بـ 75 مليار جنيه في 2025.. لماذا اندفع المصريون لـ "دوامة" التقسيط؟

لم تجد مروة محمود، المعلمة بالمرحلة الابتدائية، مفرًا من طرق أبواب شركات التمويل الاستهلاكي لإتمام تجهيز ابنتها الكبرى، بعدما وقفت مدخراتها هي وزوجها - الذي يشاركها المهنة ذاتها - عاجزة أمام طوفان الأسعار، رغم سنوات من "التحويش".

حاولت المعلمة تفادي الاستدانة عبر الدخول براتبها كاملًا في "جمعيات" مالية مع زملائها طوال ثلاث سنوات، لكن القفزات المتتالية في أسعار الأجهزة الكهربائية ومستلزمات المطبخ جعلت قيمة ما ادخرته تتضاءل أمام المطلوب، لينطبق عليها المثل الشعبي القائل: "ما تجمعه النملة في سنة.. يطيح به الجمل في خفه".

في المحافظات، وخاصة الريفية، تتحمل أسرة العروس عبء المطبخ بجميع مشتملاته بجانب الأجهزة الكهربائية.

ومع ارتفاع الأسعار بنسب قياسية منذ التعويم الأخير، باتت تكلفة تجهيز الفتاة لا تقل عن 300 ألف جنيه؛ وهو رقم تعكسه بوضوح شاشات الأسعار في المتاجر.

فعلى سبيل المثال، قفز سعر الثلاجة (350 لتر نوفروست) من مستوى 6670 جنيهًا في عام 2022 إلى 20565 جنيهًا حاليًا، بزيادة فجة بلغت 208.3%. ولم تكن الغسالات (فوق أوتوماتيك 8 كيلو) أحسن حالًا، إذ صعدت من 6100 جنيه إلى 12209 جنيهات، بزيادة تجاوزت 100%.

وأمام هذا الواقع، أصبح حال أسرة "مروة" كحال آلاف الأسر التي اضطرت للارتماء في أحضان شركات التمويل الاستهلاكي، متقبلةً معدلات فائدة مرتفعة تفوق نظيرتها في البنوك؛ لكون هذه الشركات تقترض أموالها أساسًا من القطاع المصرفي ثم تعيد إقراضها للمواطنين بآجال سداد أطول، ولكن بتكلفة أعلى.

2025.. عام "القفزة التاريخية" في الديون

تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية هذا التوجه الشعبي الجارف؛ إذ سجلت أرصدة التمويل الاستهلاكي قفزة غير مسبوقة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي (2025)، لتصل إلى 74.9 مليار جنيه، بنمو نسبته 58% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق (47.5 مليار جنيه).

ولإدراك حجم "الانفجار" في الاعتماد على الشراء بالدين، يكفي النظر إلى تطور الأرقام خلال 4 سنوات فقط. فقد صعد حجم التمويل من مستوى 14.9 مليار جنيه فقط في 2021، إلى 47.3 مليار في 2023، ثم 55 مليار جنيه بنهاية 2024.

والمفارقة الصارخة هنا أن ما سجله السوق في 10 أشهر فقط من 2025، تجاوز ما تم تسجيله في عام 2024 بالكامل بنسبة زيادة تخطت 36%.

هذا النمو المالي واكبه "زحف بشري" نحو التقسيط؛ حيث تضاعف عدد العملاء المستفيدين بنسبة نمو فلكية بلغت 182%. فقد قفز عدد العملاء من 3.27 مليون إلى 9.25 مليون عميل خلال الفترة ذاتها، بزيادة قدرها 6.9 مليون شخص جديد انضموا لقوائم المقترضين، رغم استمرار معدلات الفائدة البنكية المرتفعة التي تدور في فلك 22%.

وأمام هذا الطلب المتزايد، توسعت السوق لتضم 34 شركة متخصصة بجانب 12 مقدم خدمة، وتفننت هذه الجهات في ابتكار عروض لم تعد تقتصر على السلع التقليدية، بل امتدت لتشمل "تقسيط" اشتراكات الأندية الرياضية، خدمات السفر والسياحة، صيانة السيارات، وحتى حلول الطاقة الشمسية للمنازل.

الاستهلاك.. محرك النمو الاقتصادي

ينظر الاقتصاديون وصناع القرار إلى هذا الإقبال المتزايد على التمويل الاستهلاكي باعتباره محركًا حيويًا للاقتصاد المحلي؛ فالنمو في مصر حاليًا يعتمد بشكل كبير على المستهلك الذي يشتري السلع والخدمات، مما يحفز الشركات على الاستثمار في الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى زيادة العوائد المالية، وتراكم رأس المال، وتحقيق نمو في الاقتصاد الكلي بالنهاية.

وبلغة الأرقام، سجل الاقتصاد المصري نموًا بنسبة 5% خلال الربع الأول من العام الحالي (2025)، بفضل نمو الاستهلاك المدعوم بزيادة القروض الاستهلاكية.

وقد تعزز هذا التوجه مع تراجع الفائدة البنكية خلال العام الحالي بنحو 7.25% في ضوء سياسة البنك المركزي للتيسير النقدي، ما انعكس مباشرةً على تراجع الفائدة لدى شركات التمويل الاستهلاكي بالنسبة ذاتها.

وتعاكس السياسة الحالية تمامًا تلك التي اتبعتها الحكومة في الفترات التي أعقبت تعويم الجنيه عام 2016؛ فحينها هبط معدل نمو الاستهلاك الخاص إلى 0.9% خلال العام المالي 2018/ 2019 مقابل نحو 4.6% عام 2015/ 2016، كما هبط الاستهلاك العام من 3.9% إلى 2.8% خلال الفترة ذاتها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد في تلك الفترة السابقة، بل هبطت نسبة الاستهلاك النهائي للناتج المحلى الإجمالي من 98.2% عام 2016/ 2017 إلى 90.6% عام 2018/ 2019، وانخفضت نسبة مساهمته في معدل النمو إلى أقل من 1% نتيجة لتراجع القوى الشرائية، حتى أصبحت معدلات نمو نصيب الفرد من الاستهلاك "سالبة".

وهذه المقارنة تؤكد أن عادات الاستهلاك هي التي تحدد مدى الطلب على المنتجات والخدمات؛ فزيادة الطلب تحفز الإنتاج والإنفاق، مما يؤدي إلى حدوث نمو اقتصادي.

وعلى الجانب الآخر، فإن تراجع الطلب يؤثر سلبًا على الإنتاج والوظائف، ويضرب الاستثمار؛ فالمستثمرون يتوسعون عادةً في أوقات الطلب، والتوسع يعني بالضرورة توظيف المزيد من العمالة.

ومن هذا المنطلق، ولتشجيع هذا المسار، أصدرت مصلحة الضرائب تعليمات جديدة قبل أيام بشأن إعفاء فوائد التمويل الاستهلاكي من ضريبة القيمة المضافة.

واشترطت المصلحة لتطبيق الإعفاء أن تكون الفوائد محققة بمعرفة الشركات المرخص لها من الهيئة العامة للرقابة المالية بمزاولة النشاط، والأهم من ذلك، أن يتم فصل قيمة فوائد التمويل الاستهلاكي في الفاتورة عن قيمة السلعة أو الخدمة الأصلية الخاضعة للضريبة.

وفي حال الالتزام بهذا الفصل، تصبح قيمة الفوائد معفاة تمامًا من ضريبة القيمة المضافة.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

إنفاق "عقلاني" واختفاء للتفاخر

خلافًا للصورة النمطية التي قد تتبادر للأذهان، تؤكد بيانات السوق أن هذا الانفجار في الاستدانة لا يعكس سلوكًا استهلاكيًا عشوائيًا أو ترفيهيًا.

وبحسب تحليل صادر عن شركة "كونتكت" -إحدى كبرى الشركات العاملة في القطاع- فإن البيانات تشير إلى العكس تمامًا؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أجري في عام 2024 أن 74% من المصريين يخططون لمشترياتهم مسبقًا بدقة، وأن 66% منهم يقومون بمقارنة العروض المختلفة قبل اتخاذ قرار الشراء، وهو نمط تفكير عقلاني يتماشى تمامًا مع خطط التقسيط المدروسة.

وهذه النتائج تنفي الاتهامات التي تربط ارتفاع التمويل الاستهلاكي بزيادة "الإنفاق التفاخري"؛ فهذا النوع من الإنفاق بات مقتصرًا بشكل شبه حصري على فئة أسر المصريين المغتربين، الذين منحهم ارتفاع سعر العملة الأجنبية أمام الجنيه قدرات شرائية استثنائية انعكست على توجههم نحو سلع غير أساسية، وهو ما لا ينطبق على المواطن المقيم الذي يحسب خطواته بدقة.

أين تذهب المليارات؟.. الأرقام تتكلم

وتدعم تقارير الرقابة المالية هذه الرؤية "الاحتياجية" للمقترضين. ففي شهر يوليو الماضي وحده، تصدرت "الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات" المشهد بوزن نسبي بلغ 17.1% من إجمالي التمويل، وبقيمة 8.1 مليار جنيه. تلاها مباشرة بند "الأجهزة الكهربائية والمنزلية" بحصة سوقية 16.9% وقيمة 8.01 مليار جنيه، ثم السلع الاستهلاكية المشتراة عبر "كروت التمويل" بوزن نسبي 14.2% (6.73 مليار جنيه).

وحتى السلع الأخرى جاءت لتعكس احتياجات أساسية أو تجهيزات؛ حيث استحوذت الهواتف المحمولة على 5.3% (2.5 مليار جنيه)، يليها كل من الأثاث والتجهيزات المنزلية والتشطيبات بحصة 2.9% لكل منهما، وبتمويلات بلغت 1.37 مليار جنيه.

أما السيارات وقطع الغيار، فقد كان لها النصيب الأكبر رقميًا، وهو أمر منطقي لا يعكس سلوكًا ترفيهيًا بقدر ما يعكس واقع السوق؛ فمع دوران أسعار السيارات "الشعبية" والأكثر انتشارًا في فلك "المليون جنيه"، سجل تمويل هذا النشاط 8.25 مليار جنيه، بزيادة طفيفة عن الأجهزة الكهربائية.

وهذه الزيادة تعبر عن تضخم الأسعار وليس ترف المشترين. ولعل قصة "مصطفى محمد"، العامل بإحدى الشركات الحكومية، تلخص المشهد؛ إذ اضطر مؤخرًا للجوء لشركة تمويل استهلاكي فقط لتغيير إطارات سيارته، قائلًا بأسى: "تغيير الطقم أصبح مكلفًا.. العجلات الأربعة أصبحت تكلفتها 10 آلاف جنيه".

هل يعود شبح "الغارمات"؟

النمو الكبير والمتسارع في الائتمان أثار مخاوف مشروعة من "تكرار مأساة الغارمات"، خاصة مع اتهام بعض الشركات بالإفراط في منح التمويلات بناءً على معايير منخفضة السرعة، ودون إجراء دراسات ائتمانية دقيقة للتحقق من دخل العميل وقدرته الحقيقية على السداد.

هذا النمط يزيد بلا شك من مخاطر التعثر، ويضعف الرقابة على الاستخدام المسؤول للأموال.

وتتعزز هذه المخاوف عند النظر للتركيبة العمرية للمقترضين؛ فالدراسات تؤكد أن الفئة العمرية من 45 إلى أقل من 55 سنة تستحوذ وحدها على 60% من حجم التمويلات. هذه الفئة هي تحديدًا "فئة الآباء والأمهات" التي تتحمل عبء تجهيز العرائس والأبناء، بينما كانت نسبة الفئة العمرية أقل من 25 سنة (صفر%)، وهو ما يربط الديون بملف اجتماعي شائك عانت الدولة طويلًا للقضاء عليه وإبقاء السجون خالية من الغارمين.

طمأنة قانونية: لا حبس للمتعثرين

وفي المقابل، يرفض مسؤولو القطاع هذا الربط المخيف. حيث نفى أسامة فريد، عضو الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي، إمكانية إعادة إنتاج تجربة الغارمين، مشددًا على أن أقصى عقوبة يمكن تطبيقها على المتعثرين في هذا النشاط هي "الحجز على الأصول" فقط، مؤكدًا أن القانون المدني لا يجيز الحبس في مثل هذه الحالات التجارية.

وأوضح في مؤتمر صحفي مؤخرًا أن إجراءات الحجز لا تتم فورًا، بل تأتي بعد سنوات من التعثر واستنفاذ المسارات القانونية، مما يضمن حقوق جميع الأطراف.

ويتفق معه أحمد أسامة، عضو الاتحاد، الذي أشار إلى أن الضرر الأكبر الذي يقع على العميل ليس الحبس، بل تضرر "تصنيفه الائتماني" (i-Score)، مما يقضي على قدرته مستقبلًا على الحصول على أي تمويلات جديدة أو تسهيلات بنكية.

ورقميًا، تؤكد الشركات أن الوضع تحت السيطرة، حيث تظل معدلات التعثر مستقرة عند مستويات آمنة تتراوح بين 3% و4% فقط؛ أي أنه من بين كل مليون عميل، يوجد خطر تعثر لـ 30 ألف عميل فقط.

واستشهد مسؤولو الاتحاد بالضوابط الصارمة المطبقة، حيث تقوم كل شركة بتحديد سقف التمويل بحيث لا تتجاوز الأقساط 30% إلى 35% من صافي دخل العميل، مع إلزامه بدفع دفعة مقدمة لا تقل عن 10% من سعر المنتج، والرجوع دائمًا لشركات الاستعلام الائتماني لتقييم المخاطر.

وفي النهاية، يظل التمويل الاستهلاكي في مصر مدفوعًا بـ "الاحتياج الفعلي" وقصر اليد عن الشراء النقدي بعدما تضخمت الأسعار. وتظل المعادلة الصعبة محكومة بمبدأ واحد: "المضطر يتقبل مرارة الفائدة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة