أولئك “الكمايتة” الجهلاء

تشبه النيل، فهي منه وهو منها.

نعم؛ إنَّ مصر كنهرها الخالد، ومثلما تجري المياه بين ضفتيه فتتجدد كل ثانية منذ آلاف السنين، على حين يبقى مجراها قديمًا راسخًا، دأبت مصر على تلقي الثقافات الوافدة، فتأثرت بها دون أن تتماهى فيها، وبذلك بقيت مصر هي مصر.

جحافل من الغزاة، من الهكسوس فالليبيين فشعوب البحر فالأشوريين وصولًا إلى الإنجليز، أخفقوا جميعهم في نشر أنماطهم الثقافية، سواءً كان ذلك بالترغيب أو الترهيب.

كانت مصر “تُمصّرهم” دائمًا، وكانت شخصيتها الحضارية المكنونة، تزداد بأسًا وصلادة متى تواجه محاولات المساس بها.

بغير استغراق في منمنمات التاريخ، يكفي مثلًا أن الدولة الفاطمية حكمت مصر زهاء قرنين، أنشأت خلالهما القاهرة، وشيدت الأزهر ليغدو منبرًا للتشيُّع، وأسست جهازًا دعويًا يُعدُّ أعقد نظامٍ عرفه الإسلام، لنشر مذهبها في القاعدة المجتمعية، عبر الاتصال المباشر بالعوام في الأسواق والساحات، بينما قصرت خطب المنابر على الخطاب الفقهي الإسماعيلي، وفرضت الدعاء للخليفة الفاطمي لا العباسي.

دولة سنية ذات مزاج شيعي

لكن مصر رغم ذلك لم تأخذ من التشيُّع إلا ما استساغته ذائقتها، على نحو تعظيم آل البيت والأولياء، والاعتقاد بكراماتهم والتبرك بهم.

يمكن تفسير هذه المفارقة، بأن للفكرة جذورها في الوجدان الجمعي، فالإيمان بالبعث والحساب عند قدماء المصريين، لم يجعل تقديس الموتى لدى أحفادهم مستهجنًا مرفوضًا.

الراحلون ليسوا موتى بالمعنى العدمي، بل هم في منزلة الخلود، حيث لا بؤس ولا شقاء، بل سعادة أبدية في رعاية “ماعت”؛ إلهة الحق والنظام والعدالة، أو في جنات تجري من تحتها الأنهار، جزاءً لمن خاف مقام ربه فعمل صالحًا.

هذا التمازج السلس بين متنافرين، هما تقديس آل البيت والأولياء الصالحين، بما يكتنفه من طقوس يأبها بل ويحرمها الفقه السني أحيانًا، وشيوع هذا الفقه مذهبيًا، عبَّر عنه الراحل الكبير؛ عباس العقاد، في كتابه “فاطمة الزهراء والفاطميون” بعبارة بالغة الإحكام: “مصر دولة سنية ذات مزاج شيعي”.

الحقيقة التي لا يرقى إليها أدنى شك، أن مصر لا تعتنق من الأفكار إلا ما يروق لها، وحتى حين تعلَّق الأمر بالمعتقد الديني، ورغم محاولات تغييره بالعصا أو الجزرة، لم تستسغ ما لا يناسبها، وسريعًا ما كانت تلفظه من جوفها.

أي نظرة متعمقة إلى هذا المشهد، ستفضي إلى تهافت مقولات الذين يهرفون بأن الإسلام ومن ثم العروبة قد دخلا مصر عنوةً وقسرًا، منكرين أن الفتح لم يلبِّ رغبة معظم المصريين آنذاك في الخلاص من استبداد الرومان.

الحاصل أنه حين حكم العرب المسلمون البلاد، فرأى الناس من “النظام الجديد” عدلًا ورشادًا، استميلت قلوبهم نحو العقيدة الوافدة، فاستقصوا مبادئها ومقاصدها، فاستحسنوها غاية الاستحسان، فدخلوا في دين الله أفواجًا.

كذلك يقرر الثقاة من المؤرخين مثل ابن عبدالحكم، والمنصفون من المستشرقين، مثل سيرجي رولان، وإذا كانت هنالك حوادث شهدت تجاوزات، فهي حالات مجتزأة خارج سياق النظام القانوني، وكثيرًا ما كان النظام ذاته، يتكفَّل بتقويم الاعوجاج متى وأين كان، عبر آليات المساءلة التي أقرتها الشريعة، وفي القلب منها أن الناس سواسية كأسنان المشط.

وفي الإجمال؛ لم يشهد الحكم الإسلامي فظائع على نحو “عصر الشهداء”، إبَّان حكم الإمبراطور دقلديانوس، الذي هدم الكنائس وحرق الكتاب المقدس وسجن وسفك دماء الأساقفة وعوام المتدينين المسيحيين.

ولم يختبر محنة مثل محنة اضطهاد الكنيسة المصرية لتمسكها بعقيدة الطبيعة الواحدة لسيدنا المسيح، عليه الصلاة والسلام، في مقابل العقيدة الخلقيدونية التي توخى أباطرة الروم بأبشع الوسائل فرضها.

ولم يرتكب الفاتحون العرب ما تورط فيه البيزنطيون، من مذابح الأديرة في الصعيد وسيناء.

على العكس من ذلك، فإن عمرو بن العاص أرسل بعد الفتح مباشرةً، في استدعاء البابا بنيامين الأول؛ الذي كان مكث في الصعيد 13 عامًا هاربًا من بطش الإمبراطور الروماني هرقل، فأعاده إلى كرسي البابوية بالإسكندرية، وردَّ له الكنائس والأوقاف، وقال إقرارًا بمكانته: “لم أرَ رجلًا مثله في الزهد”.

دخل الفتح الإسلامي إذن على صهوة مبادئ العقيدة الإنسانية، أكثر من دخوله على صهوة الخيل، فكان نموذجًا تقدميًا عادلًا بعد عقود طويلة من رجعية الاستبداد، وكان منطقيًا في ضوء ذلك أن يمسَّ شغاف القلوب.

ولمَّا كان فهم الدين الجديد يُحتم تدبر كتابه المبين، الذي تعلَّقت به أفئدة المصريين، وقرأوه على أجمل ما يكون، حتى تربعوا على عرش “دولة التلاوة”، فقد وجدت لغة الضاد مكانها على ألسنتهم، ورويدًا رويدًا لم ترَ مصر بأسًا في أن “تتعرَّب”.

إن لم تكن مصر عربية قبل الفتح، فقد أصبحت بعده “مصر العربية” بـ”أل التعريف”، وسرعان ما غدت تاج العلاء في مفرق الشرق، كما يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم.

ملامح من ريادة مصر لأمتها العربية

الأكثر من ذلك أن الدعوة إلى وحدة الأمة، لم تخرج بعد معركة تحرير شعوب المنطقة من الاستعمار -والتي قادتها القاهرة بإيثار- إلا من القاهرة ذاتها، حين صدحت بها حنجرة ابنها الصعيدي المشاكس الذي تحدى القوى العظمى؛ جمال عبدالناصر.

لم تولِ مصر وجهها صوب الذي فطر السموات والأرض، ولم تتحدث العربية وتتمثل ثقافتها إلى حد أنها هي التي تزعمت حركة البعث والإحياء والتجديد في الشعر -ديوان العرب- بدءًا من محمود سامي البارودي، مرورًا بشوقي؛ أمير شعراء العرب، وليس انتهاءً بصلاح عبدالصبور، تحت حد السيف أو لسعات الكرابيج.

كان القرار قرارًا حضاريًا جماعيًا، جرى تنفيذه طوعًا بالتناوب جيلًا بعد جيل، وما هي إلا عشرات من السنين، لا تعدو أن تكون ذات بال، في مسيرة من آلاف السنين، حتى غدت “مصر العربية” قائدة الأمة، وصار أزهرها الوقور الذي أريد له في مفارقة مدهشة، أن يكون منبرًا شيعيًا، مركز الفكر السني.

ليس هذا فحسب بل إن الكنانة صارت “ورشة إنتاج” الأدب والنقد والصحافة والطباعة والنشر والمسرح والسينما والدراما العربية، وكذلك غدت مركز صناعة القرار العسكري والسياسي في محيطها الإقليمي.

هل منطقي أن تؤدي مقدمات خشنة عنيفة إلى هذا الانسياب التراكمي السلس وصولًا إلى قُمرة القيادة الحضارية؟

ليس واردًا بأي منطق عقلاني، أنْ يُقال إنَّ أمة تفاعلت تأثرًا وتأثيرًا بثقافة ما، كانت قد أُجبرت على اعتناق هذه الثقافة.

إنَّ الثقافة كالحب لا إجبار فيها، والمؤكد يقينًا أن المصريين أحبوا العربية، بوازع من تأثرهم النفسي، أو قل “تأثرهم الجُوَّاني” بكتاب فيه هدى للمتقين.

حقيقة تهوي كقبضة مُخبر غليظة، على دعوات “الكمايتة” الجهولة لانسلاخ مصر عن واقعها الحضاري، وتُبدِّد عواءهم الأجوف بأنها ليست عربية ولا بد أن تنزع رداء العروبة، حتى تستعيد أصالتها أو بتعبيرهم الفاشي “تستعيد نقاءها”.

كانت مصر قبل الفتح العربي الإسلامي أمة عظيمة، فلما دخلها الدين الجديد زاد عظمتها توهجًا، فإذا بها تتولى القيادة، واللافت أن هذا التولي يغدو حتميًا حين تتهدد الأخطار الوجودية العرب والمسلمين.

ليست مصادفة أن “الكنانة” هي التي دحرت التتار، وردت الحملات الصليبية، ثم تصدرت النضال لطرد الاستعمار، فامتشقت بعدئذٍ سيفها لمواجهة رأس أفعاه؛ العدو الصهيوني، ذلك بغض النظر عن التراجع الحاصل الآن.

انكماش مصر الراهن في سجن الجغرافيا، ونكوصها عن تأدية دورها الريادي، وإن أغرى الطامحين من منافسيها، على التقافز للاستيلاء على هذا الدور، لا يعدو إلا أن يكون كالوقت المستقطع في مباراة كرة يد، وسرعان ما ستعود الأمور بعده إلى طبيعتها.

قدر مصر التاريخي وموضعها الطبيعي أن تتصدر أمتها العربية والإسلامية، وهي صدارة لم تجتث جذورها الحضارية الضاربة في عمق أكثر من سبعة آلاف سنة.

تعدد الروافد الثقافية ينفي سؤال الهوية

أولئك الكمايتة لا يفقهون أن تعدد الروافد الثقافية لا يمسخ الهوية، ولا يخدش الريادة، بل يصطنع واقعًا جديدًا تتسع به حدود تلك الريادة.

ضجيجهم حول هوية مصر، ليس محل سؤال من أي نوع، فهي -وإن أبوا- فرعونية الجذور، عربية اللسان، إسلامية الروح، متوسطية الموقع، إفريقية الامتداد، والمؤكد أن اجتماع هذه الروافد في تكوينها الحضاري من مصادر قوتها.

مصر كما يقول الراحل جمال حمدان: “عربية بحكم الموقع قبل أن تكون عربية بحكم الدم”، وهويتها بقيت ثابتة بفضل الإسلام والعروبة، كما يذهب المؤرخ القبطي؛ يعقوب نخلة روفيلة، وحاضرها موصول دائمًا بماضيها، لأنها كما يقرر المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون “لا تعرف القطيعة، فكل عصر جديد فيها يُبنى فوق عصر قبله”.

في مطلع القرن الماضي، انخرط رموز من المثقفين المصريين، في ما سميت بمعركة الطربوش والعمامة والبرنيطة، فوقف شيوخ الأزهر؛ محمد عبده والإنبابي والمطيعي في خندق الدفاع عن العمامة، على حين تمسك فريق ضم رفاعة الطهطهاوي وأحمد لطفي السيد والعقاد بالطربوش العثماني، ونافح سلامة موسى ولطفي السيد وقاسم أمين عن البرنيطة الغربية.

لكن عوام الناس لم ينشغلوا بهذا الضجيج النخبوي، فمنهم مَنْ اعتمر العمامة، ومنهم مَنْ مال الطربوش على رأسه، وقليل منهم ارتدوا البرنيطة.

ولم يعبر اختلاف المظهر ألبتة عن خلاف حقيقي، ولم يتعد القشرة الخارجية الشكلية، أو يهز الهوية المصرية الجامعة.

على النحو ذاته، ستنتهي دعوات أولئك الكمايتة الجهلاء، وستبقى معاركهم كمعارك “دون كيخوت” ضد طواحين الهواء، وستظل أفكارهم مبعثرة كالقمامة على صفحات منصات التواصل الشبكية، فالناس لن يحسوا بهم، ولن يأبهوا لما يفتعلون من صخب أجوف، حتى يطويهم النسيان، ويطوي خرافاتهم الفناء، فمصر كنيلها تتجدد ولا تتنازل عن اختياراتها الحضارية.

1 تعليق

  1. المقال مكتوب بحِرفية عالية وبيطرح فكرة مهمة جدًا:
    إن هوية مصر عمرها ما كانت “نسخة” من حد، ولا عمرها اتسابت تتلون بثقافة غريبة عنها… بالعكس، مصر دايمًا كانت هي اللي بتمتص الغريب وتحوله لطابعها هي، مش العكس.

    عجبني في المقال إنه بيرد على دعوات الكمايتة ونفيهم ل عروبة مصر أو هويتها.. بالحقائق وبالتاريخ، من غير تهويل ولا شتيمة. فعلاً… مصر مش محتاجة حد يعرفها هي مين، ولا محتاجة إثبات.
    هويتها خليط نادر بين الجذور الفرعونية، واللسان العربي، والروح الإسلامية والمسيحية… وده اللي عاملها حالة فريدة محدش يقدر يقلدها أو ينتزعها.

    النقطة اللي شدتني: إن كل غزو مر علينا بدل ما يغير مصر… اتـمصـر ..وكنت لسه بتناقش مع جوزى ان حتى مخدناش اللغات من الانجليز ولا الفرنسيين زى المغرب العربي
    وده أكبر دليل إن الهوية المصرية ثابتة وقوية، مهما حاول البعض يشكك فيها أو يقلل منها
    “الكمايتة” – عندهم حساسية شديدة من كلمة إن مصر عربية. وده مش لأن عندهم بديل واضح للهوية… لكن لأن عندهم موقف نفسي من كل ما هو عربي، فبيرفضوا الجملة لمجرد الرفض.

    والحقيقة إن المقال بيجاوب على الفكرة دي بهدوء:
    مصر عربية مش بالشعارات… بعرقها ولسانها وتاريخها وموقعها.
    وهي في نفس الوقت مش “مجرد عربية”… لكنها مصرية بتركيبتها الخاصة اللي محدش يقدر يقلدها.احسنت وابدعت

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة