته للإيرانيين بالنزول للشوارع لإنهاء نظام الملالي. ورغم أن اسمه مألوف وهناك من يحن لحقبة حكم والده، تسود قناعات داخل المعارضة نفسها بعدم قدرته على إدارة المرحلة المقبلة.
تتفق المعارضة الإيرانية المقيمة في بلجيكا منى السيلاوي مع هذا الطرح، وترى أن بهلوي لا يحظى بالقبول الكافي لخلافة النظام رغم الدعاية الأمريكية المبالغة لدفعه إلى الواجهة، مؤكدة أن المعارضة ستبدأ مرحلة جديدة يتوجب عليها فيها إعادة تشكيل نفسها لتقديم بديل حقيقي.
لا تتوقع السيلاوي انهيار النظام تحت وقع الضربات الحالية لوجود رجال أقوياء ومؤسسات عميقة ستحاول الصمود، مبينة أن العقبة الكبرى أمام بقاء النظام تتلخص في التصدي للاختراقات الأمنية الكبيرة التي دفع ثمنها غاليًا.
من زاويتها الخاصة، لا ترى السيلاوي في سقوط النظام خسارة للإيرانيين، وتعتبرها لحظة خلاص طال انتظارها هربًا من القمع والقيود المفروضة على النساء والتدهور الاقتصادي الناجم عن العقوبات، الذي حرم الشعب من ثرواته لصالح التوسع الإقليمي.
وبينما تتركز الأنظار على خلفاء المرشد المحتملين، يلفت الباحث أحمد سلطان الانتباه إلى دور الحرس الثوري في قيادة بوصلة البلاد، متوقعًا أن يتولى زمام الأمور بنهج أكثر تشددًا ويمنع الإصلاحيين من تصدر المشهد بعد انهيار المفاوضات مع الغرب.
بات الحرس الثوري منذ تأسيسه قوة مهيمنة عسكريًا واستخباراتيًا واقتصاديًا، ومُكلفًا بمهام حيوية تشمل فرض الأمن الداخلي ورسم السياسة الخارجية عبر أذرع إيران، مدعومًا بإمبراطورية اقتصادية واسعة تعتمد على حصة كبيرة من عائدات النفط، فيما تضع التطورات الأخيرة محور المقاومة برمته أمام اختبار حقيقي بعد الخسائر الفادحة التي طالت المركز الإيراني وحزب الله والحوثيين، وهو ما يُرجعه سلطان إلى التقديرات الخاطئة للمحور في معركة السابع من أكتوبر وتأخر طهران في دعم هجوم حماس، بينما لم يفتح حزب الله جبهة كاملة مما ضاعف الخسائر.
بناءً على ذلك، يتوقع الباحث أن يتحلل محور الممانعة تدريجيًا، فانهيار النظام سيعني انكفاء طهران على نفسها، ومساعي حوثية للحفاظ على المكاسب في اليمن، وانكماشًا متزايدًا لحزب الله داخل حاضنته اللبنانية دون أدوار إقليمية، وصولًا إلى أفول نجم حماس بعد انحسار دورها في غزة وقطع الإمدادات عنها.