شظايا يناير: بحث جيل زد عن ميدان جديد

تعتمد هذه القراءة بشكل أساسي على مادة توثيقية مكثفة قدمها عدد من الكتّاب والكاتبات الشباب في ملف نُشر بموقع "المنصة" في يناير الجاري 2026. المادة المنشورة لكل من: سيف الدين أحمد، ونهال سلامة، وريم عبد العزيز، ونهى عبير، ومروان محرز، وجاسر الضبع، لا تقدم فقط انطباعات شخصية، بل توفر بيانات نوعية حول الكيفية التي يدرك بها هذا الجيل تجربته مع السياسة ومع ذكرى يناير. ومن خلال هذه السرديات المتنوعة، يمكن تتبع منطق داخلي يربط بين واقعهم المهني والمعيشي وبين رؤيتهم للعالم، وهو ما يجعل من تلك المقالات قاعدة أساسية لمحاولة فهم التحولات الحالية في وعي هذا الجيل بعيدًا عن الافتراضات المسبقة.

في شتاء 2026، يبدو ميدان التحرير لجيل زد فضاءً مُثقلًا بالرموز الغريبة. لقد أُعيد رصف الذاكرة والمكان معًا، فاستحال الميدان إلى مساحة صامتة، تعلوها مسلة وكباش منتزعة من سياقها التاريخي، في محاولة لاستبدال "فعل الحركة" الذي شهدته يناير بـ "سكون الحجر". هذا التحول المادي يعكس "فجوة وجودية" يعيشها هذا الجيل؛ فهم يراقبون أثرًا لم يصنعوه، لكنهم يغرقون في تبعاته.

تفتتح ريم عبد العزيز هذا المشهد بصوت يملؤه الاغتراب، وهي تصف زحام الميدان الجديد الذي منحها وقتًا كافيًا لتأمل ما تبقى منه، لتكتشف أن يناير بالنسبة لجيلها ليست مكانًا يسهل استعادته، بل هي "طوفان من البشر يسير بخطى ثابتة في مواجهة الرصاص"، مشهد رأوه خلف الزجاج بينما كانوا صغارًا، والآن يجدون أنفسهم "شظايا" حادة ومبعثرة ناتجة عن ذلك الانفجار القديم. إنهم الجيل الذي نبت كـ "شوك" في فراغ تركه انسحاب الكبار، وهم الآن يعيدون تعريف كل شيء، بدءًا من "الوطن" وصولًا إلى "معنى الفعل السياسي" في زمن اللايقين.

"التسييس عبر الصدمة": الطفولة في مربعات الأخبار

لم تدخل السياسة وعي جيل زد عبر الأيديولوجيا أو المناظرات الفكرية، بل دخلت كـ "عطب" في حواس الطفولة واضطراب في أمان البيوت. يتذكر هذا الجيل كيف انقسم العالم فجأة إلى "مربعات أخبار" متلاحقة خلف شاشة التلفاز، في وقت لم يكن فيه لديهم من الأدوات المعرفية ما يفسر لمَ يبكي الكبار أو لمَ يهللون أمام الشاشات.

يستحضر الصحفي الشاب جاسر الضبع صدمته الأولى وهو يراقب قناة "الجزيرة": "سألتُ أمي بفضول الطفل: لمَ الشاشة مكسورة؟". لم تكن الشاشة هي التي انكسرت، بل كان العالم القديم هو الذي يتفتت، لتجيبه أمه بأن الحقيقة في هذا الزمن لا تُرى كاملة إلا بلصق "المشاهد المجتزأة".

من هنا، تشكل وعيهم السياسي كـ "جمع للشظايا"؛ حقيقة مشوشة، وضجيج لا ينتهي، وخوف مستتر يلمع في عيون الآباء الذين لم يملكوا ترف الشرح لصغارهم.

