فجر السبت، نفذت القوات الأمريكية غارات عنيفة على العاصمة الفنزويلية كاراكاس، تحت غطاء عملية أطلقت عليها اسم “العزم المطلق”، معلنةً أن هدفها المباشر هو “اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو” لمحاكمته في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بتجارة المخدرات. ورغم أن هذا التبرير الجنائي هو الذي سُوّق في البيانات الرسمية الأولية، إلا أن القراءة المتأنية للحدث تكشف أن هذه العملية تتجاوز في جوهرها الاستراتيجي حدود العمل العسكري المحدود، لتكون بمثابة تدشين دموي وصريح لما بات يصفه مراقبون ودبلوماسيون بـ “عقيدة ترمب 2.0”.
في تحول دراماتيكي خاطف، انتقلت واشنطن من نظريات “احتواء الأنظمة المارقة” التي سادت لعقود في أروقة الخارجية الأمريكية، إلى استراتيجية “الاستئصال الجراحي” المباشر. هذا التحول أعاد إلى الأذهان فورًا أشباح “مبدأ مونرو” (Monroe Doctrine)، الذي يتعامل مع نصف الكرة الغربي باعتباره “الحديقة الخلفية” الحصرية لواشنطن، ولكن هذه المرة بنسخة منقحة تتسم بفتك أشد وسرعة أكبر، مدعومة بجرأة غير مسبوقة على استخدام القوة الصلبة وتجاوز الحدود السيادية.

ولم تتوقف أصداء هذه الرسالة النارية التي انطلقت من قصر “ميرافلوريس” المحترق عند حدود الكاريبي الدافئة، بل ترددت بقوة وعنف في عواصم بعيدة وتعيش قلقًا مشابهًا مثل هافانا، وطهران، وموسكو، وربما بكين؛ معلنةً بوضوح نهاية حقبة “الحصانة السياسية” القائمة على مبدأ السيادة، وبداية عصر جديد شعاره العملي أن “القوة هي القانون”.
في قراءة تحليلية لهذا المشهد، يرى معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول (Quincy Institute) أننا أمام منعطف خطير في العقيدة الأمريكية؛ حيث استبدلت واشنطن أدوات الضغط التقليدية (كالعقوبات والعزلة الدبلوماسية) بنهج “الإكراه العسكري الفج”، متجاوزةً بذلك كافة الخطوط الحمراء الدبلوماسية والقانونية التي نظمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ينظر المعهد، المعروف بنقده للتدخلات العسكرية، إلى ما حدث باعتباره “كارثة عملية وخطًأ مبدئيًا” يعيد الولايات المتحدة إلى أسوأ عاداتها التدخلية في أمريكا اللاتينية. ويحذر من أن نشوة النصر السريع والسهل في كاراكاس قد تغري الإدارة الأمريكية الحالية باستنساخ السيناريو ذاته في بؤر توتر أخرى، وهو ما ينذر بإشعال “فوضى إقليمية ودولية” واسعة النطاق قد يستحيل السيطرة عليها لاحقًا.
هذا “الإكراه الفج” ليس رد فعل عشوائيًا أو وليد لحظة غضب رئاسي، كما يفكك خبراء مركز “بوليسي سنتر” (Policy Center for the New South)، بل هو تطبيق حرفي وممنهج لما ورد في “استراتيجية الأمن القومي 2025”.
يربط تحليل المركز بين الحشد العسكري البحري والجوي غير المسبوق في الكاريبي، الذي سبق العملية بأسابيع، وبين خطة استراتيجية طويلة الأمد تهدف لاستعادة “الحديقة الخلفية” بالكامل وتطهيرها من أي نفوذ أجنبي.
وبهذا المعنى الجيوسياسي، لا تُعد فنزويلا الهدف النهائي في حد ذاتها، بل هي “نقطة ارتكاز” ضرورية ستنطلق منها واشنطن لتفكيك ما تبقى من “الأنظمة المعادية” في المحيط – تحديدًا كوبا ونيكاراجوا – لقطع أذرع القوى الدولية المنافسة (وتحديدًا الصين وإيران) التي تمددت في الفراغ الذي خلفته أمريكا خلال السنوات الماضية.
وعلى مستوى أوسع وأكثر شمولية، تلتقط صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية البعد الأخطر للعملية، معتبرةً إياها “ضربة قاصمة” للنظام الدولي القائم على القواعد (Rules-Based Order).
تنقل الصحيفة مخاوف عميقة لدبلوماسيين أوروبيين يرون أن واشنطن بقرارها هذا وضعت نفسها بوضوح “فوق القانون الدولي”، مما يخلق سابقة خطيرة جدًا قد تستغلها قوى عظمى أخرى – مثل روسيا في أوكرانيا أو الصين في تايوان – لتبرير تدخلات مماثلة في محيطها الحيوي تحت ذريعة “حماية الأمن القومي” أو “مكافحة الجريمة”.
وهذا السيناريو – وفق توصيف الصحيفة – يدخل العالم رسميًا في مرحلة “شريعة الغاب” حيث البقاء للأقوى فقط.
إيران و”الرئة المقطوعة”
لعل طهران هي العاصمة التي تلقت الرسالة الأقسى والأكثر رعبًا من أحداث كاراكاس. فعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، لم تكن فنزويلا مجرد “صديق” في أمريكا اللاتينية، بل تحولت تدريجيًا إلى “رئة استراتيجية” تتنفس منها الجمهورية الإسلامية المحاصرة، وبوابة حيوية للإفلات من طوق العقوبات الأمريكي؛ وقد أُغلقت هذه البوابة الآن وبشكل عنيف.
يصف تحليل موسع نشرته شبكة يورو نيوز (Euronews) هذه العلاقة المعقدة بين طهران وكراكاس بأنها كانت “صفقة بقاء متبادل”؛ حيث يحصل نظام مادورو على شريان إنقاذ اقتصادي وتقني (وقود، وتكنولوجيا، وإصلاح مصافي)، بينما تكسب إيران في المقابل موطئ قدم نادر واستراتيجي على بعد ساعات طيران قليلة من سواحل فلوريدا الأمريكية.
ويؤكد التحليل أن سقوط مادورو يمثل “ضربة مزدوجة” قاصمة لطهران؛ إذ خسرت حليفًا سياسيًا صلبًا يوفر لها الغطاء الشرعي، وفقدت منصة عمليات اقتصادية وأمنية حيوية في آن واحد.
هذا الانكشاف المفاجئ يؤكده أيضًا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في تحليل سابق، رأى في السقوط الدراماتيكي لمادورو “نافذة ذهبية” لوقف التمدد الإيراني في نصف الكرة الغربي.
ويوضح المعهد الإسرائيلي – القريب من دوائر صنع القرار في حكومة نتنياهو – بالتفصيل كيف استخدمت طهران فنزويلا كبوابة رئيسية لاختراق القارة اللاتينية عبر تسيير الرحلات الجوية المباشرة (التي كانت تثير ريبة واشنطن دائمًا) وتأسيس واجهات تجارية ومالية معقدة. ويضيف أن إغلاق هذه البوابة الآن يعني عمليًا عزل إيران تمامًا عن الفناء الخلفي للولايات المتحدة، وإجبارها على الانكفاء القسري داخل حدودها الإقليمية.
وإذا انتقلنا إلى المستوى الاقتصادي، تبدو الأمور أكثر تعقيدًا وخطورة بالنسبة لطهران. فبحسب توصيف مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، فنزويلا تعمل كـ “محطة تبييض” كبرى للالتفاف على العقوبات الغربية عبر ما أسمته المؤسسة “تحالف العقوبات المضادة”.

توثق المؤسسة آليات هذا التحالف، فتذكر عمليات مقايضة واسعة النطاق للنفط الإيراني الثقيل بالذهب الفنزويلي وموارد طبيعية أخرى، مما سمح لإيران ببيع نفطها في الأسواق العالمية تحت أعلام وسجلات مختلفة، وتوفير سيولة نقدية حيوية للنظام.
هذا المسار المالي الخلفي بات الآن مهددًا بالانهيار التام، بل وتواجه طهران خطر السيطرة الأمريكية المباشرة على وثائقه وأرشيفه السري في كاراكاس.
ونتيجة لخسارة هذا المنفذ الآمن، ستجبر طهران على البحث عن بدائل وسلوك مسارات تهريب أكثر كلفة وتعقيدًا وخطورة في آسيا وإفريقيا، وهو ما يرفع فاتورة المخاطر ويجعل شبكاتها المالية مكشوفة استخباراتيًا أمام الغرب أكثر من أي وقت مضى، وفقًا لتقديرات مركز Special Eurasia المتخصص في الاستخبارات الجيوسياسية وتحليل المخاطر الدولية.
شارع يغلي و”نموذج الهروب” يسقط
ولم يكن توقيت الضربة في كاراكاس عبثيًا أو معزولًا عن السياق الداخلي في طهران؛ ففي الوقت الذي كانت فيه طهران تفقد “رئتها” الاقتصادية في فنزويلا، كان الشارع الإيراني يدخل مرحلة جديدة وخطيرة من الغليان.
وامتد نطاق الاحتجاجات الشعبية ليشمل العديد من المدن، مدفوعة هذه المرة برسائل دعم علنية ومباشرة من الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يبدو أنه ينسق ضغوطه الخارجية مع حراك الداخل لإحكام الطوق.
هذا الانفجار الداخلي المتزامـن مع السقوط الخارجي لا يُقرأ من قبل المراقبين المحليين والأجانب كحدث عرضي؛ فالاحتجاجات التي اندلعت بسبب أزمة معيشية خانقة وانهيار سُبل العيش اليومية، ليست وليدة “صدمة مفاجئة”، بل هي النتيجة الحتمية لتراكم طويل الأمد من الضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار المزمن، والتآكل التدريجي لثقة الجمهور الذي كان يتوقع هذه اللحظة عاجلًا أم آجلًا.
وما يزيد من خطورة الموقف هو أن فقدان المنفذ الفنزويلي (الذي كان يرفد الخزينة بالسيولة) سيفاقم من مسببات الغضب الحالية: التضخم المزمن، والانخفاض المستمر في قيمة العملة، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية. كما أن السخط الاجتماعي لم يعد يقتصر على الفقر، بل بات يتغذى على شعور عام بوجود “فساد هيكلي” وتعمق مرعب للفجوة الطبقية، وهي فجوة لا تظهر فقط في تفاوت الدخول، بل في التناقض الصارخ بين نمط حياة النخبة وخطابها الرسمي التقشفي الموجه للمواطنين.
وبذلك، تجد طهران نفسها محاصرة بين فكي كماشة: “حصار خارجي” يقطع شريانها الاقتصادي في أمريكا اللاتينية، و”غضب داخلي” يتصاعد مع كل دولار تفقده الخزينة العامة، مما يجعل الانهيار المتزامن للتحالف الاستراتيجي في الخارج والاستقرار في الداخل السيناريو الأسوأ الذي طالما خشيه النظام.
أما على الصعيد النفسي والرمزي، فقد سقطت نظرية “توازن الرعب” التي حاولت إيران ترسيخها لسنوات، عبر استخدام وجودها في فنزويلا كورقة ردع صامتة تحمل رسالة مفادها: “نحن على حدودكم كما أنتم على حدودنا”. ولكن سقوط الرمز (مادورو) بهذه السهولة والسرعة يرسل إشارة مرعبة للنخبة الحاكمة في طهران: “حصونكم البعيدة وهمية، ولا يمكنها حمايتكم”.
هذا المعنى يؤيده تحليل لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” (Times of Israel)، الذي يعتبر العملية “رسالة بالنار” موجهة خصيصًا للمرشد الإيراني. مفاد هذه الرسالة أن الرئيس الأمريكي ترامب يرى “تغيير الأنظمة” خيارًا عمليًا ومطروحًا على الطاولة، وليس مجرد شعار انتخابي، مما قد يدفع طهران لتصعيد دفاعي يائس في المنطقة خوفًا من أن تكون هي الضحية التالية.

وحتى “الحرس الثوري”، الذراع الطولي لإيران، يجد نفسه في مأزق حقيقي. فبعد أن وصف السيناتور ماركو روبيو فنزويلا سابقًا بأنها “مرساته” ومركز عملياته في الغرب، باتت سفينته اليوم بلا ميناء وبلا غطاء سياسي، كما تنقل قناة “إيران إنترناشيونال” (Iran International)؛ إذ أن الشبكات المعقدة التي بناها الحرس لسنوات، سواء لتهريب الأموال أو التنسيق الأمني، باتت الآن في مهب الريح.
ويعزز هذا الطرح تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، الذي يؤكد أن البنية التحتية للعلاقة – التي تشمل التعاون العسكري، ومصانع المسيرات، والتدريب الأمني – قد دُمرت فعليًا بسقوط النظام الراعي، ويصعب جدًا تعويضها في أي دولة أخرى في المنطقة.
وعندما نجمع هذه القطع المتناثرة معًا، ندرك الحقيقة الكاملة: طهران لم تخسر حليفًا سياسيًا فحسب، بل خسرت “نموذج هروب” استراتيجي هندسته بعناية لعقدين من الزمن. وقد تجد هذه الدولة المحاصرة والفاقدة لعمقها اللاتيني نفسها مدفوعة لتصعيد إقليمي غير محسوب لتعويض خسارتها الاستراتيجية، في عالم لم تعد فيه القواعد الدولية تحمي أحدًا من بطش القوة، بينما تواجه أزمة داخلية خطيرة تُنذر بما هو أصعب على النظام كله.
الحصار التالي.. اختناق هافانا وتأديب بوغوتا
بالتوازي مع الزلزال الذي ضرب طهران، يتحول الخطر في هافانا من “استراتيجي” إلى “وجودي” مباشر؛ فكوبا تعيش اليوم حرفيًا على أنفاس فنزويلا النفطية، وسقوط مادورو يعني قطع شريان الحياة الوحيد الذي يمد الجزيرة بالطاقة.
ينقل تقرير لإذاعة WBAA الأمريكية المستقلة هذا القلق الكوبي البالغ، واصفًا رد الفعل الرسمي الذي اعتبر الضربة “إرهاب دولة” بأنه صرخة استغاثة من نظام يدرك أن انقطاع النفط سيحول الأزمة الاقتصادية الخانقة أصلًا إلى انفجار اجتماعي شامل يهدد بقاءه.
ولكن، تحت ستار هذه الاستغاثة الاقتصادية يكمن ما يرعب هافانا حقًا، وهو ما تُشير إليه قراءة المجلس الأطلسي (Atlantic Council) لتصريحات ترامب الأخيرة التي وصف فيها كوبا بـ “الدولة الفاشلة جدًا”.
ويرى خبراء المجلس أن هذا الوصف يمثل “تمهيدًا قانونيًا وأخلاقيًا” لتدخل قادم؛ فكوبا الآن مرشحة بقوة لتكون “الهدف التالي” في بنك الأهداف الأمريكي، سواء عبر فرض حصار بحري خانق يمنع وصول أي إمدادات، أو عبر عمليات استنزاف أمني، لاستكمال مشروع الهيمنة على الكاريبي.
كولومبيا: حليف تحت المجهر والتأديب
والمفارقة الكبرى في المشهد الجديد تظهر بجلاء في كولومبيا، الحليف التقليدي لواشنطن الذي وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام والتهديد.
يلفت تقرير المجلس الأطلسي (Atlantic Council) النظر إلى أن ذكر كولومبيا بالاسم كدولة “يجب أن تفهم الدرس” في خطاب النصر لترامب يعكس رغبة واشنطن في “تصحيح مسار” حكومة الرئيس اليساري جوستافو بيترو.
وبينما تروج واشنطن لتدخلها كجزء من الحرب على المخدرات، تحذر قناة الجزيرة الإنجليزية من أن الفراغ الأمني الهائل في فنزويلا قد يدفع الجماعات المسلحة وعصابات المخدرات نحو الحدود الكولومبية، مما يخلق فوضى تمنح واشنطن الذريعة المثالية لتدخل “تأديبي” عسكري أو أمني داخل أراضي حليفها دون إذنه.

إعادة رسم الخرائط وارتجاج النظام الإقليمي
في المحصلة، يمكن اعتبار ما جرى في كاراكاس “ارتجاجًا” كاملًا وعنيفًا للنظام الإقليمي وربما الدولي، كما يصفه المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House). إذ تسعى واشنطن بوضوح لإقصاء القوى الخارجية (الصين وروسيا وإيران) من نصف الكرة الغربي، وإعادة هندسة المنطقة سياسيًا من جديد وفق مصالحها الصرفة.
وكما يخلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن نجاح العملية العسكرية السريع والمفاجئ قد منح واشنطن ثقة مفرطة في قدرتها على “هندسة الانتقالات السياسية” بالقوة.
نحن إذًا أمام عالم جديد تمامًا، حيث تتفق تحليلات بوليتيكو (Politico) وفورين بوليسي (Foreign Policy) على أنه عالم “سياسة القوة العارية”، الذي سقطت فيه الخطوط الحمراء التقليدية، وبات السؤال الوحيد المطروح بهمس ورعب في عواصم العالم من هافانا إلى طهران هو: “من التالي؟”.



