انتخابات المهندسين.. "الاستقلال" بلا منافس وشبح "مايو الأسود" يفرض القلق

مع اقتراب غلق باب الترشح لانتخابات نقابة المهندسين لدورة 2026 - 2030، والمقرر له الأحد 25 يناير الجاري، يتصدر "تيار الاستقلال" المشهد الظاهري للسباق على مقعد النقيب، ممثلًا في الدكتور محمد عبد الغني والمهندس خالد المهدي، في حين لم تقدم التيارات الأخرى حتى اللحظة أسماءً ثقيلة قادرة على خوض مواجهة مباشرة.

ورغم هذا التصدر، فإن القلق هو "سيد الموقف" داخل أروقة النقابة، وسط مخاوف متزايدة من سيناريو اللحظات الأخيرة: الدفع بمرشح مدعوم من الدولة لقلب الطاولة.

انسحاب "عثمان".. هل يمهد لمرشح الضرورة؟

شرارة هذا القلق انطلقت مع إعلان المهندس أحمد عثمان، المرشح على منصب النقيب، اعتذاره المفاجئ عن خوض السباق. وهو الانسحاب الذي أثار تساؤلات حادة داخل الجمعية العمومية بشأن توقيته ودلالاته، وأعاد للأذهان فورًا سيناريو الدورة الانتخابية السابقة، حين انسحب "عثمان" نفسه من المنافسة لصالح المهندس هاني ضاحي، الذي كان يُنظر إليه حينها باعتباره "مرشح الدولة".

هذا "الديجافو" دفع بعض المرشحين والأعضاء للتساؤل: هل يحمل الانسحاب الحالي دلالات مشابهة؟ وهل يُمهّد لإعادة إنتاج المشهد نفسه عبر إخلاء الساحة لمرشح آخر؟

الإجابة قد تكون في ما كشفته مصادر - طلبت عدم ذكر اسمها - أكدت أن المهندس هاني ضاحي، وزير النقل الأسبق، يُجري خلال الفترة الأخيرة سلسلة اتصالات مكثفة مع عدد من أعضاء النقابات الفرعية. وبحسب المصادر، تهدف هذه التحركات لاستطلاع موقفهم وقياس حجم التأييد المحتمل وقدرته على حشد الأصوات في حال قرر خوض المعركة.

"مستقبل وطن".. استراتيجية "الزحف من الأطراف"

المهندس حاتم عمران
المهندس حاتم عمران

بعيدًا عن ضبابية مقعد النقيب العام، تظهر المؤشرات الأولية أن حزب "مستقبل وطن" يلعب هذه المرة باستراتيجية مغايرة، حيث لا يركز جهوده على رأس الهرم (النقيب العام)، بقدر تركيزه الشرس على "القواعد"، عبر دعم مرشحين في الانتخابات الفرعية بالمحافظات.

الناشط النقابي المهندس حاتم عمران، يرى في حديثه لـ فَكّر تاني أن الحزب "تعلم من التجارب السابقة"، حيث أيقن أن أكبر تأثير يمكن تحقيقه داخل النقابة يكون عبر الفروع باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في اتخاذ القرارات بالمجلس العام، وهو ما دفعه للتركيز على هذه الساحة بدلًا من التمسك بمنصب النقيب العام.

يرى "عمران" أن الصدامات التي شهدتها النقابة مؤخرًا، والاتهامات الموجهة لبعض المحسوبين على الحزب بمحاولة السيطرة على اللجنة المشرفة، إضافةً لمحاولات تصفية الحسابات ضد النقيب الحالي طارق النبراوي التي رفضتها الجمعية العمومية، جعلت احتمالات فوز أي مرشح للحزب بمنصب النقيب "ضعيفة"، لذا فضل الحزب تعزيز نفوذه في الفروع.

طارق النبراوي
طارق النبراوي

خريطة مرشحي الحزب في المحافظات

تطبيقًا لهذه الخطة، يخوض رؤساء النقابات الفرعية المحسوبون على الحزب السباق مجددًا، وعلى رأسهم: المهندس أشرف فرحان (منافسًا على نقيب المنوفية)، والمهندس جمال عبد الواحد (نقيب الفيوم)، والمهندس حمدي الخولي (نقيب البحيرة).

كما تم الدفع بالمهندس رضا الشافعي، عضو مجلس الشيوخ السابق، للمنافسة على نقيب الدقهلية، وفي كفر الشيخ يخوض السباق المهندس محمد ربيع، الأمين العام السابق بالمحافظة.

ذاكرة "مايو الأسود".. ما يخشاه الجميع

تأتي مشاركة حزب "مستقبل وطن" في الانتخابات الحالية - ولو عبر الفروع - محملة بعبء ثقيل وخلفية جدلية لا تزال حية في الأذهان، تعود إلى أحداث الجمعية العمومية غير العادية في 30 مايو 2023، التي خُصصت حينها للتصويت على سحب الثقة من النقيب طارق النبراوي.

ذلك اليوم، الذي شهد حالة من الفوضى العارمة داخل القاعة عقب انتهاء التصويت، لا يزال يلقي بظلاله على المشهد.

فخلال تلك الواقعة، وجه النقيب وعدد من الأعضاء أصابع الاتهام لأشخاص محسوبين على "مستقبل وطن" باقتحام القاعة، إتلاف صناديق الاقتراع، وتعطيل إعلان النتائج. ورغم أن الحزب نفى هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا في بيان رسمي حينها - مؤكدًا أن وجود أي من أعضائه كان بصفتهم المهنية لا الحزبية، وأن الحزب لا يتدخل في شؤون العمل النقابي - إلا أن "أثر الفراشة" لتلك الأحداث لا يزال يحكم حسابات الناخبين والمرشحين اليوم.

المهدي عن مرشح الدولة: "لن نلدغ من الجحر مرتين"

من خندق "تيار الاستقلال"، يرفع المرشحون راية "الجاهزية" لأي سيناريو. المهندس خالد المهدي، المرشح على منصب النقيب، يؤكد في حديثه لـ فَكّر تاني، أنه "في حال الدفع بمرشح محسوب على الدولة في اللحظات الأخيرة، فإنه مستعد لخوض المواجهة كاملة دفاعاً عن استقلال النقابة".

المهندس خالد المهدي
المهندس خالد المهدي

المهدي يعتبر أن ما شهدته الدورتان الماضيتان من مفاجآت "لم يعد مقبولًا"، مشيرًا إلى ظاهرة "الحشد المنظم" لمهندسين تابعين لشركات بعينها، ونقلهم للتصويت بشكل جماعي، مؤكدًا رفضه القاطع لتكرار هذا المشهد مرة أخرى.

وفي قراءة متفائلة لوعي الناخبين، يرى المهدي أن أعضاء الجمعية العمومية "كسروا قاعدة التوجيه" منذ 30 مايو 2023، مشددًا على أن الإرادة الحرة التي حافظت على استقلال النقابة في تلك الموقعة، هي نفسها التي ستفرض كلمتها في هذه الدورة، وأن المشاركة الواسعة هي الضمان الوحيد لحماية إرادة المهندسين من أي محاولات للالتفاف عليها.

قوائم كاملة ونقد لـ "عهد ضاحي"

المهندس هاني ضاحي وزير النقل الأسبق
المهندس هاني ضاحي وزير النقل الأسبق

وانطلاقًا من قناعته بأن المعركة لا تقتصر على "الرأس" فقط، يوضح المهدي أنه يعمل على تجهيز "قائمة انتخابية متكاملة"، لضمان فوز عدد من الأعضاء المكملين للمجلس المحسوبين على تيار الاستقلال.

يستند المهدي في استراتيجيته إلى دروس الماضي، لافتًا إلى أن تجارب سابقة كشفت عن "غياب فعلي" لبعض أعضاء المجلس عن العمل النقابي. ويستشهد بفترة تولي هاني ضاحي منصب النقيب، قائلًا: "هناك أعضاء فكروا في سحب الثقة من النقيب لم يكن لهم حضور يُذكر.. بل إنه في فترات سابقة، كان من الصعب على أعضاء بالمجلس أنفسهم الوصول للنقيب هاني ضاحي، فما بالنا لو حاول مهندس من الجمعية العمومية التواصل معه؟".

عبد الغني: خطوط حمراء و 200 مليون للصحة

على الجانب الآخر من تيار الاستقلال، يطرح الدكتور محمد عبد الغني، المرشح على منصب النقيب، رؤية تركز على "إعادة بناء البيت من الداخل".

ويؤكد عبد الغني، لـ فَكّر تاني، أن النقابة واجهت تحديات أثرت على قدرتها، وتحتاج الآن لرؤية شاملة تعيد لها دورها المهني والخدمي بعيدًا عن الخلافات. وهو يضع "حماية المهندس" كأولوية قصوى، معتبرًا أن حماية العضو من المساءلة القانونية والإدارة التعسفية أثناء عمله "خط أحمر"، ويجب تفعيل دور النقابة كظهير قانوني لكل أعضائها ليشعر المهندس أنه "مسنود".

وفي لغة الأرقام، يكشف عبد الغني عن عزمه ضخ 200 مليون جنيه لدعم منظومة الرعاية الصحية، ورفع سقف التغطية العلاجية إلى 100 ألف جنيه، مع إتاحة "كارت طوارئ فوري".

أما في ملف المعاشات، فيشير إلى سعيه لوضع "رؤية تشريعية" تضمن زيادات عادلة ومستدامة، باعتبار تحسين الأوضاع المالية حقًا أصيلًا.

الشفافية وقسم "الأصول"

ويتطرق عبد الغني لملف "ثروة المهندسين"، فيوضح أن النقابة تمتلك أصولًا واستثمارات ضخمة لكنها تفتقر للإدارة الرشيدة. ويقطع على نفسه وعدًا قاطعًا بعدم التصرف في أي من أصول النقابة أو استثماراتها - سواء بالبيع أو التنازل - إلا بعد الرجوع للجمعية العمومية، صاحبة الحق الأصيل، مشددًا على أن "الشفافية المطلقة" ستكون المبدأ الحاكم.

وفي ظل استمرار فتح باب الترشح، تظل كل الاحتمالات واردة، وتبقى خريطة المنافسة مفتوحة على مصراعيها في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة من تحركات قد تعيد تشكيل المشهد برمته.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة