يوميات صحفية برلمانية| جيل "ألفا" و"زد" في مواجهة "تان تان"

بين أروقة الألعاب الافتراضية، ومتاهات "واتساب" و"تيك توك" و"سناب شات"، يقضي الأطفال والمراهقون أوقاتهم وتتشكل اهتماماتهم، وفي المقابل، نقف نحن على الضفة الأخرى لا نملك سوى التحذير والصراخ، بينما تتدخل الدولة الآن كأبٍ صارم ينتزع الهاتف من أطفاله تعنيفًا وتأديبًا.

لقد باتت تحركات الحكومة ومجلس النواب جادة لتحجيم استخدام الأطفال للإنترنت، إذ لم تعد المناقشات البرلمانية مجرد استجابة شكلية لتوجيهات رئيس الجمهورية بوضع تشريع ينظم استخدام الأطفال للتكنولوجيا والسوشيال ميديا.

بدأت تكتمل ملامح مشروع القانون الذي تستعد الحكومة لتقديمه، حيث يهدف لمنع الأطفال من عمر سنة إلى 12 عامًا من استخدام منصات التواصل، مع فرض استخدامٍ محدود للفئة العمرية من 12 إلى 16 عامًا عبر تقنيات حديثة للتعرف على العمر، ولن يتوقف الحراك عند التشريع فحسب، بل سيمتد إلى إجراءات تقنية تتخذها شركات الاتصالات، عبر توفير "شريحة إنترنت" مخصصة للأطفال تضع ضوابط صارمة للمحتوى المسموح به.

لكن، ما بين الممنوع والمسموح والممكن، تتدفق في ذهني عشرات الأسئلة خلال اجتماع لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أسئلةٌ عن هذا الجيل الذي لا يراه أو يسمعه أحد، حيث يتحدث الجميع عن حمايته دون التفكير بعقله، أو إدراك حدود الممكن في زمنٍ عزَّ فيه المنع.

الخطر المحدق

أعلم جيدًا خطورة هذا الهاتف الذي يمسكه ابني وأقرانه طوال الوقت، محلقين في عالم خاص لا نعرف عنه شيئًا، وفي غمرة هذا القلق، ضرب ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، مثلًا بفرنسا بوصفها "دولة الحريات الأولى" التي صوتت على قانون ينظم استخدام الأطفال للإنترنت، مشيرًا إلى تجربة أستراليا، ومبشرًا بأن ألمانيا وإنجلترا في الطريق ذاته.

يتحدث رشوان عن حظر استخدام الهاتف المحمول في دول العالم مطالبًا بتطبيق القرار في مصر، رغم أن وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، أوضح في جلسة الاستماع الأولى قبل أسبوعين أن هذا القرار موجود بالفعل ومطبق. أما بشأن التصورات العقابية، فيرى رشوان أن العقوبات المالية ليست رادعة للشركات الكبرى، بخلاف العقوبات الجنائية، متسائلًا: "هل الطفل نفسه ستوقع عليه عقوبة؟"، موضحًا أن هذه ليست أسئلة فلسفية بل إجرائية ملحة.

لا أعلم لمن يوجه الوزير أسئلته، وهو القادم من الحكومة المنوط بها تقديم التصورات؟ أم أن التنسيق لا يزال غائبًا، وتنفرد وزارة الاتصالات بوضع مسودة القانون؟

من "تان تان" إلى الواقع الرقمي

في سياق البحث عن حلول، يتحدث الجميع عن ضرورة إتاحة بدائل تجذب الأطفال بعيدًا عن الهواتف الذكية، لكنها تبدو بدائل من عصر بعيد لا يمت بصلة لجيل "زد" أو "ألفا". فبينما يحذر وزير الأوقاف، أسامة الأزهري من "إدمان الهواتف"، يحلم ببدائل كلاسيكية تبدأ من مجلات الأطفال وصولًا للقنوات المتخصصة، وهو الطرح الذي أيدته راندا مصطفى، رئيسة لجنة التضامن الاجتماعي، بتساؤلها عن أسباب اختفاء مجلات مثل "تانتان" و"سمير" التي تعلمت منها الأجيال السابقة قيمها.

وفي المقابل، بدت وزيرة الثقافة جيهان زكي أكثر واقعية وانفتاحًا على التغيير، إذ أقرت بأن الوصول لهذا الجيل يتطلب أدوات مختلفة، مشيرة إلى استحالة الوصول إليهم إلا عبر "الجهاز الذكي"، وبدلًا من محاولة التخلص منه، يجب استغلاله بتقديم معلومة بسيطة تراعي الحداثة والاستنارة. ومن زاوية أكاديمية، لخصت النائبة ثريا بدوي أسباب الفشل المحتمل لجهود الدولة قائلة: "ينقصنا أن نفكر كما يفكر الآخر، فنحن ننطلق في حملاتنا من منظورنا نحن، بينما يجب الانطلاق من تفكير الطفل واحتياجاته".

أين اتحادات الطلبة؟

وبحثًا عن التأثير الفعلي، طالب النائب أحمد فتحي، وكيل لجنة التضامن الاجتماعي، بمشاركة الاتحادات الطلابية في جلسات الحوار المجتمعي، لكنه لم يطلب مشاركتهم لسماع رؤيتهم فحسب، بل رسم لهم دور "الرسل" الذين سينقلون للطلاب في المدارس والجامعات خطط الحكومة والبرلمان. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع تراجع دور الاتحادات الطلابية في المجال العام، حيث يشير تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى غياب الشفافية في انتخاباتها التي تتم أحيانًا بالتعيين أو التزكية، بعيدًا عن التغطية الإعلامية.

حماية الأطفال.. والبالغين أيضًا

يبدو أن الأزمة لا تتوقف عند الصغار، بل تمتد لتشمل البالغين، فقد روى النائب أحمد علي قصة فض نزاع بين كبار العائلات والتجار في دائرته، تبين لاحقًا أن سببه ليس تجارةً متعثرة، بل خسائر في لعبة المراهنات "1xBet"، فسأل النائب أحمد بدوي ممثل الجهاز القومي للاتصالات "انت ما قفلتهاش"، ليتدخل النائب أحمد علي مؤكدًا "اللعبة مفتوحة".

كان بدوي أعلن قبل أسابيع حجب عدد من ألعاب المراهنات ولعنة روبلوكس، موضحًا أن مع نهاية شهر فبراير الجاري سيتم الانتهاء من حجب 80% من هذه الألعاب.

يتساءل النائب أحمد علي عن مصير الكبار أيضًا وليس الأطفال فقط، "لا نتحدث عن أطفال بل كبار وبالغين وأجداد، تخطينا مرحلة حماية الطفل نحتاج لقانون ينظم المحتوى"، فعلق بدوي "الحكومة ستقدم للجنة تعديلات وإضافة بنود على قانون تقنية المعلومات، موضحًا أن هذه التعديلات  تشمل التعامل مع ألعاب المراهنات الإلكترونية والشائعات والابتزاز الإلكتروني.

تحسست مسدسي، فلا أعلم ماذا تخطط لنا الحكومة، وما في جعبتها من مواد جديدة لهذا القانون الجديد الذي يتقاطع مع قضايا الرأي. أما مخاطر الإنترنت وضبط استخدام الأطفال للتكنلوجيا، فستعيد اللجنة مناقشتهما في اجتماع آخر. أما قضية "المنع"، فستظل معضلة تقنية، في زمن لم يعد فيه "الحجب" سوى عقبة مؤقتة يتجاوزها طفل في الحادية عشرة بلمسات ذكية لكسر الحصار الرقمي.

إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في صياغة المواد القانونية، بل في فك الاشتباك بين مفهوم "الوصاية" المفروضة، ومفهوم "الحماية" الحقيقية، فالأولى تقف عند حدود المنع التقني، بينما تتطلب الثانية غوصًا في أعماق هذا الجيل وفهم احتياجاته، بعيدًا عن استدعاء ذكريات "تانتان" أو اقتراح قنوات تليفزيونية هجرها جيل "زد" و"ألفا" منذ أمد بعيد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة