هل أغلقت الحكومة نافذة الحوار مع المعارضة؟

بين عودة مناصب وتقليص صلاحيات وإلغاء أدوار، حمل التعديل الوزاري الأخير -الذي شهد انضمام 14 وزيرًا جديدًا إلى الحكومة الثالثة في عهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء- أسئلة ودلالات قد تجيب عنها الأيام، وأخرى ستظل عالقة من دون إجابة. من بين هذه الأسئلة بلا شك، الخروج المفاجئ للمستشار محمود فوزي من الحكومة في ثوبها الجديد، على عكس جميع المؤشرات التي صبت في صالح استمراره خلال الأسابيع الماضية.

كان فوزي، الذي غادر منصبه بعد 19 شهرًا قضاها على رأس حقيبة "الشؤون النيابية والتواصل السياسي"، يرى أن "إضافة التواصل السياسي لمهام الوزارة رسالة تعكس رغبة الدولة في تحقيق انفتاح سياسي، تؤكد بها أن أبوابها مفتوحة للجميع، وترحب بالتواصل مع جميع الكيانات". غير أن مصير هذا الهدف صار مجهولًا بعد اقتصار مسمى الوزارة حاليًا على "الشؤون النيابية" فقط.

ولم يقتصر الجدل الذي خلفته هذه المغادرة على التخلي عن المسمى فحسب، بل انطلق من كون فوزي أحد المقربين من صناع القرار، فضلًا عن حضوره اللافت بين البرلمان والحكومة. ومن هنا امتدت التساؤلات إلى أسباب هذا التغيير في الحركة الوزارية الأخيرة، حيث عُرف خليفته المستشار هاني حنا كوزير للشؤون النيابية دون ملف التواصل السياسي. وهو مسار اعتبره سياسيون وحزبيون دلالة سلبية على تراجع المحور السياسي من اهتمامات الحكومة، وانقطاعًا لقناة الاتصال الرسمية بين السلطة والمعارضة، حتى وإن كانت غير مفعلة لأغلب الوقت.

بالعودة للوراء قليلًا، كان تشكيل الحكومة الذي جرى في 3 يوليو 2024، قد استحدث هذه الوزارة لتكون امتدادًا للحوار الوطني الذي شغل فوزي منصب رئيس أمانته الفنية. في المقابل، جاء التعديل الوزاري في 2026 خاليًا من أي إشارة للمسار السياسي ضمن أجندة الحكومة، التي اكتفت بمحاور الأمن القومي، والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، فضلًا عن المجتمع وبناء الإنسان.

وفي هذا السياق، يرى البرلماني عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، أن إلغاء هذه النافذة السياسية -حتى وإن شابها القصور سابقًا- يمثل عودةً إلى الوراء، ورسالةً سلبية بنزع السياسة عن أجندة الاهتمام الحكومي، خصوصًا مع انتهاء الدور الوظيفي للحوار الوطني إثر رفع توصياته إلى رئاسة الجمهورية.

ويضيف إمام في حديثه لـ"فكر تاني"، أن الحكومة لم تحدد بعد الجهة التي سيؤول إليها ملف التواصل السياسي بعد مغادرة فوزي، متوقعًا أن يقتصر دور الوزير الجديد المستشار هاني حنا على تمثيل الحكومة في جلسات البرلمان فقط.

على الجانب الآخر، تتبنى بعض أحزاب المعارضة رؤية مغايرة، إذ تعتبر أن منصب وزير التواصل السياسي كان شكليًّا إلى حد كبير. ووفقًا لأكرم إسماعيل، مسؤول الملف السياسي في حزب العيش والحرية، لم يكن هناك اتصال حقيقي بين المستشار محمود فوزي وأحزاب الحركة المدنية الديمقراطية منذ توقف جلسات الحوار الوطني.

ويوضح إسماعيل أن التواصل بين الحكومة والمعارضة والكيانات النقابية لا يتوقف على وجود وزير بعينه يحمل هذا الملف، خاصةً مع تراجع أولوية الانفتاح السياسي أو تحسين مناخ العمل الحزبي في حسابات السلطة حاليًا، فضلًا عن غياب أي خطط واضحة لفتح حوار مع المعارضة أو إتاحة الهامش لها.

ويصف المشهد قائلًا: "الصيغة الحالية بين النظام والقوى السياسية هي الهندسة السياسية المحكمة، وليست صيغة مباركية تمنح هامشًا محدودًا للمعارضة للكلام والحركة، ولا حتى صيغة الحوار الوطني التي تبنت نهج الاستماع للمعارضة دون التنفيذ"، لافتًا إلى غياب أي شواهد تدل على رغبة السلطة في إعادة حساباتها خلال هذه الفترة.

متفقًا مع هذا الطرح من زاوية أخرى، يرى مجدي حمدان، القيادي بحزب المحافظين، أن إلغاء المنصب نابع من قناعة حكومية بعدم أهميته حاليًا، قائلًا، إنه: "لا توجد نافذة حوار أو اتصالات مباشرة أو غير مباشرة تُجرى بين السلطة والمعارضة الممثلة في أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية".

ويستدل حمدان بمسار الحوار الوطني الذي اعتبره "مؤشرًا كافيًا على غياب الرغبة في تواصل سياسي جاد بين السلطة والمعارضة"، مشيرًا إلى تحوله لـ"مكلمة" تتشعب فيها المحاور بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب التمسك بإجراء الانتخابات بنظام مختلط يغلب عليه القائمة المغلقة، مما أغلق الباب أمام مساعي الإصلاح السياسي.

وبالنظر إلى أداء الوزير السابق محمود فوزي، فقد نسج علاقات متشعبة مع سياسيين وحزبيين، سواء خلال وجوده في الوزارة أو قبلها في الحوار الوطني، معتبرًا نفسه "وزير الأحزاب المصرية" الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع. غير أن الواقع أظهر اقتصار زياراته ولقاءاته على أحزاب الموالاة فقط، حيث لم يُرصد حضوره في مقار أحزاب المعارضة، باستثناء بعض المناسبات الرمضانية وحفل تدشين حزب "الوعي".

ومع ذلك، يعود عبد المنعم إمام للإشادة بجهد فوزي على مستوى التواصل مع السياسيين والبرلمانيين وقيادته للنقاشات العامة، مستدركًا أنه كان يضطر في النهاية لتبني موقف الحكومة بحكم منصبه.

فخلال فترة ولايته، برز دور فوزي كحائط صد للدفاع عن الحكومة ووزرائها أمام الرأي العام والبرلمان. وتجلى ذلك في سلسلة التشريعات التي قدمتها الحكومة للمناقشة تحت القبة، وتحديدًا قوانين الإيجار القديم والإجراءات الجنائية، حيث دافع عنها باستماتة رغم الانتقادات الحقوقية التي طالتها، وذلك قبل أن يطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعديلها مجددًا.

ختامًا، ورغم أن فوزي كان معبرًا بوضوح عن صوت الحكومة في البرلمان وقراراتها، فإن رحيله أسدل الستار على دور الجسر القائم بين السياسيين والمعارضة من جهة، والسلطة من جهة أخرى.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة