يترقب العاملون بشركات قطاع الأعمال العام مصيرهم بعد صدور قرار جمهوري يلغي وزارتهم، ويلقي بمسؤوليتهم في ملعب رئيس مجلس الوزراء، الذي يُفترض أن يُصدر قرارات تنظم الآثار المترتبة على هذا الإلغاء.
وتضم "وزارة قطاع الأعمال"، التي أُلغيت حقيبتها ضمن التعديل الوزاري الأخير- 146 شركة تحت مظلتها، وهو ما يعادل 26% من إجمالي الشركات المملوكة للدولة، والبالغ عددها 561 شركة.
لكن تلك الوزارة، التي استُحدثت قبل 10 سنوات فقط، لم يتسم أداؤها في العموم بطول الأجل، إذ تعاقب على تولي مسؤوليتها خمسة وزراء بمتوسط عامين لكل وزير. وكان آخرهم المهندس محمد شيمي، الذي تولى الحقيبة مع تشكيل حكومة 3 يوليو 2024، ليتراجع في عهده عدد شركات قطاع الأعمال من 317 شركة (تعادل 44.7% من إجمالي الشركات المملوكة للدولة في 2024) إلى 146 شركة فقط في 2025، بنسبة تراجع بلغت 26%.
لماذا العودة؟
حينما استُحدثت وزارة قطاع الأعمال العام بالقرار رقم 127 لسنة 2016، كان الهدف الأساسي إيجاد جهة تتولى مسؤولية هذه الشركات، وتحلل المتغيرات التي تؤثر على أداء القطاعات الاقتصادية التي تعمل فيها، إذ كانت تلك الشركات تقبع تحت مظلة وزارة الاستثمار قبل ذلك التاريخ.
وبعد ثلاثة أشهر فقط من نشأتها، بدأت الوزارة في فرز وتصنيف شركات القطاع إلى مجموعتين أساسيتين، شملت الأولى 48 شركة عانت من خسائر متزايدة وتردٍّ في الإنتاجية، نتيجة تقادم الآلات، وسوء الإدارة، وتجاهل العوامل الاقتصادية في التسعير والإنتاج. بينما ضمت المجموعة الثانية 73 شركة حققت إنتاجية جيدة، وقُسمت بدورها إلى فئتين: فئة تحقق أرباحًا معقولة وجاهزة للطرح في البورصة، وأخرى تحقق أرباحًا تقل عن إمكانياتها الحقيقية.
وارتكزت خطة الإصلاح المالي لهذه الشركات على سداد المديونيات اعتمادًا على الأصول غير المستغلة التي حُصرت، واستخدام جزء منها لتسوية مديونية الشركات تجاه الجهات الحكومية. كما وُجه ما أمكن تخصيصه لتمويل التطوير المطلوب، مع وجود استثناءات محدودة اعتمدت على تحديث الإنتاج، ولا سيما في شركة النصر للسيارات وشركات الغزل والنسيج.
وخلال سنواتها العشر، شهدت الوزارة تصفية نحو 5 شركات بدعوى استحالة إصلاحها أو تطويرها، وعلى رأسها: الحديد والصلب المصرية، والشركة القومية للأسمنت، والمصرية للملاحة، والنصر لصناعة الكوك والكيماويات الأساسية، بالإضافة إلى تصفية الشركة العامة لصناعة الورق "راكتا".
وفي الوقت نفسه، وضعت الوزارة خطة لدمج 4 شركات تابعة للقابضة للسياحة (صيدناوي مع بيع المصنوعات، وهانو مع بنزايون)، فضلًا عن دمج 12 شركة تابعة للقابضة للتشييد وتحويلها إلى 5 شركات فقط، ودمج 32 شركة في قطاع الغزل والنسيج لتصبح 10 شركات.
وبحسب تقارير الحسابات الختامية للوزارة، بلغت إيرادات شركات قطاع الأعمال خلال العام المالي 2024/2025 نحو 126 مليار جنيه، بمعدل نمو يقارب 20% مقارنة بالعام السابق. بينما بلغ صافي الربح المجمع نحو 24 مليار جنيه، وارتفعت الصادرات بنسبة 27% لتصل إلى نحو مليار دولار؛ وهو ما اُعتبر تحقيقًا للمستهدفات.
وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت القيمة السوقية لإجمالي الشركات التابعة المدرجة في البورصة المصرية بنحو 36%، إلى جانب تحول عدد من الشركات الكبرى إلى الربحية، مثل: شركة النصر للسيارات (لأول مرة منذ عقود)، وشركة تنمية الصناعات الكيماوية "سيد"، وشركة النصر العامة للمقاولات "حسن علام"، وذلك وفقًا لبيان إنجازات الوزارة الصادر مطلع العام الحالي.
ولكن بالانتقال من البيانات الرسمية إلى أرض الواقع، يواجه القطاع إشكالية كبيرة تتمثل في "تقادم العمالة"، حيث يبلغ إجمالي عدد الموظفين 103 آلاف و839 موظفًا في 68 شركة. وتكمن الأزمة في أن 42 ألف عامل تتراوح أعمارهم بين 50 و60 سنة، بينما لا يتجاوز عدد العمال الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة حاجز الـ22 ألف عامل.
كيف تفكر الحكومة؟
يوضح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، أنه يجري العمل حاليًا على إصدار القرارات اللازمة لتنظيم الوضع الجديد للشركات التابعة للوزارة الملغاة، قائلًا في تصريحات صحفية نهاية الأسبوع الماضي، إن هذه القرارات ستصدر قريبًا عن مجلس الوزراء، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية.
وأضاف الحمصاني أن القرارات ستحدد جهة الإشراف الجديدة على هذه الشركات، إلى جانب إعداد قائمة بشركات ستُنقل إلى الصندوق السيادي أو تُقيد في البورصة ضمن برنامج الطروحات. وشدد على أن اختيار آلية الطرح أو الشراكة سيتم بناءً على دراسات اقتصادية متأنية لكل شركة على حدة، بما يحقق أعلى استفادة ممكنة للاقتصاد الوطني.
السيناريو الأول.. فترة انتقالية لترتيب الأوضاع
من بين السيناريوهات المتوقعة لمصير هذه الشركات، تحديد فترة انتقالية لدراسة أوضاعها. وهو ما يرجحه الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لـ"الشركة القابضة للصناعات المعدنية"، متوقعًا أن يتولى هذا الملف الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لحين تمكين "وحدة إدارة المال العام" والصندوق السيادي من إدارتها.
ويرى نافع أن تحديد فترة انتقالية لمدة عام يُعد أمرًا ضروريًّا لتوفيق أوضاع الشركات بما يسمح بإدارتها ككيانات اقتصادية مستقلة، ويمنحها مرونة أكبر في إبرام الشراكات، والتخارج، وزيادة رؤوس الأموال.
ويعزز هذا التوجه ما دار في الاجتماع الأول بين الدكتور مصطفى مدبولي ونائبه الدكتور حسين عيسى، فور حلف اليمين الدستورية، بحضور الدكتور هاشم السيد، الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة. فقد تناول الاجتماع إعداد 60 شركة ضمن برنامج إعادة تنظيم وإدارة أصول الدولة، بحيث تُنقل 40 منها إلى الصندوق السيادي، وتُقيد 20 أخرى في البورصة.
التوزيع على الوزارات.. سيناريو على الطاولة
في المقابل، يرى مسؤول حالي بوزارة قطاع الأعمال العام أنه لحين حسم قائمة الشركات التي ستُطرح بالبورصة، يبقى السيناريو الأقرب عودة جميع الشركات القابضة إلى مظلة وزارة الاستثمار، باستثناء تلك التي تخضع لإشراف وزارة مختصة بطبيعة عملها، على غرار الشركة القابضة للمياه التي تشرف عليها وزارة الإسكان.
ويحل سيناريو عودة الشركات للوزارات ذات الصلة مشكلة "الازدواجية" الحالية في التعامل معها، فشركات مياه الشرب والصرف الصحي، على سبيل المثال، تخضع للوائح قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، بينما الوزير المختص المشرف عليها قانونًا هو وزير الإسكان.
وينطبق هذا الوضع على العديد من الشركات التابعة للوزارة الملغاة، التي يرتبط عملها بشكل وثيق بوزارات أخرى، مثل "الشركة القابضة للنقل البحري والبري" التي يتقاطع عملها مع وزارة النقل، و"الشركة القابضة للتشييد والتعمير" المرتبطة بوزارة الإسكان، و"الشركة القابضة للأدوية" الوثيقة الصلة بوزارة الصحة.
الصندوق السيادي ووحدة الشركات المملوكة للدولة
ويبرز أيضًا سيناريو نقل الشركات القابضة إلى صندوق مصر السيادي. وتدعم هذا التوجه المادة 20 من القانون رقم 185 لسنة 2020 (الذي استُحدث كبديل للقانون 203 لسنة 1991)، التي تتيح لرئيس مجلس الوزراء، بعد موافقة المجلس، نقل أسهم أي من الشركات التابعة -والمملوكة بالكامل لإحدى الشركات القابضة- إلى أي شخصية اعتبارية عامة أو إلى صندوق مصر السيادي. على أن تخضع الشركات المنقولة لأحكام القوانين المنظمة لشركات المساهمة، أو التوصية بالأسهم، أو ذات المسؤولية المحدودة، أو شركات الشخص الواحد.
وفي هذا المشهد، تظهر بقوة "وحدة الشركات المملوكة للدولة"، التي شُكلت تحت الإشراف المباشر لمجلس الوزراء برئاسة الدكتور هاشم السيد، بهدف المحافظة على أصول الشركات وتطويرها. وتُعد هذه الوحدة الجهة المنوط بها تنفيذ سياسة ملكية الدولة، وتقييم الشركات العامة عبر قياس الجدوى الاقتصادية، والملاءة السوقية، وفرص مشاركة القطاع الخاص.
كما تشرف الوحدة على إعداد خرائط طريق واضحة للتخارج أو إعادة الهيكلة، وتحديد الأصول القابلة للنقل للصندوق السيادي أو الإدراج في برنامج الطروحات. وتمتد مهامها لتعزيز الحوكمة، وفصل الملكية عن الإدارة، وبناء قاعدة بيانات شاملة، إلى جانب تنفيذ استراتيجية تواصل مجتمعي فعالة لشرح أهداف الإصلاحات وحشد الدعم لها.
وقد ألمح الدكتور هاشم السيد في بيان له مساء الأربعاء إلى هذا التوجه، معلنًا أنه سيتم نقل 40 شركة إلى الصندوق السيادي وقيد 20 شركة بالبورصة.
ووفقًا لهذا السيناريو، سيتولى الصندوق السيادي إدارة الشركات التي تمتلك فرصًا استثمارية واعدة أو تحتاج لإعادة هيكلة شاملة، سواء بالشراكة مع القطاع الخاص أو بتوظيف الأصول غير المستغلة. بينما سينحصر دور وحدة الشركات المملوكة للدولة في قرارات الجمعيات العمومية، وتعيين مجالس الإدارات، والتنسيق بين الأطراف المختلفة لضمان تطبيق معايير الحوكمة والشفافية.
بين التخطيط والاستثمار
وثمة سيناريو آخر تدرسه الحكومة، ويقضي بتوجيه جزء من شركات قطاع الأعمال لوزارة التخطيط، والجزء الآخر للصندوق السيادي. وفي هذا المقترح، يتركز دور وزارة التخطيط في التنسيق بين جميع الجهات المعنية بملف الطروحات والشراكات (الصندوق السيادي ووحدة الشركات)، بالإضافة إلى "وحدة الطروحات"، وهي جهاز تنفيذي متخصص أُنشئ للإشراف على التخارج من الأصول العامة، وتحديد أساليب الطرح، وتعيين المستشارين وبنوك الاستثمار، مع الاستفادة من الخبرات الدولية كمؤسسة التمويل الدولية.
وتتولى وزارة التخطيط في هذا الإطار تنفيذ السردية الاقتصادية و"سياسة ملكية الدولة"، التي تستهدف تخلص الحكومة تمامًا من استثماراتها في نحو 79 نشاطًا اقتصاديًّا، مقابل الإبقاء عليها مع تخفيضها والسماح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص في 45 نشاطًا. كما تهدف السياسة لزيادة استثمارات الدولة في 27 نشاطًا مستقبليًّا، يتركز أغلبها في البنية التحتية والقطاعات ذات الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية كالتعليم والصحة.
قرار مثير للجدل
ويثير تعدد السيناريوهات والجهات المرشحة لإدارة هذا الملف تباينًا ملحوظًا في آراء الخبراء. فالدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، يحذر من أن سيناريو تفريق إدارة الشركات على وزارات متباينة سيؤدي إلى تفاقم الأزمات، نظرًا لأن كل شركة قابضة وتوابعها تعمل وفق قوانين وطبيعة خاصة تختلف عن باقي الهيئات الحكومية، مما يتطلب إدارة ذات خبرة متخصصة ومسارًا قانونيًّا واضحًا.
ويضيف الإدريسي أن الوزارات مثقلة بمهامها الخاصة وليست متفرغة لحل مشكلات الشركات القابضة وشركاتها التابعة، مشددًا على ضرورة وضع خطة بديلة محكمة لضمان استمرار العمل دون تعطيل، وتحديد المسؤوليات بدقة لتجنب أي شلل إداري قد يضر بالاقتصاد الوطني، ومحذرًا من مغبة إلغاء الوزارة دون خطة بديلة واضحة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة على إدارة هذا الملف الحيوي.
ويتفق مع هذا الطرح النائب أحمد بلال البرلسي، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، الذي يرى أن قرار الإلغاء لم يحدد رسميًّا الجهة البديلة أو الإطار المؤسسي الذي سيحكم التطوير. ويشير إلى أن هذا الغموض أثار قلقًا مشروعًا لدى عشرات الآلاف من العاملين الذين بات مصيرهم الوظيفي والاجتماعي مجهولًا.
وأوضح النائب في بيان عاجل قدمه لمجلس النواب اليوم، أن غياب الرؤية يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية من تفكيك هذه الكيانات دون استراتيجية صناعية واضحة، أو التوسع العشوائي في سياسات الخصخصة؛ مما قد يمثل إهدارًا لأصول الدولة وتفريطًا في شركات قومية عريقة.
في المقابل، يتبنى الدكتور مدحت نافع وجهة نظر مختلفة، إذ يرى أن القانون رقم 203 لسنة 1991 كان يمنح الشركات القابضة قدرًا جيدًا من الاستقلال في الإدارة، وأن عودة وزارة قطاع الأعمال العام وهيمنتها في عام 2016 أعادت إنتاج المشكلات القديمة، وأثبتت فشل الإدارة المركزية في التعامل مع أنشطة ومشكلات متباينة من شركة لأخرى. ويقترح نافع أن تعمل وحدة إدارة الشركات بمنطق "المشغّل" الاستثماري، وليس مجرد "أمين أصول" يكتفي بمراجعة الدفاتر والميزانيات.
في النهاية، يضع هذا الإلغاء المفاجئ للوزارة الحكومة أمام اختبار حقيقي لضمان استمرارية الكيانات التابعة، ويفرض عليها حتمية الإسراع بإصدار إطار مؤسسي ولوائح تنفيذية حاسمة تنهي حالة الفراغ الإداري والقانوني. فأي تأخير في إعلان الجهة البديلة وتحديد صلاحياتها، لن يقتصر أثره على مضاعفة قلق العمالة فحسب، بل يهدد بإرباك خطط الطروحات المرتقبة، وتعطيل مسار "سياسة ملكية الدولة" التي تعول عليها الإدارة الاقتصادية الحالية لإنعاش السوق.