اشتعلت إيران على مدار أسبوعين باحتجاجات عنيفة هي الأولى من نوعها، مدفوعة بوقود غضب شعبي تخطى مطالب "رغيف الخبز" ليتحول إلى معركة وجودية مفتوحة ضد رأس النظام، وسط ترقب دولي لما قد تؤول إليه هذه العاصفة على رقعة شطرنج معقدة، باتت أحجارها تتساقط تباعًا في انتظار سقوط "المرشد".
"زوجزوانج".. نزيف الحركات الإجبارية
وجد النظام نفسه في وضعية "زوجزوانج" السياسية - حيث تؤدي أي حركة إلى تدهور الموقف - فمع انطلاق الاحتجاجات، تكشف البيانات الميدانية عن فاتورة دم باهظة لهذه الانتفاضة التي عمت 574 موقعًا في 185 مدينة بمحافظات البلاد الـ 31 بلا استثناء، وفق وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "HRANA"، التي تعمل من الولايات المتحدة، موثقةً سقوط 544 قتيلًا حتى أمس الأحد، بينهم 490 متظاهرًا، إلى جانب اعتقال ما يزيد على 10 آلاف و600 شخص في حملة قمع غير مسبوقة.
وفي مؤشر على ضراوة المواجهات التي يحاول النظام حجبها عبر "تعتيم إلكتروني"، أكدت منظمة "NetBlocks" خفض اتصال إيران بالعالم إلى 1% فقط بعد انقطاع دام 60 ساعة.
وفي المقابل، اعترفت وكالة "تسنيم" شبه الرسمية بمقتل 109 من عناصر الأمن، واصفةً إياهم بضحايا "الشغب".
هذا الاستنزاف الأمني دفع النظام، للمرة الأولى منذ سنوات، إلى نشر "القوات البرية للحرس الثوري" في محافظات الغرب، في إقرار ضمني بعجز قوات الشرطة والباسيج (قوة شبه عسكرية تتبع الحرس الثوري) عن احتواء ما بات يبدو كتمرد عنيف وليس مجرد احتجاجات مدنية.
وقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن صدمته إزاء تقارير تفيد باستخدام السلطات الإيرانية العنف والقوة المفرطة ضد متظاهرين في عدة مناطق، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، داعيًا إلى احترام الحقوق الأساسية في حرية التعبير والتجمع السلمي وفق القانون الدولي.
كما حثّ طهران على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن استخدام القوة غير الضرورية أو غير المتناسبة، واتخاذ خطوات تضمن حرية الوصول إلى المعلومات، بما في ذلك استعادة الاتصالات داخل البلاد.

هجوم البيادق.. انقلاب الرقعة من الداخل
لم تكن شرارة اليوم الأول في 28 ديسمبر الماضي سوى رأس جبل الجليد لأزمة اقتصادية طاحنة، سرعان ما تحولت إلى "انقلاب مفاهيمي" في شعارات الشارع؛ فبينما كان التضخم يقفز إلى مستويات قياسية انعكست في ارتفاع جنوني لأسعار الغذاء بنسبة 72%، وانهيار العملة المحلية "الريال" ليصل إلى 1.42 مليون مقابل الدولار الأمريكي، وصل المتظاهرون إلى مستوى فقدان الثقة في أن الحلول الاقتصادية ممكنة في ظل البنية السياسية القائمة.
وكان المتغير الأخطر - الذي يشبه تقدم البيادق لتهديد القطع الكبرى - هو انطلاق الحراك من "السوق الكبير" في طهران - العصب الاقتصادي التاريخي ومؤشر استقرار الحكم - عبر إضرابات منسقة شملت أصحاب الأعمال، سارت بالتوازي مع حراك عمالي نوعي قاده عمال قطاع البترول في مجمعات "بارس الجنوبية".
شكل هذا التحالف غير المسبوق بين "الشارع الجائع" و"السوق الغاضب" و"الطبقة العاملة" طوقًا خانقًا للنظام، تجاوز مرحلة الهتاف السلمي إلى استهداف رموز السلطة مباشرة، حيث وثقت تقارير إعلامية إضرام النار بمبنى تابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون (IRIB) وحرق صور المرشد علي خامنئي في الساحات العامة.