انتقل هذا الوعي سريعًا من "الشاشة" إلى "فناء المدرسة". يسرد جاسر كيف تحولت "الفسحة المدرسية" في قلب مصر الجديدة من لعب "الاستغماية" إلى محاكاة دامية لـ "لعبة ثوار وعسكر". لم تكن مجرد تمثيلية بريئة، بل كانت اشتباكًا حيًا مع واقع يزحف نحوهم ويهدد "الداخل الآمن".

تبلغ الصدمة ذروتها حين تسقط هيبة "المدير" (الذي كان يمثل العرش المصغر في وعيهم) وقوانين المؤسسة التعليمية أمام "قنبلة غاز مسيل للدموع" تخترق أسوار المدرسة لتسقط وسط الفناء. في تلك اللحظة، تعلم جيل زد الدرس السياسي الأول: "السياسة ليست خيارًا ثقافيًا، بل هي تلك القوة الغاشمة التي تكسر زجاج غرفة الأخصائية الاجتماعية وتفسد براءة اللعب".

هذا "التسييس القسري" جعل السياسة في وعيهم ترتبط ارتباطًا عضويًا بـ "الخطر الجسدي" والتروما. لم تكن يناير بالنسبة لهم "عيدًا للحرية" بقدر ما كانت "اضطرابًا في جدول الحصص" وبكاءً مكتومًا في غرف النوم. لقد تشكل وعيهم في "زمن الانكشاف"، حيث سقطت السلطة الأبوية (المدير/ الأب/الرئيس/المؤسسات) مبكرًا، ليس حبًا في التمرد، بل لأن تلك السلطة عجزت عن حماية مساحتهم الخاصة من غبار المعارك التي لم يستشيرهم فيها أحد. هذا الانكشاف المبكر ولد لديهم ما يمكن تسميته "سيكولوجية النجاة"؛ فإذا كان العالم الخارجي (الميدان) مصدرًا للصدمة، فإن السياسة تصبح محاولة مستميتة لحماية "الجسد" و"المجال الشخصي".

إنهم جيل "التروما" التي لم تُعالج، والتي تحولت لاحقًا إلى "واقعية قاسية" ترفض بعضًا مما هو رومانسي أو حالم، وتبحث عن "ميدان جديد" لا يشبه ذلك الذي كسر شاشاتهم وزجاج مدارسهم.

"الواقعية القاسية": من الرومانسية إلى "خطاب المعاش"

تتجلى "الواقعية القاسية" لدى جيل زد في قطيعة معرفية ووجدانية حادة مع "الرومانسية الثورية" التي وسمت لحظة يناير؛ فهي واقعية لا تنبع من زهد في التغيير، بل من معايشة مريرة وتبعات مادية لم ترحم أحدًا.

في صدارة هذا الوعي، يبرز صوت مروان محرز ليصيغ بيان هذا الجيل السياسي؛ فالفشل في نظره ليس حكمًا عاطفيًا أو انحيازًا سياسيًا مضادًا، بل هو "قراءة عملية للنتائج من واقع يومنا".

يطرح مروان تساؤلًا يمثل جوهر الصدمة التي عاشها جيله: "كيف تفضي الثورة التي قامت من أجل العيش والكرامة إلى واقع اقتصادي هو الأشد قسوة في تاريخنا المعاصر؟". هذا التساؤل ليس مجرد نقد للماضي، بل هو إعلان عن سقوط "الأساطير الكبرى" وحلول "المنطق العملي" محلها؛ فالثورة التي لا تُنتج مسارًا مؤسسيًا يحمي مطالب العيش، تتحول في وعيهم إلى "نقطة انكسار" معيشي لا يمكن القفز فوقه بالشعارات.

لقد أعاد هذا الجيل تعريف "السياسة" لتصبح هي "المعاش" نفسه، ومن هنا تنبع قسوتهم في محاكمة "البراءة الحالمة" لجيل يناير.

يرى جيل زد أن جيل الميدان افتقر لـ "النظرية المحكمة" ولأدوات الإدارة، مما جعل حراكهم انفجارًا قويًا بلا رأس أو خريطة طريق. وفي ظل هذا "الانكشاف"، برزت الهجرة في وعي مروان محرز وأقرانه كـ "فعل سياسي صامت"؛ فالرحيل هنا ليس مجرد بحث عن المال، بل هو "تعبير عن علاقة منتهية مع السياسة" وانسحاب عقلاني من مجال عام صودر بالكامل.

إنهم يحلون تناقضات واقعهم بـ "النجاة الفردية"؛ فبما أن "البيت المشترك" لم يجد من يضع حجره الأول ببرنامج عملي، فإن الأولوية تصبح لتأمين "الغرفة الخاصة" أو "تذكرة العبور" نحو آفاق توفر الحد الأدنى من الاستقلال الشخصي.

تكتمل هذه الرؤية بنقد نهال سلامة لـ "الخيال السياسي المنهك" الذي حكم يناير، والذي يراه جيل زد خيالًا ارتهن للصور المعلبة والجهات المانحة بدلًا من الارتكاز على فهم صلب لما يقتل الناس في يومياتهم. هذا الجيل لا يطلب "أيقونات" للعبادة، بل يطالب بـ "دروس الفشل"؛ إنهم يريدون معرفة أين أخطأ الكبار لكي لا يكرروا المأساة بوجوه جديدة.

إن "الواقعية القاسية" هي سلاحهم ضد التوحش النيوليبرالي والذي سحق الطبقة الوسطى التي نبتوا منها؛ فهم يعلمون أن العيش في زمن "اللايقين الجيوسياسي" يتطلب قدمًا ثقيلة على الأرض لا تحليقًا في سماء الأوهام. يناير في وعيهم هي "شرارة القدرة" التي انطفأت بسبب غياب "السياسة كمؤسسة"، ولذلك فهم يبحثون عن "ميدان جديد" تكون قواعده هي الكفاءة، والنتائج، والتغير الملموس واقعيًا، بعيدًا عن "رومانسية الميدان" التي لم تترك لهم سوى الشظايا وغلاء المعيشة والخوف من السلطة.

إنهم يمارسون السياسة بإنكارها، ويستعيدون ذواتهم بالابتعاد عن "المجال العام" الذي لم يعد يمنحهم سوى الشعور باليتم والتهديد الجسدي.

تحويل الشخصي إلى سياسي

في عالم جيل زد، لم تعد السياسة فعلًا يُمارس في الميادين المفتوحة، بل استقرت في "الأجساد" و"المكاتب" و"البيوت"، متحولةً من صراع على شكل الحكم إلى صراع يومي من أجل الحفاظ على المساحات الشخصية من الانتهاك.

يتجلى هذا التحول العميق في شهادة الصحفي الشاب جاسر الضبع، الذي يعيد صياغة مفهوم "المجال العام" من خلال ممارسته المهنية المحفوفة بالمخاطر.

بالنسبة لجاسر، لم تعد السياسة هي الخطابات الكبرى أو المناظرات الحزبية، بل هي ذلك الضغط النفسي والعصبي الذي يجعل من "تصوير ريبورتاج بسيط عن ارتفاع أسعار الخضار" بمثابة "مجازفة غير مأمونة العواقب".

السياسة هنا هي "الثمن" الذي يُدفع من الأمان الشخصي والمهني؛ فعندما تضيق الدولة ذرعًا بسرد الواقع المعاش، يصبح "الصحفي" في مواجهة مباشرة مع سلطة لم يعد يراها ككيان إداري، بل كقوة تدخلية تعيق حركته في الشارع.

هذا "التسييس للشخصي" يمتد ليصل إلى أدق تفاصيل المشاعر والعلاقات الأسرية، حيث تظهر "الأم" في شهادة جاسر كرقيب داخلي يجسد خوف المجتمع من التبعات.

الصراع هنا ليس بين "مواطن ودولة" فحسب، بل هو "خناقة في المطبخ" وقلق مستمر من مكالمة هاتفية تحذر من نشر خبر قد يُفهم كنفَس نقدي.

