تظل "الضريبة" كلمة السر، والمحرك الأساسي لتروس الموازنة العامة للدولة، التي تعتمد أكثر من 80% من إيراداتها على ما يُستقطع من جيوب المصريين.
يخلق هذا الواقع قلقًا من أي مشروع قانون جديد تقدمه الحكومة للبرلمان يحمل في طياته لفظ "ضريبة"، خوفًا من انتزاع حصة جديدة من دخولنا.
ورغم أن مشروع تعديلات قانون الضريبة على العقارات المبنية يرفع حد الإعفاء الضريبي، فإنه يكشف حقيقة السياسة الضريبية المضطربة، وفشل السياسات الاقتصادية والمالية عبر سنوات.
تعديلات حكومية وتحسينات برلمانية
قدمت الحكومة تعديلاتها على مشروع قانون الضريبة على العقارات المبنية، رافعة راية زيادة حد الإعفاء الضريبي على الوحدة التي يتخذها الممول سكنًا خاصًا، فالنص الحالي في القانون الصادر عام 2008 يعفي العقار الذي تقل قيمته الإيجارية سنويًا عن 24 ألف جنيه.
ورفعت الحكومة القيمة في تعديلاتها إلى 50 ألف جنيه، لكن مجلس الشيوخ رفضها رغم تمسك الحكومة، ورفع حد الإعفاء إلى مائة ألف جنيه.
وفي اجتماع للجنة المشتركة من لجنة الخطة والموازنة وهيئة مكتب لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية والإسكان، بمجلس النواب أمس الأربعاء، تمسك النواب بالقيمة التي أقرها مجلس الشيوخ.
ورغم أن النائب محمد سليمان رئيس لجنة الخطة والموازنة رفض حضور الصحفيين لمناقشات المواد التفصيلية، قال مصدر برلماني شارك في الاجتماع لـ"فكر تاني" إن مناقشة المواد لم تشهد خلافات حادة، ولكن تمسك النواب الموافقون على مشروع القانون بالقيمة التي أقرها مجلس الشيوخ.
حاول وزير المالية، أحمد كجوك إقناع النواب بتعديلات الحكومة "كلنا نشتغل عند الناس وهدفنا الصالح العام والتوازن بين الاستقرار الاقتصادي والمالي"، مدافعًا عن المشروع الذي يستحدث حالة إعفاء جديدة من الضريبة العقارية، تشمل العقار الذي تحول الظروف الطارئة دون الانتفاع به كله أو جزء منه.
وأعلن الوزير في اجتماع اللجنة عن تسهيلات في الإجراءات وتطبيق إلكتروني لتقديم الإقرار الضريبي إلكترونيًا، وسداد الضريبة من خلاله.
موافقة وتعديل جديد
كالعادة، وافق ممثلو حزب مستقبل وطن على مشروع القانون، وقال وكيل لجنة الخطة والموازنة مصطفى سالم، إن مشروع القانون يرتبط ارتباطًا مباشرًا بحق الدولة في تعظيم مواردها وتحقيق الانضباط والاستدامة المالية، مضيفًا "لكن في المقابل، فإن المواطن له حق أصيل في الطمأنينة، وألا يتحول مسكنه الخاص إلى عبء متجدد أو مصدر قلق مالي دائم".
كما ثمن أهمية التدرج والمرونة في التنفيذ، مع إتاحة تيسيرات حقيقية في السداد، وهو ما تحقق بالفعل بعد الموافقة على التعديل الذي تقدم به خلال الاجتماع بأن يُعفى من مقابل التأخير، كل مكلف بأداء الضريبة قام قبل تاريخ العمل بهذا القانون بسداد جميع الضرائب المستحقة عليه.
كما يسري هذا الإعفاء على المكلف الذي يسدد خلال ستة أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون، ولوزير المالية مد هذه المدة لمرة واحدة مماثلة.
لا.. من أجل سكن بلا ضريبة
ظهر خلال المناقشات إجماع كتلة لا بأس بها من المعارضة على رفض مشروع القانون، إذ رفض ممثلو أحزاب العدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع المشروع، ويبدو أن مساحات الرفض في المناقشات المرتقبة بالجلسة العامة ستمتد لمعظم نواب المعارضة، فضلًا عن بعض المستقلين.
ورفض وكيل لجنة الخطة والموازنة، النائب عبد المنعم إمام مشروع القانون، وذكر وزير المالية بأن نسبة تحصيل الضرائب في أقل مستوياتها، مبينًا أن التحصيل الضريبي في مصر يتم من "شريحة صغيرة جدًا".
يدافع إمام عن حق المواطن في سكن بلا ضريبة "المواطن المصري البسيط طول حياته يسافر برة علشان يبني بيت ويتستر في البيت ما يدفعش إيجار"، أما الآن فإنه يستنكر ذلك "اشتغلت وتملكت البيت وعشت عمري علشان تيجي تدفعني ضريبة".
لا يرفض رئيس حزب العدل الضريبة العقارية في جوهرها، على العكس يقول "محتاجين ضريبة عقارية لكن المشكلة في القانون إنه لا يمكن أن نتحدث فيه عن تعديل، محتاج يعاد فيه النظر كاملًا"، مشددًا على ضرورة إعفاء السكن الأصلي من الضريبة.
واعتبر أن "هذه التعديلات لن تحصل الحصيلة المرجوة"، لافتًا إلى الطبقة الجديدة التي تستفيد من الثورة العقارية وتتهرب من الضريبة "فيه طبقة شغالة على إنها تخش كل مشروع جديد تشتري وتعيد البيع وتتهرب من الضريبة العقارية".
أما النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فرفض مشروع القانون، وطالب الحكومة بسحبه، وعدم فرض ضريبة على السكن الأصلي، وإعادة النظر في رفع قيمتها على العقار الثاني والثالث والرابع سواء بشمل تصاعدي أو نسبة واحدة.
موافقون ولكن... .
رغم موافقة عدد من النواب على مشروع القانون خلال الاجتماع، فإنهم طالبوا بإعفاء السكن الأصلي، أي الوحدة التي يتخذها الشخص سكنًا خاصًا له ولأسرته من الضريبة، والحقيقة أنني لم أفهم موقف من هؤلاء بالموافقة المبدئية على المشروع رغم هذا الاختلاف الأصيل مع فلسفته التي لا تعفي المسكن من الضريبة العقارية.
إذ وافق طاهر الخولي، النائب المستقل ووكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على مشروع القانون مبدئيًا، وطالب بإعفاء الوحدة السكنية التي يتخذها المواطن مسكنًا.
وقال الخولي "أصل الضريبة أنها ضريبة على عائد، والسكن ليس له عائد"، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، معتبرًا أن المشروع "غير متوافق مع الشريعة الإسلامية".
أما حد الإعفاء الذي تبشر الحكومة برفعه وتروج له، فقاسه الخولي على سعر صرف الدولار من 2008 حتى الآن، وقال: بالقياس على معدلات التضخم وسعر الدولار الإعفاء يجب أن يكون 200 ألف جنيه من القيمة الإيجارية السنوية".
الأمر نفسه تكرر مع النائب علاء فؤاد، عضو المجلس عن حزب الجبهة الوطنية، ووكيل لجنة الشؤون الدستورية، إذ وافق على مشروع القانون، وطالب بإعفاء السكن الأصلي.
أكذوبة الإعفاء
تبقى هذه التعديلات في ظاهرها مبشرة برفع حد الإعفاء، لكنها لا تعالج أصل الداء، ولا تراعي معدلات التضخم والفرق الهائل بين قيمة الـ 24 ألف جنيه في 2008 وقيمة الـ 100 ألف جنيه في 2026.
في عام 2008 كان جرام الذهب (عيار 21) لا يتجاوز 120 جنيهًا، والقوة الشرائية للـ24 ألف جنيه جبارة، تساوي تقريبًا 200 جرام. أما اليوم، بعد سلسلة من موجات التضخم نجد أن الـ 100 ألف جنيه التي استبسل مجلس الشيوخ لفرضها كحد للإعفاء ووافقت عليها لجنة مجلس النواب، لا تكاد تشتري أكثر من 14 جرامًا.
إن هذا التفاوت الصارخ يعكس الفجوة بين لغة الحكومة التي تتحدث عن تسهيلات وإعفاءات، وبين جيوب المصريين التي استنزفها التضخم.