كما كشفت تقارير "معهد دراسات الحرب" (ISW) عن تصدعات مقلقة في الجدار الأمني للنظام؛ إذ سجلت حالات "انسحاب تكتيكي" لقوات الأمن في مدن مثل "إسلام آباد غرب" بعد اشتباكات عنيفة عجزت فيها عن صد المحتجين.
وقد أشار المعهد إلى أن هذا يعكس أزمة كبيرة في قدرة أجهزة الشرطة المنهكة على احتواء الشارع، مما اضطر النظام للاعتماد العلني والمتزايد على الحرس الثوري لسد الثغرات، بالتزامن مع انهيار الثقة في النظام المصرفي وحدوث عمليات "سحب جماعي" للأموال من بنك "ملي"، وهو ما حوّل الأزمة من تحدٍ أمني بحت إلى نزيف اقتصادي يهدد بشلل الدولة.

سقوط القلعة اللاتينية.. الملك مكشوف
خارجيًا، فقدت طهران إحدى أهم قلاعها الحامية؛ إذ لم يأتِ انهيار النظام الفنزويلي في 3 يناير الجاري كحدث عابر، وإنما "ضربة قاصمة" لاستراتيجية البقاء الإيرانية. فمع خروج نيكولاس مادورو من المشهد، فقدت طهران شريكها الاقتصادي والعسكري الأهم في نصف الكرة الغربي، وخسرت قناة حيوية كانت تستخدمها لغسل الأموال والالتفاف على العقوبات عبر مقايضة "الذهب مقابل الوقود".
تشير التقديرات إلى أن هذا السقوط يعرض استثمارات وديونًا إيرانية تتجاوز مليارات الدولارات لخطر الشطب، ما يضاعف الضغط على الخزينة الخاوية أصلًا ويسرع وتيرة الانهيار الداخلي. وقد وصفت شبكة "يورو نيوز" هذه العلاقة بأنها كانت "صفقة بقاء متبادل"؛ حيث يحصل نظام مادورو على شريان إنقاذ تقني، بينما تكسب إيران موطئ قدم استراتيجي قرب السواحل الأمريكية.
وعلى المستوى المالي، وثقت مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) كيف كانت فنزويلا تعمل كـ "محطة تبييض" كبرى ضمن "تحالف العقوبات المضادة"، عبر مقايضة النفط الإيراني الثقيل بالذهب الفنزويلي لتوفير السيولة النقدية. وبحسب تقديرات مركز "Special Eurasia"، فإن خسارة هذا المنفذ ستجبر طهران على البحث عن مسارات تهريب أكثر كلفة ومخاطرة في آسيا وإفريقيا، ما يجعل شبكاتها المالية مكشوفة استخباراتيًا أمام الغرب أكثر من أي وقت مضى.

اقرأ أيضًا: قطع رئة إيران ونزع أجهزة إنعاش كوبا.. من التالي بعد مادورو؟
واشنطن والتلويح بالنقلة القاتلة
وفي تحول ينذر بقرب مرحلة "نهاية اللعب"، كسر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حاجز الصمت في ساعة مبكرة من صباح اليوم الإثنين. ومن على متن الطائرة الرئاسية، صرّح للصحفيين ردًا على سؤال عما إذا كانت طهران قد تجاوزت "الخط الأحمر" بقتل المتظاهرين، قائلًا بوضوح: "يبدو أنهم بدؤوا يفعلون ذلك". وأضاف في نبرة تصعيدية: "نتابع الأمر بجدية بالغة، والجيش يتابعه، ونحن ندرس بعض الخيارات القوية جدًا.. سنتخذ قرارًا".
هذا التصريح لم يكن مجرد تهديد عابر؛ إذ كشف مسؤول في البيت الأبيض أن ترمب يدرس بجدية "تفويضًا لشن هجوم عسكري" قد يطال مواقع مدنية إلى جانب الأهداف العسكرية.
ولترجمة هذه النوايا إلى خطط، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أن "ساعة الصفر" للمداولات الحاسمة ستكون يوم غدٍ الثلاثاء، حيث سيتلقى الرئيس إحاطة شاملة بحضور كبار مسؤولي الإدارة لمناقشة "قائمة أهداف" محددة.
وتشمل الخيارات المطروحة - وفق الصحيفة - توجيه ضربات إلكترونية سرية ضد البنية التحتية للنظام، وتعزيز المصادر المناهضة للحكومة على الإنترنت، وصولًا إلى إرسال محطات لخدمة "ستارلينك" لكسر الحصار الرقمي، وفرض حزم عقوبات إضافية، وانتهاءً بالخيار الأصعب: شن ضربات عسكرية مباشرة.
ورغم هذه الأجواء الحربية، نبهت "وول ستريت جورنال" إلى أنه من غير المتوقع صدور "القرار النهائي" في اجتماع الغد، نظرًا لأن المداولات لا تزال في مراحلها الأولى، ولوجود مخاوف لدى بعض المسؤولين من أن يصب التدخل الخارجي في مصلحة دعاية النظام. وهو ما أكده موقع "بوليتيكو" الذي نقل عن مسؤول أمريكي أنه "لا تحركات كبيرة قيد الإعداد للقوات في الوقت الراهن"، لكنه استدرك بأن "نافذة اتخاذ القرار ضيقة والشعب غاضب".

"جامبيت" الانقسام.. شاه يتمنى العودة
داخل أروقة السياسة الأمريكية، أثار "الخيار العسكري" انقسامًا تكتيكيًا حادًا؛ فالسناتور الجمهوري ليندسي جراهام، المعروف بتشدده، دعا عبر قناة "فوكس نيوز" إلى تبني نهج "قطع الرأس"، موجهًا رسالة مباشرة لترمب: "لو كنت مكانك يا سيادة الرئيس لقتلت القيادة التي تقتل الشعب.. عليك أن تضع حدًا لهذا الأمر"، مطالبًا بتشجيع المتظاهرين و"إرهاب النظام".
وفي المقابل، شكك مشرعون من الحزبين في جدوى هذا المسار؛ إذ تساءل السناتور الجمهوري راند بول في مقابلة تلفزيونية اليوم الأحد: "لا أعرف هل سيُحدث قصف إيران التأثير المقصود؟".
واتفق معه السناتور الديمقراطي مارك وارنر، الذي حذر من أن الهجوم العسكري قد يمنح النظام "طوق نجاة" عبر توحيد الجبهة الداخلية ضد "العدو الأمريكي"، مستعيدًا درس التاريخ حين أدت الإطاحة بحكومة مصدق عام 1953 بدعم أمريكي إلى سلسلة أحداث انتهت بصعود النظام الحالي.
ووسط هذا الجدل، طرح رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير، نفسه كبديل جاهز للقيادة، معلنًا عبر "فوكس نيوز" استعداده للعودة فورًا لقيادة مرحلة انتقالية، مؤكدًا: "أخطط لذلك الأمر بالفعل.. مهمتي هي قيادة هذا الانتقال للتأكد من عدم إغفال أي جانب، وإتاحة فرصة للشعب لاختيار قادتهم بحرية".

إسرائيل.. التربص بـ"القطع المعلقة"
على الجانب الآخر من الرقعة، تعيش تل أبيب حالة "تأهب قصوى" تحسبًا لقنص "القطع المعلقة" مع أي تدخل أمريكي محتمل. ووفقًا لما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر إسرائيلية، فإن المستوى السياسي في إسرائيل بدا متحفزًا؛ حيث كشف مصدر إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ناقش هاتفيًا، أول من أمس السبت، مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو "إمكانية التدخل الأمريكي".
وصرح نتنياهو علنًا بأن إسرائيل تراقب التطورات عن كثب، معربًا عن أمله في أن "تتحرر البلاد قريبًا من الاستبداد".