لقد تغلغل "السياسي" في الجهاز العصبي لهذا الجيل؛ فهو يصارع الرقابة في قلمه، ويصارع في الوقت ذاته "نوبات تشبه الصرع" أو القلق الحاد الذي يصيبه لمجرد رؤية سيارة شرطة تمر بجانبه أو مرور "مخبر" في طريق عمله.
هنا، لم تعد السياسة "رأيًا" يُعتنق، بل أصبحت "غبارًا في الرئة" و"رعشة في اليد"؛ إنها عبء جسدي يُحمل يوميًا، مما دفع هذا الجيل نحو البحث عن "استقلال شخصي" بديل يحميه من هذا الانكشاف.

إن المنطق الذاتي لجيل زد يرى في "الجسد" الميدان الأخير للمواجهة؛ ففي ظل غياب المؤسسات الوسيطة التي تحمي الفرد، وافتقادهم لـ "نظرية" تمنحهم الحماية المعرفية، يجدون أنفسهم يواجهون "التوحش النيوليبرالي" والأمني بجلودهم العارية.

هذا التحول جعلهم يركزون تضامنهم الجماعي حول "قضايا النوع" و"الحقوق الجسدية" و"التحرش"، وهي الميادين التي يشعرون فيها بقدرتهم على انتزاع مكاسب ملموسة بعيدًا عن صراعات السلطة الكبرى التي يرونها "محرقة" للأعمار.

إنهم يحولون معاناتهم المهنية وخوف عائلاتهم وترومات طفولتهم إلى "موقف سياسي" يطالب بالوضوح والاعتراف بالفرد كقيمة مستقلة.

السياسة لديهم تبدأ من "ألم الظهر" الناتج عن ضغوط العمل وتنتهي عند "حدود المقال" الذي يحاولون نشره في فضاء يضيق بالكلمة.

إن بحثهم عن "ميدان جديد" هو في جوهره بحث عن مساحة آمنة لممارسة "الذات" دون خوف من اعتقال أو تهميش، وهو ما يفسر لماذا تبدو مطالبهم "شخصية جدًا" لكنها في عمقها سياسية بامتياز.

"الذوات الجماعية الرقمية": تضامن الشظايا

رغم النزوع الحاد نحو "الفردية" كآلية دفاعية للنجاة في ظل واقع مأزوم، يعيد جيل زد صياغة مفهوم "الفعل الجماعي" من خلال تحوله إلى "ذوات جماعية رقمية" تلتئم في الفضاء الافتراضي كبديل عن الميادين المصادرة.

تصف ريم عبد العزيز هذا الوعي المشترك بأنه هوية تعيش في "متاهات الإنترنت"، حيث تلاشت مساحات الحلم المشترك في الواقع المادي وحل محلها "الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الموبايلات".

السياسة هنا لم تعد تنظيمًا هرميًا أو حزبًا يطالب بالسلطة، بل أصبحت "تضامنًا عابرًا" في هاشتاج، وتحويلًا للصدمات الجماعية المكبوتة إلى "ميمز" (Memes) ساخرة قادرة على تفكيك السلطة المعنوية للخطابات الرسمية وغير الرسمية دون مواجهة مباشرة باهظة التكاليف.

هذه الذوات الجماعية لا تبحث عن "الخلاص الشامل" أو الثورة بمفهومها الكلاسيكي، بل تتحرك كقطع حادة وحية تصفها ريم بأنها "فرادى، ولكن معًا" لمواجهة قضايا نوعية محددة تمس حياتهم اليومية والجسدية.

يبرز هذا المنطق بوضوح في قدرة هذا الجيل على استخدام "السوشيال ميديا" كمنصة للفضاء العام البديل؛ حيث يخوضون معارك ضارية ضد التحرش، والعنف النوعي، والطبقية الثقافية. إنهم يمارسون السياسة بإنكار مسمياتها التقليدية؛ فبينما يهربون من "المواجهة السياسية المباشرة"، يخلقون ضغطًا اجتماعيًا رقميًا قادرًا على انتزاع مكاسب ملموسة في مجالات الحريات الشخصية والخصوصية.

الميدان الجديد هنا ليس مساحة جغرافية، بل هو "شبكة" من العلاقات والمصالح المتقاطعة التي يصعب على السلطة التقليدية احتواؤها بالكامل.

إن المنطق الذاتي لهذا الجيل يحل تناقض "الشظايا" عبر "السيولة الرقمية"؛ فهم "شظايا" مبعثرة لأن "البيت المشترك" (الوطن/ الدولة) لم يوفر لهم سقفًا آمنًا، لكنهم يمتلكون قدرة استثنائية على "التشبيك" حول قضايا المعاش الصغرى ومفاهيم العدالة؛ البيئة والجندرية والاجتماعية/الاقتصادية….

السياسة في وعيهم الرقمي هي انتزاع حق الناس في إدارة شؤونهم بعيدًا عن وصاية المؤسسات التي سقطت هيبتها في أعينهم منذ قنبلة الغاز الأولى في فناء المدرسة.

هذه "الذوات الرقمية" هي محاولة بقاء أخيرة لجيل عُلّق في الهواء، محاولًا أن يتعلم كيف "يُزهر" وسط الشوك النيوليبرالي، مستخدمًا العالم الافتراضي كـ "مختبر" لتجربة أشكال جديدة من التضامن الإنساني الذي يتجاوز الحدود الوطنية والقومية نحو هموم جيلية عالمية تتشابه في قلقها الوجودي وبحثها عن اليقين في زمن انهيار كل شيء وأي شيء.

الصدام مع الأبوية الثورية

تتجلى أعمق جروح جيل زد في شعورهم بـ "اليتم المعرفي" الناتج عن علاقة صدامية مع جيل يناير، الذي يتهمونه بممارسة وصاية استعلائية واحتكار للذاكرة الثورية.

يصرخ سيف الدين أحمد بمرارة متسائلًا: "لماذا تركتموها يتيمة؟"، في إشارة إلى الحالة التي تركت عليها يناير دون توريث حقيقي لأدوات الفعل أو حتى دروس الفشل.

يرى هذا الجيل أن "الثوار القدامى" حولوا الميدان إلى ملكية خاصة، مرسلين رسالة إقصائية للأصغر سنًا مفادها: "أنت كنت طفلًا.. لا تملك حق الكلام في ما لم تعاصره".

هذا الاستبعاد لم يكن مجرد فجوة بين الأجيال، بل تحول في وعي جيل زد إلى "طبقية ثقافية" مقيتة تمنعهم من نيل "حق المواطنة" في الحكاية الوطنية، وتتركهم ورثة للتبعات والديون والترومات دون أن يُسمح لهم بالمشاركة في صياغة السردية.

تهاجم نهى عبير ما تسميه "سرطان الثورة" المتمثل في تلك النخبة التي تكتفي بالاحتماء بجروحها الشخصية ورفض أي نقد لمسارها.

السياسة في وعي جيل زد هي نقد لهذا "الكِبَر" الذي يرى أصحابه أن كلمتهم هي العليا، بينما الأصغر منهم سفهاء لا يفقهون تعقيدات الواقع.
بالنسبة لهذا الجيل، فشل "جيل الميدان" في مأسسة الثورة وتحويلها إلى "برنامج عمل" يحمي الأجيال اللاحقة من طغيان الدولة والتوحش النيوليبرالي، تمامًا كما نجحت الدولة في مأسسة وتوريث "نصر أكتوبر" كإرث للقدرة.

وبدلًا من ذلك، ورث جيل زد يناير كـ "كابوس أمني" ونوبات قلق، دون أن يجد "نظرية" أو "منهجًا" يتكئ عليه في مواجهة الحاضر. إنهم يرفضون الأبوية التي تقدم لهم "أساطير البطولة" بدلًا من "خرائط النجاة"، ويرون في صمت الكبار أو استعلائهم خيانة لمستقبلهم.

الصدام هنا ليس أيديولوجيًا بالمعنى التقليدي، بل هو صراع بين جيل "الأطلال الرومانسية" وجيل يبحث عن "الكفاءة والنظام".

يطالب جاسر الضبع وبقية كتاب الملف جيل يناير بأن "يتنحى جانبًا" لا كمهزوم، بل كمن أدى دوره، ليفسح المجال لرؤية جديدة تسمي الأشياء بمسمياتها المادية بعيدًا عن صراعات الهوية القديمة. إنهم يطالبون بـ "دروس الفشل" بوضوح يمنحهم أرضًا أكثر صلابة؛ فهم لا يريدون "أيقونات" للعبادة في متاحف الذاكرة، بل يريدون "أرضية معرفية" تمكنهم من خوض معاركهم الخاصة في ميادينهم الجديدة.

جوهر يناير في وعيهم هو "كسر حتمية الهزيمة"، لكنهم يدركون أن هذا الكسر يظل ناقصًا ما لم يتحرر من "وصاية الآباء" الذين استهلكوا الزمان والمكان، وتركوا للأبناء مهمة البحث عن "ميدان" لم يلوثه استعلاء "نخبة الأطلال" ولا قمع المؤسسات القديمة.

مستقبل "الميدان الجديد"

يبقى السؤال المركزي الذي يفرضه هذا الملف: أين يقع "الميدان الجديد" الذي يسعى جيل زد لصياغته وسط شظايا يناير وحطام الوعود القديمة؟ وإذا كان التغيير القادم في مصر قدرًا لا مفر منه، فبأي وجه سيحضره هذا الجيل الذي أعلن طلاقه مع الرومانسية الثورية واعتصم بـ "واقعيته القاسية"؟

إن البحث عن ميدان جديد ليس مجرد رغبة في استبدال مكان بآخر، بل هو تساؤل جوهري حول إمكانية بناء "فعل سياسي" يتجاوز شظايا الذات نحو مأسسة الدولة على العدالة.

تضعنا شهادات أبناء هذا الجيل أمام تساؤلات حاسمة ترسم ملامح أي تصورات مستقبلية حول علاقة هذا الجيل بالتغيير:

هل يمكن لـ "تضامن الشظايا" والذوات الرقمية أن يتحول إلى قوة منظمة على الأرض، أم سيبقى رهين "المجال الافتراضي" بشبكات، والهروب نحو الهجرة والنجاة الفردية؟

هل سينجح هذا الجيل في تحويل "دروس الفشل" التي يطالب بها جيل يناير إلى "خريطة طريق" تتجنب الوقوع في فخ "الخيال المنهك"، وتبني تغييرًا يرتكز على النتائج لا على الأيقونات؟

والأهم، هل يمثل تحول "الشخصي إلى سياسي" (التركيز على الجسد والمهنة والحقوق الفردية) مدخلًا لتعاقد اجتماعي جديد ينبع من احتياجات الفرد الحقيقية، أم أنه انسحاب نهائي من "الهم العام" الكلي؟

إن "الميدان الجديد" الذي يبحث عنه جيل زد لن يشبه بالتأكيد ميدان التحرير بصورته النوستالجية، بل سيكون ميدانًا تحكمه "عملية النجاة" وصرامة النتائج. فإذا كان جيل يناير قد كسر "حتمية الصمت"، فإن جيل زد هو المطالب اليوم بكسر "حتمية التشرذم"، ليجعل من شظاياه الحادة حجر أساس في بناء "بيت مشترك" يتسع لأحلامه الشخصية جدًا ولبحثه عن العدالة بمعناها الشامل.

للاطلاع على مزيد من تحليلات الكاتب حول جيل زد وتحولات وعيه وسلوكه.. اضغط هنا

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة