"ضي".. لقطات شاعرية ورحلة عابرة للحكاية

أحد التجارب البصرية اللافتة في السينما المصرية المعاصرة. منذ مشاهده الأولى، نجد أننا أمام لغة سينمائية تعول على الإيقاع البصري أكثر من الحوار، وعلى تفاصيل الصورة أكثر من مباشرة السرد. في لحظات كثيرة، بدا الفيلم أقرب إلى قصيدة بصرية، حيث الضوء والظل يرويان ما عجزت الكلمات عن قوله، ورغم تعثر النص أحيانًا، فإن التجربة بأكملها تظل محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين المشاهد والحكاية عبر وسائط الصورة والإحساس.

رحلتي مع ضي

شاهدت بسينما زاوية مؤخرًا فيلم ضي "سيرة أهل الضي"، وهو من أكثر الأعمال التي كنت أنتظرها في 2025، الفيلم من بطولة بدر محمد، حنين سعيد، إسلام مبارك، وأسيل عمران، ومن تأليف هيثم دبور وإخراج كريم الشناوي. تحكي القصة عن ضي، طفل من أسوان، وُلد باضطراب وراثي نادر يُعرف بـ "الألبينو"، وهو نقص في صبغة الميلانين المسؤولة عن لون الجلد والشعر والعينين، ما جعل من ملامح "ضي" أفتح بكثير من المحيطين به، وغير حساسيته الشديدة تجاه الشمس وضعف في البصر؛ يجد، أيضًا، نفسه محاطًا بالتنمر والعزلة، غير أن صوته العذب يمنحه بصيص أمل؛ فيحلم بالوصول إلى برنامج The Voice ليحقق حلمه ويثبت أن اختلافه قد يكون طريقه نحو التفرد والنجاح.

تبدأ رحلة ضي حين تُدرك أسرته أن بقاءه أسير العزلة لن يحقق له شيئًا، فتقرر مرافقته من أسوان إلى القاهرة ليخوض تجربة المشاركة في برنامج The Voice.. ويتحول الحدث البسيط إلى مغامرة مليئة بالتحولات الإنسانية، حيث تبرز مشاعر الخوف والرجاء في كل محطة من الطريق، الرحلة لا تنحصر في بعد جغرافي، حيث تكشف عن عمق العلاقات داخل الأسرة، وعن كيف يمكن للحب أن يتغلب على الهواجس.

يوازن الفيلم بين الدراما التي ترصد آلام التنمر والعزلة، والكوميديا التي تمنح لحظات تنفس للمتلقي، ولا تغيب عناصر المغامرة أيضًا، إذ يضع الأبطال في مواقف متشابكة تعكس هشاشة الواقع وقوة الإرادة معًا.. غير أن البناء السردي يتعرض لعثرات في نصفه الثاني، حيث تتكاثر الصدف غير المقنعة وتُضعف منطقية الأحداث؛ هذا الخلل يجعل بعض المشاهد أقرب إلى التبرير القسري منه إلى التطور الطبيعي للقصة.

ومع ذلك، يبقى حضور الشخصيات وصدق الأداء عاملين يخففان من وطأة تلك الثغرات، كما أن المزج بين جماليات الصورة والموسيقى التصويرية ينجح في شد الانتباه حتى مع اهتزاز السيناريو. هكذا، يظل الفيلم معادلة تجمع بين الطموح الفني والمطبات السردية، ليترك لدى المشاهد أثرًا متباينًا يجمع بين الإعجاب والتحفظ.

اقرأ أيضًا:الكتابة كصورة.. الذاكرة البصرية في السرد المصري

أداءات تمثيلية مبهرة

منذ اللحظة الأولى، خطف الأنظار بدر محمد في دور "ضي"، رغم أنه طفل بلا تجربة سابقة في التمثيل، فإنه قدم أداءً يفوق التوقعات، وجسّد شخصية متناقضة ومزج بين البراءة والتمرد، والألم المغلف بروح الدعابة.. تحديات الأداء كانت صعبة، خاصةً مشاهد الانكسار، لكنه أظهر حضورًا يليق ببطل فيلم أول، وكُتبت شخصيته لتكون محورًا للأحداث، وما كان لنجاحها أن يتحقق دون صدق الأداء. هناك لحظات محددة شاهدتها، مثل مواجهة التنمر في المدرسة، أو لحظة الغناء على المسرح، كشفت عن قدرة الممثل الصغير على نقل المشاعر بوضوح، ما جعله نقطة قوة أساسية في الفيلم.

مشهد من فيلم ضي

أما دور الأخت التي جسدتها حنين سعيد وأضافت نكهتها الخاصة.. أداؤها لم يكن تقليديًا، إذ تميز بقدرتها على الموازنة بين الطابع الكوميدي والدرامي. وجودها بجوار "ضي" أعطى للعلاقة الأخوية عمقًا، فهي  داعمة له، وطرف يضطر للتعامل مع أزمات العائلة وتناقضاتها، ولحظات الجدال بينهما أحيانًا كانت أقرب للواقعية، وكأنك ترى شقيقين حقيقيين في بيت واحد. هذه العلاقة تعد بمثابة صمام أمان ضد الميلودراما الزائدة، فخففت من ثقل بعض المشاهد المؤلمة، والدور قد لا يكون طويلًا للغاية، لكنه ترك أثرًا عاطفيًا ممتدًا حتى نهاية الفيلم.

أما الأداء الأبرز والذي أحببته جدًا، فجاء من إسلام مبارك في دور الأم، والتي قدمت واحدًا من أهم الأدوار النسائية في السينما المصرية الفترات الأخيرة. الأم شخصية مركبة، تتأرجح بين الحماية المفرطة لابنها والخوف عليه، وبين الانكسار حين تدرك أنها تقيده بدلًا من حمايته. المشهد الذي جمعها بابنها في المستشفى كان صادقًا بشكل نادر، جعل القاعة بأكملها متأثرة، وانسكبت الدموع من عيني. استطاعت أن تحمل ثقل الدور وتقدمه بصدق داخلي، دون إفراط في الانفعال. لا يمكن الحديث عن الفيلم دون التوقف عند هذا الأداء، الذي وضع الأم في موقع البطلة الحقيقية للقصة، أكثر حتى من شخصية "ضي" نفسه.

أما أسيل عمران، التي لم يعتد الجمهور رؤيتها في السينما المصرية، برهنت على موهبتها من خلال إتقانها اللهجة الصعيدية بشكل فاجأ الكثيرين. أداؤها في دور المعلمة التي تقف بجوار "ضي" كان متوازنًا وهادئًا، مانحًا مساحة للتأمل في العلاقة بين المدرس والتلميذ.
لم يكن دورها شكليًا، بل شعرت أنه أساسيًا في رسم ملامح شخصية البطل ودفعه نحو الثقة بنفسه، ومن اللافت هنا أن المخرج كريم الشناوي اعتمد عليها في مشاهد طويلة ومعقدة، وهو ما يشير إلى ثقة كبيرة بقدرتها على الأداء، وعلاقتها بالفنان محمد ممدوح في النصف الثاني أضافت أبعادًا جديدة للقصة، ومنحت الفيلم مساحة من التنوع.

مشهد من فيلم ضي

أيضًا لعب ضيوف الشرف أدوارًا صغيرة لكنها مؤثرة، وظهور أحمد حلمي في أكثر من مشهد أعطى الشخصية التي يجسدها ثقَلًا إنسانيًا، ومحمد شاهين بدوره أضفى لمسة طبيعية. بينما كان لمحمد ممدوح الحضور الأكثر قوة من وجهة نظري، حيث جاء في منتصف الفيلم ليمنح السرد طاقة جديدة، إذ خلق توازنًا دراميًا وأدخل خطًا سرديًا إضافيًا بفضل أدائه القوي. أما الفنان الكبير محمد منير، فظهوره يعتبر تجسيد حي لفكرة الأمل والاختلاف والقدرة على الإلهام، وهو ما جعل لحظة ظهوره مؤثرة بشكل كبير.

اقرأ أيضًا: في بيتنا رجل.. الحدود الوهمية بين القفص والوسام

الصورة والكتابة

جاء الإخراج الذي قدمه كريم الشناوي غنيًا بصريًا، لكنه لم يستطع أن يعوض ثغرات السيناريو، ومن الناحية الجمالية، الصور كانت خلابة، خصوصًا مشاهد أسوان التي بدت وكأنها لوحات مرسومة بعناية.

استخدام الكاميرا كان موفقًا في التقاط تفاصيل الوجوه والمشاعر الداخلية؛ لكن هذه الجماليات اصطدمت مع نص يعاني من عدم التماسك في النصف الثاني بالأخص، واستطاع الإخراج أن يرفع من قيمة بعض المشاهد الفردية، لكنه لم ينجح في إنقاذ العمل من ترهل السرد؛ فالصورة تبدو أنيقة لكنها تخدم نصًا ضعيفًا في بعضه، وهو ما يترك لدى المتفرج إحساسًا بالفجوة بين الإتقان البصري والارتباك الحكائي، وهي فجوة تعكس غياب تصور بصري متماسك منذ لحظة تفكيك النص وبنائه على الشاشة.

حمل السيناريو، الذي كتبه هيثم دبور، في بدايته وعودًا كبيرة، ورسم شخصية "ضي" بشكل مقنع، وقدّم علاقاته بأسرته ومدرسته بتفاصيل صادقة؛ لكن مع تقدم الأحداث، بدأت تظهر مشكلة الصدف غير المنطقية، التي صارت هي العمود الفقري للنصف الثاني.. أحداث كاملة بُنيت على لقاءات عشوائية غير مقنعة، ما أضعف مصداقية الرحلة، كذلك لجأ السيناريو أحيانًا إلى الرسائل المباشرة التي تُلقى في الحوار بشكل وعظي، بدلًا من أن تُستنبط من الموقف، هذه المباشرة أضعفت من قوة التأثير، وجعلت بعض المشاهد تبدو مفتعلة، رغم أن أداء الممثلين بات قويًا بما يكفي لتقليل حدة هذا العيب.

وأرى أيضًا أن واحدة من أبرز سلبيات الفيلم هي سقف التوقعات المرتفع الذي صنعته الدعاية والسوشيال ميديا، فالجمهور دخل القاعة متوقعًا عملًا استثنائيًا يضاهي الضجة المصاحبة له، لكن ما وجدوه كان فيلمًا جيدًا، لا أكثر.

هذا التفاوت بين الانتظار والنتيجة خلق حالة من الإحباط النسبي، خاصةً لدى من بحثوا عن عمق فكري أكبر أو كتابة أكثر إحكامًا.. الرسائل، وإن كانت إنسانية وصادقة، جاءت أحيانًا مباشرة وسطحية، على سبيل المثال، فكرة الأمل والدعم الأسري كانت قوية، لكن طريقة تقديمها في بعض المشاهد بدت أشبه بمحاضرة تعليمية وليست حكاية تتطور طبيعيًا أمام أعيننا.

رحلة تبحث عن كمالها

يشترك الفيلم مع "من أجل زيكو" في فكرة رحلة الطريق نحو هدف كبير، والذي عُرض في 2022، بطولة الفنانة منة شلبي وكريم محمود عبد العزيز، وتدور قصته حول أسرة بسيطة تنطلق في رحلة عبر الطريق لمرافقة ابنها "زيكو" إلى مسابقة لاختيار "أذكى طفل في مصر".
خلال الرحلة يواجهون مواقف كوميدية وإنسانية تكشف عن معنى العائلة والأمل رغم صعوبات الحياة، وهو بدوره متأثر بالفيلم الأمريكي Little Miss Sunshine، عام 2006 ومن بطولة ستيف كاريل، توني كوليت، غريغ كينير، وآبيغيل بريسلين، وتتمحور قصته حول عائلة مفككة تنطلق في رحلة بطريق طويل لاصطحاب طفلتهم "أوليف" إلى مسابقة جمال للأطفال، وتكشف الرحلة الصراعات الداخلية لكل فرد، لكنها في النهاية تقربهم من بعض بشكل غير متوقع.

مشهد من فيلم ضي

لكن "ضي" يختلف عن الفيلم المصري من أجل زيكو في تقليله لجرعة الكوميديا، واعتماده أكثر على البعد الدرامي؛ هذا ما جعله أكثر جدية لكنه أقل خفة، ما قد لا يناسب كل الأذواق.. المقارنة هنا مهمة لأنها تكشف أن الفيلم لم يبتعد كثيرًا عن القوالب المعتادة، بل ظل أسيرًا لنفس المشاكل: المبالغة في الصدف، والتضحية بالمنطق من أجل إكمال الرحلة.. ومع ذلك، يبقى "ضي" محاولة لتقديم نسخة مصرية أكثر نضجًا، وإن لم تصل إلى الكمال الذي وُعِد به الجمهور.

وعلى مستوى الرسائل، ركز الفيلم على موضوعات إنسانية مثل الأمل، التصالح مع الذات، ودور العائلة في دعم الفرد.. ما أعجبني أن الدعم لم يُقدم بسهولة، بل جاء نتيجة نقاشات وصراعات داخلية واقتناع تدريجي، هذه النقطة أضافت واقعية، وأظهرت أن العائلة ليست مثالية منذ البداية، حيث تمر بمراحل شك قبل أن تتحول إلى داعم حقيقي.. لكن المشكلة أن السيناريو لم يستثمر هذه النقطة بالشكل الكافي، إذ اكتفى ببعض المشاهد المباشرة بدل التعمق في التحولات النفسية، والنتيجة أن الرسالة وصلت، لكنها لم تحمل قوة مضاعفة كما كان متوقعًا بالنسبة لي.

في المحصلة، يمكن القول إن ضي "سيرة أهل الضي" فيلم مؤثر على المستوى الإنساني، لكنه يعاني من عدم منطقية بعض الأحداث. أما الأداءات التمثيلية، خاصةً من إسلام مبارك وبدر محمد وبقية الشخصيات، رفعت من قيمته كثيرًا.
بينما أضافت الأغاني والموسيقى التصويرية لمسة جمالية عاطفية، الإخراج والتصوير بدوره قدّم صورًا خلابة لكنه أكرر لم يستطع إنقاذ القصة من ترهلها.. خرجت من الفيلم وأنا أشعر بالرضا، لكن مع يقين أنه كان يمكن أن يصبح أفضل بكثير لو استُثمرت الفكرة بعمق أكبر.. هو عمل يستحق المشاهدة، ليس للكمال الفني، ولكن للصدق الإنساني الذي يتسلل إلى قلبك.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة