الحمى القلاعية بمصر.. خريطة الإصابة وأزمة المزارعين ومستقبل الأسعار

قبل ثلاثة أشهر، أبلغت الحكومة المصرية المنظمة العالمية لصحة الحيوان، المؤسسة الدولية المسؤولة عن تحسين صحة الحيوان حول العالم، عن اكتشاف حالة إصابة بمرض الحمى القلاعية SAT 1 لأول مرة بمصر، في قرية بالبحيرة تضم أبقارًا وجاموسًا.

تحمل تلك الإصابة أهمية خاصة، فالأنماط “A وO وSAT2” من فيروس الحمى القلاعية مُتوطنة بمصر، لكن ظهور إصابة بـ”SAT1″، التي يمكن تسميته بمتحور جديد للفيروس، يجعل من الضروري اختيار مضادات بيطرية فعالة، تتوافق مع سلالات فيروس الحمى القلاعية، بحسب المنظمة.

حديث المنظمة يُلمح إلى ضرورة تشديد الرقابة على أي حيوانات حية مستوردة من الخارج، نظرا لأن (SAT1) غير موجود بمصر من الأساس، خاصة أن تلك السلالة تم رصد حالات منها بالعديد من الدول العربية.

المنظمة قالت أيضًا إنها لم تتلق بلاغات مصرية عن أي تفشٍّ لمرض (SAT1) بخلاف إصابة البحيرة، الذي لا يزال مصدر عدواه مجهولًا، فلم تصدر تقارير التسلسل الجيني الرسمية الخاصة به التي تشمل تدابير المكافحة المطبقة الحجر الصحي، ومراقبة الحركة، وتدابير الأمن الحيوي.

في المقابل، أكد مسئول حكومي، لـ”الشرق بلومبرج“، أن تأثيرات المتحَور الجديد من فيروس الحمى القلاعية، الذي تم رصده منتصف يوليو الماضي، بدأت تظهر حالياً بعد تسجيل 16 بؤرة عدوى في أنحاء البلاد، على حد قوله. 

مرض فيروسي شديد العدوى

الحمى القلاعية مرض فيروسي شديد العدوى يصيب الحيوانات مشقوقة الظلف، التي من أهمها الأبقار والخنازير والأغنام والماعز وأنواع برية مختلفة، يتميز عادةً بحمى وبثور في الفم والقدمين مصحوبة بالعرج، ورغم أن عددًا قليلًا من الحيوانات البالغة تصاب بالمرض، إلا أن الحيوانات الصغيرة، مهددة بالموت بسبب “قصور القلب المفاجئ”.

وفقًا للمنظمة الدولية للصحة الحيوانية، فإن السلطات المصرية، أجرت عمليات تتبع بمحيط إصابة البحيرة وتطعيم طارئ في نطاق 10 كيلومترات من موقع عدوى البحيرة، وتم الكشف على 6744 حيوانًا (4910 أبقار، و813 جاموسًا، و920 غنمًا، و101 ماعز)، دون أي اشتباه في حدوث عدوى جديدة.

أطلقت عدة محافظات بعدها حملة تطعيم ضد “SAT1” من الحمى القلاعية مع مبادرات على زيادة الوعي بأهمية التطعيم، وآثار الحمى القلاعية، وتشجيع المزارعين على تسجيل حيواناتهم وتطعميها للوقاية من المرض، وتقليل أي خسائر اقتصادية قد تنتج من مرضها ونفقوها.

منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” طالبت بتوخي أقصى درجات التأهب، نظرًا لأن عدم وجود النمط المصلي SAT1 بمناطق بعينها يكون لديه القدرة على الانتشار بسرعة عبر الحدود والمناطق، مما يُلحق أضرارًا جسيمة بالزراعة والاقتصاد، ونظرًا لغياب المناعة الطبيعية أو المناعة الناتجة عن اللقاح لدى هذه الحيوانات.

مع أن الحُمى القلاعية لا تُشكل تهديدًا للصحة العامة، لكنها تؤدي لتقليل إنتاجية الماشية، بما في ذلك من خلال انخفاض إنتاج الحليب واللحوم، وتؤدي لخسائر اقتصادية كبيرة، تقدر عالميًا بنحو 21 مليار دولار أمريكي سنويًا، كما له تداعيات خطيرة على المجتمعات الريفية ومدمرة على الشركات التي تعتمد على الثروة الحيوانية.

خطر الحمى القلاعية يهدد ثروة مصر الحيوانية (وكالات)
خطر الحمى القلاعية يهدد ثروة مصر الحيوانية (جيتي)

وزارة الزراعة: الإصابات طفيفة 

وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي أكدت أن مرض الحمى القلاعية موجود بمصر منذ خمسين عاماً، مضيفة أنها بدأت حملات تحصين رؤوس الماشية منذ أغسطس الماضي.

في مصر يعد المرض مستوطنًا منذ عام 1950 مع انتشار العترات A، O، وSAT2 بشكل متكرر، وتاريخيا شهدت مصر تفشيات مدمرة مثل SAT2 في 2012 (أكثر من 80 ألف إصابة)، وA في 2006 (أكثر من 12 ألف إصابة).

علاء فاروق وزير الزراعة، قال إن هناك خسائر للمزارعين، لكنها طفيفة ولا يمكن مقارنتها بعامي 2006 و2012، والحملات التي جرت في أغسطس الماضي لتحصين رؤوس الماشية أسهمت في تأمين نحو 80% من الثروة الحيوانية.”

بحسب الوزارة، فإن الحملة الأولى في أغسطس تم خلالها تحصين 4 ملايين رأس ماشية، والثانية 3.4 ملايين رأس، أما الحملة الطارئة الحالية (الثالثة) فتشمل تحصين 4 ملايين رأس أخرى، إضافة إلى تحصين أكثر من 1.9 مليون رأس منذ نهاية أكتوبر الماضي.

لا ينكر الوزير وجود بعض الممارسات السلبية في بعض القرى مثل تأخر التحصين، وبالتالي تظهر بعض الإصابات، مضيفا أن الوزارة تدرس منح تعويضات للمربين والمزارعين المتضررين من المرض

الوزير أكد أن أي مزارع قام بالتأمين على الثروة الحيوانية لديه مع شركات التأمين، سيتم صرف التعويض له، ولو هناك أي مشكلة مع أي شركة تأمين أو صندوق الثروة الحيوانية، يمكن للمزارع أن يتواصل مع الوزير مباشرة.

هل يخدم التأمين الجميع؟

“منظومة التأمين تخدم أصحاب المزارع الكبيرة”.. بتلك العبارة قال محمد السيد، مزارع من البحيرة الذي يخشى حاليًا على بهائمه الثلاثة، مضيفًا : “حصلت عليها بقرض بنكي.. لو ماتت هيتخرب بيتي”.

البيطريون يؤكدون أن العترة الجديدة SAT1 أعراضها قوية لدرجة أنها تصيب الجاموس المعروف بقدرته على التحمل عن الأبقار، كما تصيب الحيوان بعرج شديد وتمنعه من الحركة بجانب التهابات عنيفة بالفم تمنعه من تناول الأعلاف.

يقول السيد أن المزارع البسيط لا يعرف شيئا عن التأمين ولا إجراءاته، وحملات التحصين في القرى يجب تحديد مواعيدها  والاعلان عنها بميكروفون المسجد كالمعتاد، لأنه قام بتحصين مواشيه بالصدفة حينما وجد حملة بيطرية في القرية لم يعلن عنها.

الأسعار واللحوم.. معركة المستهلك الأهم

الشارع المصري لم يهتم كثيرًا بالسلالة الجديدة وكيفية دخولها أو انتشارها، فمعركته الأهم كانت مدى أمان تناولها، والأكثر أهمية بالنسبة للكثيرين مستقبل الأسعار، خاصة أن أسعار اللحوم تضخمت على مدار السنوات الماضية ووصلت لمستويات جعلتها بعيدة عن متناول قطاع عريض من المواطنين.

وزارة الزراعة أكدت عدم وجود مبرر لرفع الأسعار، خاصة أن نسبة النفوق بين رؤوس الماشية حاليًا لا تتعدى 1%، بالإضافة إلى استعداد الدولة للتدخل حال حدوث أي مبالغة في التسعير، فالدولة لديها اكتفاء ذاتي من اللحوم بنسبة 60% فقط، ويوجد مخزون من اللحوم المستوردة يمكن ضخها.

وارتفع عدد رؤوس الماشية بمصر إلى 8.1 مليون رأس خلال 2024، بنمو 6.7% عن العام السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.  ولا توجد أي بيانات رسمية حول معدلات الإصابة أو النفوق نظرا لأن المزارع يتخلص من الحيوان النافق بجوار المجاري المائية ويتعامل معه بحرق جثة الحيوان المصُاب.

تخشى وزارة الزراعة أن يستغل بعض الجزارين الأزمة ويرفعون الأسعار، لكن هيثم عبدالباسط، رئيس شعبة القصابين في غرفة القاهرة التجارية، قال إن تخوف المواطنين من الحمى القلاعية، تسبب في تراجع حركة البيع، خاصة أنه يأتي بعد بدء العام الدراسي الذي يفرض على المواطنين أعباء اقتصادية.

تراجع الطلب، هبط بأسعار اللحوم في مصر بنسبة تناهز 10%، بينما  انخفض سعر الكيلو القائم من الأبقار من 175 إلى نحو 170 جنيهًا، وسعر القائم الجاموسي من 155 إلى 150 جنيهًا.

بعض المحال التجارية الكبيرة في الجزارة وضعت عروضا حاليا لتحريك الطلب وصلت إلى درجة بيع 3.5 كيلو لحمة بـألف جنيه، بينما تراجعت الأسعار في بعض المناطق عن مستوى الـ 300 جنيه للمرة الأولى منذ شهور.

الشعبة ترى أن تراجع الطلب مؤقت، خاصة أن المجازر الرسمية تخضع لإشراف بيطري دقيق يضمن سلامة اللحوم قبل تداولها، والخطورة تكمن في التعامل العشوائي مع المواشي سواء من خلال نقلها بين المحافظات أو ذبحها خارج المجازر.

وفقًا لعبدالباسط، فإن أغلب الإصابات تظهر لدى صغار المربين بسبب إهمال التحصينات المنتظمة، إذ يستحوذ صغار المربين على 80% من إجمالي الثروة الحيوانية بمصر بينما المزارع الكبيرة تقوم بتحصين الحيوانات دوريًا.

تراجع الطلب، هبط بأسعار اللحوم في مصر بنسبة تناهز 10%، بينما  انخفض سعر الكيلو القائم من الأبقار من 175 إلى نحو 170 جنيهًا، وسعر القائم الجاموسي من 155 إلى 150 جنيهًا. (وكالات)
تراجع الطلب، هبط بأسعار اللحوم في مصر بنسبة تناهز 10%، بينما  انخفض سعر الكيلو القائم من الأبقار من 175 إلى نحو 170 جنيهًا، وسعر القائم الجاموسي من 155 إلى 150 جنيهًا. (وكالات)

هل ينتقل المرض من اللحوم؟ 

نقابة الفلاحين دخلت هي الأخرى على الخط، وحذرت المواطنين من شراء لحوم مجهولة المصدر والتفرقة بين اللحوم وفقا للون، فالجيدة منها لونها أحمر وردي أما ذات الجودة الرديئة تميل إلى اللون القاتم، كما يمكن التمييز بين البلدية والمستوردة فالأخيرة ألوانها تميل للأحمر الداكن، بسبب ارتفاع نسبة الحديد بها، لاختلاف نوع الغذاء الذي تتناوله عن المواشي المصرية.

كما أكدت لجنة سلامة الغذاء بنقابة الأطباء البيطريين، أن ذبح الأبقار والمواشي المصابة بمرض الحمى القلاعية لا يمثل خطورة على المواطنين، ففيروس الحمى القلاعية حساس للحرارة، ويتم القضاء عليه فور تعرض اللحوم أو الألبان لدرجة حرارة 70 درجة مئوية.

وزير الزراعة هو الآخر أكد أن الوزارة تتابع عن كثب تطورات الوضع الوبائي للحمى القلاعية في دول الجوار والأسواق الخارجية، قائلًا: نتابع الوضع الوبائي، وهناك منشورات بهذا الخصوص على مستوى العالم كله، بالإضافة إلى أن فترة الحجر الزراعي يتم خلالها مراقبة الحيوانات الموجودة، و”مافيش حيوان واحد بيدخل مصر مش سليم”.

د. أحمد زناته، طبيب الغدد الصماء و السكر، يقول إن مرض الحمى القلاعية للحيوانات لا يتداخل مع الانسان ولا يؤثر على البشر ولا ينتقل للإنسان إلا في حالات نادرة و لو حدث تكون أعراض خفيفة ويؤثر فقط على الحيونات في تقليل كميات الحليب وزيادة النفوق لديها، مضيفا أن الفيروس المسبب للمرض يفضل التكاثر في خلايا حوافر الحيوانات وفمها، وهي بيئة مثالية لنموه وفي حالة الإنسان، قد يحدث الإصابة عن طريق ملامسة مباشرة للحيوانات المصابة أو منتجاتها.

أضاف أن أعراض الحمى القلاعية لدى الإنسان تتمثل في الطفح الجلدي والحمى أو السخونية والتهابات بسيط في الفم وألم عضلي، وهي أعراض  خفيفة وتختفي من تلقاء نفسه خلال فترة قصيرة، ويتم تجنبها بالنظاقة الشخصية بعد التعامل مع الحيوانات أو منتجاتها الحيوانية.، وطهي اللحوم جيدًا لقتل أي ميكروبات قد تكون موجودة، والبعد عن شرب الحليب غير مبستر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة