بعد 12 عامًا في الأدراج.. 3 أزمات تواجه قانون المحليات الجديد و"ممفيس" في الصدارة

تُذكر تكليفات الرئيس السيسي بتنفيذ الاستحقاق الدستوري الخاص بالانتخابات المحلية بكلمة السر "ديليسبس"، التي استخدمها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر كشيفرة لانطلاق أعمال تأميم قناة السويس.

فكما كان نطق ناصر لاسم "فرديناند ديليسبس" في خطابه الشهير في يوليو 1956، إشارةً لتحرك القوات للسيطرة على القناة وبسط السيادة المصرية عليها، يبدو أن تكليف الرئيس السيسي الأخير قد لعب الدور ذاته، حيث وضع قانون الإدارة المحلية على مائدة النواب من جديد، بعد فشل البرلمان في تمريره على مدار 12 عامًا، فلم تكد تمر أيام قليلة على هذا التكليف، حتى أعلن مجلس النواب إحالة المشروع المقدم من النائب محمد عطية الفيومي، وكيل لجنة الإدارة المحلية، إلى اللجان المختصة تمهيدًا لمناقشته وإقراره.

ويضم المشروع الجديد المقدم من وكيل لجنة الإدارة المحلية، 208 مواد تتضمن إعادة تنظيم أوضاع المحافظات وتحديد اختصاصاتها، والنظام الانتخابي، إلى جانب استحداث إطار خاص للعاصمة الإدارية الجديدة، تحت مسمى "مقاطعة ممفيس".

وفي هذا السياق، قال الفيومي في المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، إنه يهدف إلى تفعيل أحكام الدستور المتعلقة بالإدارة المحلية، التي تضم 9 مواد، تنص على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، ودعم اللامركزية، مع ضمان استقلاليتها المالية والإدارية.

أزمة مقاطعة ممفيس

يقول الفيومي لـ"فكر تاني"، إن كل مادة من مشروع القانون المقدم، تعالج جميع الإشكاليات المتعلقة بملف الإدارة المحلية، بداية من الانتخاب إلى الموارد وإدارتها، وصولًا إلى اختيار المحافظين وعزلهم. وأشار إلى أن الوضع الخاص للعاصمة الإدارية جاء بسبب مساحتها وحجم المشروعات الموجودة بها، فلا يمكن اعتبارها "حيًا" على حد تعبيره.

ولفت النائب البرلماني إلى أن الدستور يسمح بإنشاء كيان جديد، لذا اختار اعتبار العاصمة الإدارية "مقاطعة"، منوهًا بأن وضع العاصمة الإدارية كان يمثل مشكلة قانونية دستورية خلال فترة إعداد القانون وعمد إلى حلها.

تنض المادة 222 من الدستور المصري بوضوح على أن "مدينة القاهرة هي عاصمة جمهورية مصر العربية"

في المقابل، أوضح أستاذ القانون الدستوري وعضو مجلس النواب، صلاح الدين فوزي، أن اعتبار العاصمة الإدارية جزءًا من محافظة القاهرة "أمر دستوري" حتمي، وأن الدستور حدد مكان مجلس النواب والمحكمة الدستورية في "القاهرة"، مشددًا على أن أي مشروع للإدارة المحلية يجب أن يراعي هذه النقطة.

وقال في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن المادة الخاصة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مشروع "الفيومي" لا تزال محل نقاش، منوهًا بأن تحديد وضع خاص للعاصمة الإدارية في القانون يجب أن يشمل محافظة القاهرة ككل، وليس "ممفيس" وحدها.

وتابع قائلًا: "القاهرة مقسمة حاليًا إلى 4 مناطق، ويمكن إضافة العاصمة كمنطقة خامسة، ويكون لها تنظيم معين كأن تُدار مثلًا من خلال شركة، لكن يجب أن تكون ضمن نطاق محافظة القاهرة لعدم مخالفة الدستور"، مؤكدًا اعتراضه على اعتبارها مقاطعة مستقلة.

وأصر على أن قانون الإدارة المحلية في العموم لن يحتاج نهائيًا إلى إجراء تعديل دستوري، وأنه يمكن إقرار القانون مع مراعاة النصوص الدستورية دون حدوث إشكالية، مشددًا على أن جميع مواد المشروع المقدم متوافقة مع الدستور.

وتنض المادة 222 من الدستور المصري بوضوح على أن "مدينة القاهرة هي عاصمة جمهورية مصر العربية"، وهو نص دستوري "جامد"، بمعنى أنه لا يجوز نقل العاصمة إلى مدينة أخرى إلا من خلال تعديل دستوري -وذلك إجراء معقد يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان ثم استفتاءً شعبيًا- أو عبر اعتبار المدينة الجديدة جزءًا جغرافيًا وإداريًا من "نطاق القاهرة الكبرى".

من جهته، يقول أستاذ القانون الدستوري، عبد الله المغازي، لـ"فكر تاني" إنه لا يجوز تسمية مكان آخر غير القاهرة كعاصمة إلا بتغيير الدستور المصري، لكن إطلاق أي مسمى على العاصمة الإدارية لا يوجد فيه مشكلة.

وذكر أن مصطلح "مقاطعة" منقول من القانون الأمريكي، وليس من المسميات الحالية في الدستور المصري، الذي يتحدث عن المحافظة والمدينة والقرية والمركز، مشيرًا إلى أنه يجوز إنشاء وحدات إدارية جديدة وفقًا لأحكام المادة 175 من الدستور، لكن يجب أن يتناسق ذلك مع طبيعة الوحدات الموجودة في الدولة.

وحسب المادة 175 من الدستور: "تنقسم جمهورية مصر العربية إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، منها المحافظات، والمدن، والقرى، ويجوز إنشاء وحدات إدارية أخرى تكون لها الشخصية الاعتبارية، إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. ويراعى عند إنشاء أو إلغاء الوحدات الإدارية أو تعديل الحدود بينها، الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون".

لذلك يرى المغازي في تصريحاته لـ"فكر تاني" أنه "يجب ترك الأمر كما هو، فلا تحتاج العاصمة الإدارية إلى مسمى جديد، ولا لتعديل قانوني أو دستوري". ونوه بأن الأمر الأكثر جدارة بالاعتبار من مجلس النواب هو مناقشة حق الانتخاب للمقيمين في المدن الجديدة، مطالبًا رئيس الوزراء بإصدار قرارات بتحويل المدن الجديدة التي اكتملت إلى وحدات محلية تابعة لكل محافظة تتواجد بها وفقًا لأحكام القانون والدستور، وإلا سيُعد هذا حرمانًا لهؤلاء المواطنين القاطنين بتلك المدن من حق الانتخاب في المحليات.

انتخاب المحافظين

إن مسألة الاعتداد بتسهيل قدرة المواطن على الانتخاب وتوفيق أوضاعه قانونيًا، تصطدم بشكل آخر بالرؤية التي ينظر بها مشروع قانون الفيومي لهذا المواطن. فحسب مشروع القانون، يجب اعتماد نظام التعيين بالنسبة للمحافظين بسبب ما يصفه النائب البرلماني بـ"الوضع المجتمعي الحالي"، الذي يفسره قائلًا لـ"فكر تاني": "كيف يمكن للناس الأميين (انتخاب) محافظهم؟ الثقافة والوعي لا يسمحان بانتخاب المحافظ حاليًا، ولكن يمكن أن يحدث ذلك بعد 100 عام بعد أن تتغير الثقافة السياسية والمجتمعية والوعي العام".

"الاعتماد على القائمة المغلقة المطلقة سينتج سلطة تنفيذية تتبع السلطة الرقابية الموجودة، وبالتالي ستضطر للتستر على الفساد" - باسم كامل

وهو أمر لا يوافقه عليه باسم كامل، أمين الحزب المصري الديمقراطي، الذي يرى ضرورة أن يكون اختيار المحافظين بالانتخاب بدلًا من أن يعينهم رئيس الجمهورية كما هو مقرر في المشروع ومعمول به حاليًا، خصوصًا أن النص الدستوري لا يمنع ذلك. وقال لـ"فكر تاني"، إنه "يمكن البدء بالتجربة من الآن وتقييم الوضع لاحقًا، كما يحدث بالنسبة لمشروع التأمين الصحي الشامل".

واقترح أمين الحزب المصري الديمقراطي أن يُنتخب المحافظون شعبيًا، مع منح الرئيس الحق في اختيار واحد من بين أعلى 3 فائزين، كما يحدث في اختيار النائب العام والمجلس الأعلى للقضاء، بدلًا من جعل سلطة الاختيار مطلقة في يد الرئيس. واعتبر أن هذا سيثمر عن تجربة "ديمقراطية" مناسبة، وسيحقق في الوقت ذاته رغبة السلطة في اختيار من تراه مناسبًا.

لكن كامل لا يعارض مشروع الفيومي بالكلية، إذ يثمن تمسك الأخير بعدم إجراء تعديل دستوري لإقرار قانون الإدارة المحلية، مشددًا على إمكانية إقرار قانون محليات "كويس" دون الحاجة إلى تعديل الدستور.

كما أشاد بمنح المجالس المحلية -في مشروع القانون- إمكانية سحب الثقة من المحافظين، معتبرًا إياها شيئًا إيجابيًا يجب أن يُعمم على المستويات الأدنى في الأحياء والمراكز والقرى. وأوضح أن منح السلطة للرئيس لتنفيذ قرار المجالس بعزل المحافظ يجب أن تصاحبه آلية واضحة، ففي حالة الرفض، يمكن اللجوء لحل قانوني بإجراء استفتاء مثلًا، حال تعارض الرغبتين.

أزمة القائمة المطلقة

وتمتد أزمة "القائمة المطلقة" بين أحزاب السلطة والمعارضة لمشروع قانون المحليات. وفي هذا الصدد، يقول الفيومي إن القانون حدد بعض الشروط الواجب توافرها في أعضاء المجالس المحلية، بأن يكون ثلث مقاعد القائمة للشباب، وثلث آخر للمرأة، وغير ذلك مما يصعب تطبيقه في القائمة النسبية، معتبرًا القائمة المطلقة هي الأفضل.

في المقابل، يعترف أمين حزب المصري الديمقراطي بأن أحزاب المعارضة لن تستطيع المنافسة في الانتخابات المحلية في ظل إقرار نظام القائمة المغلقة المطلقة سوى على قوائم أحزاب السلطة كما يحدث في الانتخابات البرلمانية، مشددًا على ضرورة إفساح المجال للمشاركة بشكل أكبر واعتماد القائمة النسبية.

ويوضح قائلًا إن "الاعتماد على القائمة المغلقة المطلقة سينتج سلطة تنفيذية تتبع السلطة الرقابية الموجودة، وبالتالي ستضطر للتستر على الفساد"، منوهًا بأن السيطرة على الانتخابات المحلية أصعب مقارنة بالبرلمانية بسبب كثرة القوائم، مما سيجعل قبضة الدولة "رخوة"، لكن ذلك لن يساعد على تغيير الواقع الحالي.

وشدد على أن إقرار القائمة النسبية سيسهم كثيرًا في تحسين الحياة السياسية والحزبية، وسيساعد الدولة في إعداد كوادر شبابية مدربة تدريبًا صحيحًا بدلًا من تدريبات "التكييف"، منوهًا بأن "الخبرة السياسية تُبنى بالمشاركة والتفاعل الحقيقي".

وقال كامل إن تطبيق الضوابط الدستورية بخصوص كوتة الشباب والمرأة وغيرهما يمكن تنفيذه من خلال القوائم النسبية رغم صعوبته، موضحًا أن إفساح المجال سيكون في صالح الجميع وسيسهم في تحسين الواقع الحالي.

ويتفق رئيس حزب التحالف الشعبي، مدحت الزاهد، مع "كامل" بشأن أهمية إقرار القائمة النسبية، مشددًا على أن القائمة المغلقة المطلقة أثبتت فشلها تمامًا في الانتخابات البرلمانية خلال السنوات الأخيرة.

ونوه الزاهد بأن موقف أحزاب الحركة المدنية عمومًا واضح تمامًا بشأن رفض القوائم المغلقة المطلقة، وأيضًا بالنسبة لتعيين المحافظين بدلًا من انتخابهم، وقد عبرت عن ذلك في مناسبات عديدة. وأوضح أن الواقع يسمح بانتخاب المحافظين من قِبل الناس وليس كما يروج البعض.

وأضاف رئيس الحركة المدنية، لـ"فكر تاني"، أن قانون الإدارة المحلية يحتاج إلى مناقشات أوسع حتى يُقر قانون يُحدث تغييرًا حقيقيًا، متابعًا: "الشارع المصري يحتاج إدارة محلية حقيقية لها حق الإدارة والرقابة والمتابعة والمحاسبة".

وبثقة، يختتم وكيل لجنة الإدارة المحلية حديثه لافتًا إلى أن قانون الإدارة المحلية، بعد تكليفات الرئيس السيسي، لن يبقى حبيس الأدراج، وأن كلام الرئيس سيعجل من إنجاز مناقشة القانون سواء من البرلمان أو الحكومة، ومن ثم إقراره في أسرع وقت ممكن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة