تسابق وزارة المالية الزمن لإنهاء مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 تمهيدًا لإحالته لمجلس النواب قبل بداية شهر مارس المقبل، وسط مؤشرات واضحة على استمرار الحكومة في سياسة ترشيد الإنفاق وتجميد التعيينات الجديدة بالتزامن مع التركيز على زيادة الحصيلة الضريبية لتكون المورد الأساسي لخزانة الدولة.
وتسعى الوزارة إلى خفض عجز الموازنة ليصل إلى 4.9% من الناتج المحلي خلال العام المالي الجديد مع تثبيت هذه النسبة لسنوات قادمة، كما تخطط للاستمرار في تحقيق ما يُعرف بـ "الفائض الأولي" حتى العام المالي 2029/2030.
ويُعرف الفائض الأولي بأنه الفرق بين المصروفات والإيرادات دون احتساب فوائد الديون، بمعنى أن تكون إيرادات الدولة أكبر من مصروفاتها قبل أن نخصم منها قيمة فوائد الديون. وتعتبر الحكومة هذا المؤشر دليلًا قويًا على نجاحها في تحقيق الاستقرار المالي وحماية أجيال المستقبل بينما يرى بعض الخبراء الاقتصاديين أنه مجرد تجميل للصورة لأن العجز الحقيقي يُقاس بعد إضافة فوائد الديون إلى إجمالي المصروفات.
وقد شهد النصف الأول من العام المالي الحالي الممتد من يوليو إلى ديسمبر 2025 ارتفاعًا ملحوظًا في فوائد الديون لتسجل 1.26 تريليون جنيه مقارنة بنحو 939.08 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وبحسبة بسيطة نجد أن فوائد الديون تبتلع وحدها نحو 87% من إجمالي إيرادات الدولة وتمثل 54.5% من إجمالي مصروفاتها، ورغم قسوة هذه الأرقام وضعت المالية هدفًا لتخفيض فاتورة الفوائد لتشكل 35% فقط من المصروفات بحلول العام المالي 2029/2030، بالإضافة إلى تقليل حجم ديون الموازنة لتصبح أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي وخفض الاحتياجات التمويلية بنسبة 10%.
الفوائد.. صداع اقتصادي مستمر
تحاول الحكومة التعامل مع أزمة الفوائد من خلال خطط طموحة تهدف إلى خفض المديونية الحكومية لتصل إلى 75.5% من الناتج المحلي ثم إلى 68% بنهاية العام المالي 2029/2030. والمنطق هنا واضح فكلما انخفضت الديون تراجعت الفوائد المترتبة عليها. وتعتمد الخطة على بيع حصص من الشركات الحكومية وتخصيص 50% من العائدات لسداد الديون القديمة. وتخطط الوزارة في موازنة 2026/2027 لزيادة عدد الشركات المطروحة في البورصة مع دراسة نقل ملكية نحو 40 شركة قطاع أعمال عام إلى صندوق مصر السيادي لتعظيم أرباحها.
وتلجأ الوزارة أيضًا لاستراتيجية إطالة عمر الديون لتخفيف الضغوط الحالية بحيث تسدد على فترات تتراوح بين 4.5 إلى 5 سنوات بدلًا من 3.5 سنوات حاليًا. وتقترض الدولة عادة عبر طريقتين أساسيتين أولهما "أذون الخزانة" وهي ديون سريعة تسدد في مدة قصيرة تتراوح بين 91 يومًا و364 يومًا وثانيهما "السندات" التي تسدد على فترات أطول تتراوح بين عامين و7 أعوام. وسيكون التركيز في المرحلة المقبلة على إصدار السندات طويلة الأجل لتأجيل دفع الفوائد لسنوات قادمة وإراحة موازنة العام الحالي.
استراتيجية خفض الدين الخارجي
تسعى وزارة المالية لخفض الدين الخارجي بقيمة تتراوح بين مليار وملياري دولار سنويًا من خلال تنويع مصادر التمويل وتقليل الضمانات الحكومية والتوسع في تطبيق فكرة "مبادلة الديون".
وتعني هذه الفكرة ببساطة أن تتفق مصر مع الدول الدائنة على تحويل قيمة الدين إلى استثمارات داخلية بدلًا من دفعها نقدًا مما يخفف الضغط على الدولار ويحرر السيولة النقدية. وتتضمن الخطة أيضًا إعادة التفاوض لتخفيض أسعار الفائدة أو تمديد فترات السداد.
ومن هذا المنطلق تخطط المالية لتحويل حوالي 38% من ديونها الخارجية إلى استثمارات مباشرة أو مشروعات تنموية صديقة للبيئة وذلك على غرار ما حدث في صفقة "رأس الحكمة" مع دولة الإمارات. وهناك مساعٍ حثيثة لتكرار هذه التجربة مع دول مثل الصين وإيطاليا وألمانيا. وأوضح مسؤول رفيع بوزارة المالية في تصريحات أدلى بها إلى "فكر تاني"، أن العوائد الاستثنائية ستوجه لتوفير التمويل كبديل عن الاقتراض التجاري المكلف مع التركيز على القروض الميسرة ذات الفائدة المنخفضة والمدد الطويلة لتوجيهها لمشروعات التنمية.
ولجذب أموال جديدة بعيدًا عن القروض التقليدية طرحت المالية أدوات دين مبتكرة لتوسيع دائرة المستثمرين، حيث طرحت في عام 2025 أول إصدار من "الصكوك السيادية" للسوق المحلية بقيمة 3 مليارات جنيه لأجل 3 سنوات لجذب المستثمرين المهتمين بالأدوات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. كما أطلقت أول طرح لـ "السندات الخضراء السيادية" بالشرق الأوسط بقيمة 750 مليون دولار لأجل 5 سنوات لتمويل مشروعات حماية البيئة مثل النقل النظيف وإدارة المياه.
الضرائب.. البوابة الرئيسية لتوفير الموارد
يعتمد خفض الديون والفوائد بشكل أساسي على زيادة إيرادات الدولة وضبط مصروفاتها. ولأن الإيرادات غير الضريبية الناتجة عن أرباح شركات قطاع الأعمال العام لا تزال ضعيفة وتمثل أقل من 13% من إجمالي الدخل تعتمد المالية بشكل رئيسي على الضرائب لتغطية نفقاتها.
ولا يعني الاعتماد على الضرائب فرض زيادات جديدة وإنما تسعى الوزارة لتوسيع قاعدة دافعي الضرائب عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي وتقديم حوافز لتشجيع المتهربين على الالتزام. وتستهدف خطة الوزارة رفع نسبة الإيرادات الضريبية لتصل إلى 14.4% من الناتج المحلي في العام الجديد وإلى 15.2% بحلول 2029/2030 مقارنة بنسبة 12.3% في 2024/2025 ونحو 15.6% في عام 2021/2022.
وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فاعليتها حيث ساهمت الضرائب بنسبة ضخمة بلغت 87.2% من إجمالي الإيرادات في النصف الأول من العام المالي الحالي، محققة نحو 1.20 تريليون جنيه بزيادة قدرها 32% عن العام السابق. وفي المقابل ساهمت الإيرادات الأخرى بنسبة 12.8% فقط محققة 177.5 مليار جنيه بزيادة 29.1 مليار جنيه.
وتحاول الحكومة تعزيز مواردها الإضافية عبر تحسين أداء الهيئات الاقتصادية والسيطرة على أموال "الصناديق الخاصة"، ومنذ صدور قرار مجلس الوزراء رقم 1419 لسنة 2020 تحاول الدولة حصر هذه الصناديق، حيث طلبت من جميع الجهات تقديم تقارير بأرصدتها القانونية، لك تكمن المشكلة في استمرار تمديد المهل وعدم تمكن الحكومة حتى الآن من معرفة الحجم الحقيقي لجميع هذه الأموال.
سياسة التقشف وضبط الإنفاق الحكومي
تتجه موازنة العام الجديد نحو سياسة تقشفية واضحة للسيطرة على المصروفات التي قفزت بنسبة 26.9% في النصف الأول من العام الحالي لتسجل 2.2 تريليون جنيه بزيادة قدرها 474 مليار جنيه عن العام السابق. وتركز الخطة على تقييد بنود الأجور والاستثمارات والمشتريات الحكومية.
وفيما يخص رواتب الموظفين قيدت الحكومة التعيينات الجديدة وربطتها بالاحتياجات الفعلية الملحة فقط وحظرت إبرام أي تعاقدات جديدة أو إضافة عمالة مؤقتة إلا في حالات الضرورة القصوى وبموافقة شخصية من رئيس الوزراء لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات. كما أوقفت صرف مكافآت نهاية الخدمة من الموازنة العامة وقررت تحويل المزايا العينية التي كان يحصل عليها الموظفون في 30 يونيو 2015 إلى مبالغ مالية ثابتة تصرف للموظفين الدائمين فقط.
ترشيد النفقات اليومية والاستثمارات
يمتد التقشف ليشمل المصروفات اليومية للجهات الحكومية حيث وُضع حد أقصى لاستهلاك الوقود والزيوت للسيارات الحكومية وترشيد استهلاك المياه والكهرباء والأدوات المكتبية. ومنعت الحكومة توفير ميزانيات لصيانة المقرات القديمة للوزارات التي انتقلت للعاصمة الإدارية كما حظرت تركيب هواتف جديدة أو زيادة ميزانيات الاتصالات وتقييد السفر للخارج ليكون للمهام الرسمية القصوى وبأقل عدد ممكن من الأفراد. وشملت الممنوعات أيضًا حظر نشر التهاني والتعازي في الصحف أو تنظيم حفلات استقبال للحد من إهدار المال العام.
وعلى صعيد المشروعات الاستثمارية أوقفت المالية تمويل أي مشروعات جديدة لتركز فقط على استكمال المشروعات التي أوشكت على الانتهاء وتجاوزت نسبة تنفيذها 75%. كما فرضت الاعتماد على المنتج المحلي في المشتريات الحكومية لتخفيف الضغط على العملة الصعبة ومنعت الحصول على أي قروض خارجية لمشروعات استثمارية إلا إذا كان المشروع قادرًا على سداد قرضه من أرباحه الذاتية دون تحميل موازنة الدولة أي أعباء إضافية.
الديون الداخلية.. الأزمة الحقيقية من وجهة نظر الخبراء
في خضم هذه الخطط الحكومية يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن المشكلة الحقيقية لمصر تكمن في الدين الداخلي وليس الخارجي لأن فوائده الضخمة تلتهم إيرادات الدولة.
وأوضح في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الحكومة تضطر لاستدانة 370 مليار جنيه أسبوعيًا لتغطية العجز مما جعل الدين المحلي يتضخم ككرة الثلج ليصل إلى 12 تريليون جنيه. وأشار إلى أن سداد فوائد هذا الدين يستهلك ما يعادل 140% من دخل الدولة وذلك قبل التفكير في الإنفاق على التعليم أو الصحة أو الرواتب.
ولحل هذه الأزمة اقترح توفيق عدة محاور للإصلاح، تشمل: خروج الدولة من منافسة القطاع الخاص، وتوحيد موازنة الدولة في وعاء واحد، وتقديم حوافز حقيقية لجذب الاستثمار الأجنبي، وتوحيد الجهات المسؤولة عن الأراضي والاستثمار، ومكافحة الفساد وتغليظ عقوبات التهرب الضريبي.
وفي السياق ذاته أشار الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب محمد فؤاد إلى مشكلة في الطريقة التي تحسب بها الحكومة ديونها. وتتحدث وزارة المالية عن خفض "دين الموازنة" في حين أن القانون ينص على ضرورة حساب "دين الحكومة العامة" الذي يشمل ديون الوزارات والهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة مجتمعة.
وأوضح فؤاد أن هذه الهيئات المستقلة تتحمل وحدها 51% من حجم الدين الخارجي لمصر، ولذلك فإن خفض دين الموازنة وحده لا يعكس التحسن الحقيقي للاقتصاد الكلي. وختم حديثه بالتأكيد على أن الانضباط المالي هدف وطني يتفق عليه الجميع شريطة أن يتحقق بخطوات فعلية مستدامة بعيدًا عن التلاعب المحاسبي بالأرقام أو ترحيل الأزمات للمستقبل كي لا يتحمل المواطن البسيط فاتورة هذه الديون في النهاية.