وفي خطوة دعائية موازية، نشر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم الإثنين، مقطعًا مصورًا على منصة "إكس" يعلن فيه دعم "نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية"، مشددًا على رسالة فصل المسارات: "لا يربطنا أي عداء بالشعب الإيراني.. مشكلتنا الكبيرة هي مع النظام الذي يُعد المصدر الأول للإرهاب".
لكن هذا الاندفاع السياسي اصطدم بتقديرات أمنية أكثر حذرًا؛ إذ كشفت "القناة 13" الإسرائيلية أن الأجهزة الأمنية رفعت توصية للقيادة السياسية بـ"عدم التدخل" المباشر في الأحداث، انطلاقًا من رؤية مفادها أن أي بصمة إسرائيلية واضحة "ستخرّب مسار الاحتجاجات" وتمنح النظام ذريعة لقمعها، فيما أشارت "القناة 12" إلى أن أي خطوة إسرائيلية مستقبلية لن تكون منفردة، بل ستتم بالتنسيق الكامل مع واشنطن.

"تبييت" الملك بورقة "المؤامرة"
وفي مناورة "تبييت"، أعلنت منظمة استخبارات الحرس الثوري، السبت، في بيان رسمي نقلته وكالة "تسنيم"، القبض على ما وصفته بـ "جاسوس إسرائيلي أجنبي". واتهم البيان جهاز المخابرات الإسرائيلي - الذي استخدمت الوكالة في وصفه عبارة "العدو الصهيوني القاتل للأطفال" - بإرسال هذا العنصر إلى داخل البلاد "ضمن خطة مسبقة وتحت ستار مناسب لجمع المعلومات وتقييم الوضع تمهيدًا لتنفيذ أعمال إرهابية"، مؤكدةً العثور على "وثائق دامغة" في مقر اختفائه تثبت عمالته، بالتزامن مع دعوات للمواطنين للإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة.
وعلى المسار السياسي، عزز الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه السردية، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل صراحة بإرسال "إرهابيين" لزعزعة استقرار البلاد ودعم "المخربين"، وهي اتهامات لحقت بدولة الاحتلال أيضًا في حرب الـ 12 يومًا، خلال يونيو الماضي.
وفي حوار تلفزيوني بُثت مقتطفات منه الأحد، استشهد بزشكيان بواقعة محددة للتدليل على وجود "أيادٍ خفية"، متسائلًا عن حريق سوق مدينة "رشت" بمحافظة غيلان: "هل يستطيع شخص بسيط أن يضرم النار في كافة محلات السوق دفعة واحدة؟". وخلص إلى أن هذه الأفعال لا تصدر إلا عن "عناصر مدربة"، موجهًا تحذيرًا اجتماعيًا للآباء بضرورة "إبعاد أبنائهم عن تلك المجموعات".
ورغم اللهجة الأمنية الحادة، حاول بزشكيان فتح مسار موازٍ للاحتواء؛ إذ أكد أن من واجب الحكومة "الاستماع للمحتجين وحل مشاكلهم"، كاشفًا عن عقده اجتماعات فردية ومباشرة مع أصحاب الأعمال المعترضين داخل مكتب الرئاسة ومجلس الوزراء، في محاولة لفصل "السوق" عن "الشارع".
وبالتزامن مع هذه التحركات، أعلنت وكالة "تسنيم" عن تنظيم مسيرات كبرى ظهر اليوم الإثنين في "ساحة الثورة الإسلامية" وسط طهران وكافة المحافظات، دعت فيها من وصفتهم بـ"عائلات قتلى الأحداث الأخيرة" من القوات الأمنية للمشاركة، في مشهد يحاول النظام من خلاله التغطية مقاومة عزلته المتزايدة؛ فهو يقاتل وحيدًا بلا ظهير "فنزويلي" يموله، وأمام رئيس أمريكي يلوح بـ "الضربة القاضية"، وشعب غاضب يصر على البقاء في الشوارع، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح "تكتيك الحشد" هذه المرة، أم أن طهران باتت بالفعل في وضعية "كش ملك"؟