رولا غانم: ابني أسير وأبي مُطارد.. والكتابة سلاحي للمقاومة (حوار)

في سردها ذي اللغة الشاعرية والتأملات الفلسفية، تغوص رولا غانم في أعماق شخصياتها، تتحدى العقبات وتكتب عن النساء القويات. تكتب عن أفكارهن ونجاحاتهن وقدارتهن على المثابرة والمواصلة، استطاعت عبر روايتها أن تحكي عن وطنها، فلسطين، عايشت الواقع بأحداثه ورسمت شخوصًا تعيش المعاناة عبر محطات فلسطين المأساوية، منذ النكبة وحتى الآن.

قالت الصغيرة: عندما أكبر/ سوف أُعلم القنديل كيف يكون الضوء أكثر رحمةً بالليل.
قال الصبي الخائف: عندما أسلب من ضعفي هذا حريته/ سوف أكسر بوابة السجن، وأجري في الحقول بحثًا عنكِ.

وصلت روايتها "تنهيدة حرية" مؤخرًا إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية 2025؛ تناولت فيها الهشاشة الإنسانية وكتبت شخصياتها بأسلوب شاعري به مسحة من الشجن. أخذتنا منذ بدء الرواية في رحلة مع الجدة سلمى، وحكايتها مع زوجها قبل التهجير. سلمى هي فلسطين -الوطن الأم- الذي تشرد وتشرذم أبنائه/ا، عبر سنوات الحرب والخراب والدمار، في حوارنا معها في فكّر تاني، 

الهوية..

كيف تصنع "انتفاضة الحجارة" ذاكرة كاتبة؟

بدأ شغفي بالكتابة منذ طُفولتي. نشأتُ في فلسطين، وفتحتُ عيني على الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة 1987-1993". أعرف منذ طفولتي ما هو الفقد والحزن، وأعرف معنى الدمار والقتل. من هنا بدأت التدوين، انشغلتُ بتوثيق القضية الفلسطينيّة في صورة خواطر ويوميات، ومع السنوات وثقتُ مشاعرنا الإنسانية كأبناء وبنات لهذه الأرض، حتى نشرتُ روايتي الأولى عام 2015.

 

البيئة الفلسطينية أثرت عميقًا في تكويني؛ فهي مُشبّعة بالتحديات والآلام اليومية التي يعيشها الفلسطيني منذ ولادته. كل هذه التحديات جعلتني أنظر إلى الأدب بمنظور مختلف؛ ليس فقط مساحة للتعبير، بل هو أيضًا للمقاومة والصمود، وحفظًا للذاكرة في مواجهة محاولات الطمس والتهميش. حكايات النكبة والتهجير والصمود عززت هويتي ككاتبة تدون أحلام مجتمعها ونضاله اليومي.

الرواية..

كيف يولد الأمل من رحم المعاناة؟

تحديات كثيرة واجهتني وما زالت. أحاول تجسيد معاناة بلدي وأحمل همومه، فنحن - أبناء هذا البلد وبناته - أخذنا على عاتقنا مداواة جراح الوطن بما نغرسه من أمل وعزيمة وصمود. كتبتُ رواياتي الأخيرة أثناء حرب غزة، وما نعيشه من قتل ودمار برصاص قوات الاحتلال. لذلك، حاولت جاهدة توثيق هذه الحرب لتثبيت جذور الأمل والمقاومة التي غُرست داخلنا، وعدم الخنوع للعدو مهما واجهنا من ظلم وإبادة.

اللجوء والأسرى والمرأة.. ثلاثية الوجع الفلسطيني في كتاباتك

أحرص دائمًا على الكتابة عن اللجوء وحلم العودة إلى الديار، وكذلك عن الأسرى فالحديث عنهم ضرورة وواجب إنساني وأخلاقي. الشعب الفلسطيني يتعرض لممارسات قمعية وحشية داخل سجون الاحتلال.

كذلك، سلطتُ الضوء في رواياتي على معاناة المرأة الفلسطينية والقهر الاجتماعي الممارس ضدها؛ فالمجتمع يعطي مساحة للرجل أكثر ويبرر أخطاءه، بينما يحاصر النساء ولا يغفر لهن، وفق ثقافة وأعراف سائدة.

أنا منحازة للمرأة، أُعزز صمودها وأدعوها عبر كتاباتي إلى عدم الخضوع والخروج من دائرة الصمت.

من أبي المُطارد إلى ابني الأسير.. لماذا شخصياتكِ من عمق الوجع؟

أبطالي هم أبناء وبنات فلسطين، هم نساء بلدتي وأهلي. أغلب شخصياتي من النساء ترمز إلى الوطن الأم، لكن معظمها شخصيات واقعية. "عبد الله" في رواية "البطل الأخضر" هو أبي "خالد"، الذي تشتت حياته ونُفي عنوة إلى الأردن وظل مطاردًا من قِبل قوات الاحتلال.

الوجع شخصي جدًا. أغلب المجتمع الفلسطيني تعرض وما زال يتعرض للأسر والاعتقال؛ إخوتي تعرضوا للأسر طوال حياتهم، كما أن ابني أسير بأحد المعتقلات الإسرائيلية منذ أعوام، ويتعرض لكافة أشكال القمع والتعذيب وأصيب بعدوى الجرب. لذا، أنا أدرك تمام الإدراك شعور الأمهات الفلسطينيات، فأنا محرومة مثلهن من الاستماع إلى صوت ولدي والاطمئنان عليه. أنا مهمومة بهذه البيئة لأنني ابنتها.

في مجتمع ذكوري..

هل ما زالت المرأة الفلسطينية تصطدم بالتابوهات؟

أنا منحازة للمرأة، أُعزز صمودها وأدعوها عبر كتاباتي إلى عدم الخضوع والخروج من دائرة الصمت للحفاظ على كيانها وكرامتها.

ما زلنا نواجه القيود. على مستوى الكتابة الإبداعية، يجد الرجال مساحات كبيرة وحرية في التعبير، أما نحن النساء فنصطدم بما يطلبه المجتمع من حياء وخجل. عندما أقترب في كتاباتي من المناطق المحرمة أو التابوهات، أخجل من الغوص في التفاصيل عكس الكاتب الرجل؛ فالمجتمع العربي ما زال "ذكوريًا".

حدّثينا عن طقوس الكتابة حين تفرض الحرب إيقاعها على الإلهام

أحب الغوص والتغلغل داخل أعماق الشخصيات؛ كينونتها ومكنوناتها وخلفياتها النفسية والاجتماعية. لذلك تتعدد شخوص رواياتي ما بين ضحايا أبرياء وغير أبرياء، وأقوياء وضعفاء.

في الحقيقة، لا أضع خطة أو جدولًا زمنيًا للكتابة الروائية؛ فالكتابة هي حالة شعورية تحتاج إلى مزاج نفسي جيد وطقس مناسب. لكن خلال حرب غزة الأخيرة، لجأتُ إلى التوحد مع قلمي، فأصبح لدي زخم روائي من توثيق مشاعر شعبي وجراح وطني، ما أسفر عن رواية "تنهيدة حرية"، وسترى رواية أخرى النور قريبًا.

أما عن أسلوبي، فدائمًا ما أستخدم ضمير الغائب "هو/هي"، فلا يستهويني ضمير "الأنا" إطلاقًا، كما أستخدم الحبكة الاسترجاعية (الفلاش باك). فبمجرد أن تبزغ فكرة الرواية في ذهني وتسيطر أحداثها على وجداني، أعيش الحالة الشعورية المُلحة وأبدأ بالتدوين حتى النهاية.

الأدب قادر على إحداث التغيير، وقد لعب دورًا كبيرًا في نقل الواقع الفلسطيني.

"عناق على حاجز إيريز".. هل يمكن للحب أن يكون مقاومة؟

نعم. قصدت أن تكون ثيمة الحب رمزًا للمقاومة والصمود، وأن أبرز رسالة مفادها أن المناضل أو المقاتل الفلسطيني يمتلك قلبًا يشعر بالحب مثل أي إنسان طبيعي، فهو بشر من لحم ودم. نحن الفلسطينيين نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا.

"تنهيدة حرية".. كيف حبس النثر الشعري أنفاس القراء؟

اعتمدتُ على تقنية الفلاش باك كما في غالبية رواياتي، لكن الجديد في هذه الرواية هو استهلال كل فصل بأبيات نثر فلسفية وشاعرية. رغبتُ بتحفيز القارئ وتشويقه لمتابعة الأحداث عبر هذا النثر الذي يلامس وجدانه وقلبه ويجعله يستمر بالقراءة. أرى أنني تمكنتُ عبر هذا التكنيك السردي من حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وجعله يتنفس بحرية مجددًا عبر "التنهيدة الأخيرة"، أي تنهيدة الحرية.

حين يصقل العلم الموهبة

من مقاعد الدراسة لمنصة التدريس.. كيف كانت رحلتك الأكاديمية؟

لا شك أن الدراسة الأكاديمية أصقلت موهبتي الأدبية، زادت من خبراتي ومنحتني التمكن من الأساليب والأدوات الإبداعية.

كانت تجربة التدريس في جامعة النجاح الوطنية، التي درستُ بها وحصلتُ منها على البكالوريوس والماجستير، مختلفة جدًا. كنت أقف كمُحاضِرة في نفس المدرجات التي جلستُ فيها طالبة، أتأملها وأسترجع ذكرياتي، فهذا المكان له حضور قوي داخل وجداني.

لم يحالفني الحظ بعد للتدريس خارج فلسطين، لكنني أتمنى ذلك وأسعى للهجرة والعودة حين تستقر الأوضاع.

هل يستطيع الأدب فعلًا إحداث تغيير في الواقع الفلسطيني؟

بالتأكيد. الأدب بصفة عامة قادر على إحداث التغيير، وقد لعب دورًا كبيرًا في نقل الواقع الفلسطيني، والحفاظ على الهوية والثقافة، وحفظ الذاكرة الجماعية. كما ساهم الأدب النسوي في بلورة الوعي الوطني للنساء، والدعوة إلى رفع الظلم والاضطهاد، والتعبير عن معاناة الشعب بكل مصداقية.

من كل الجوائز.. لماذا جائزة غزة هي الأقرب لقلبك؟

جائزة المرأة المبدعة لعام 2022 التي حصلت عليها في غزة. كانت المرة الأولى التي تطأ قدماي أرض غزة الحبيبة، وأرى أهلي وعشيرتي بالشق الآخر من الوطن. شعرتُ بسعادة غامرة لا توصف، ولذلك هي أقرب الجوائز إلى قلبي من تلك التي نلتها في مصر أو تركيا أو الأردن أو العراق.

الرواية تتسع لهمومنا وأحلامنا، وتمنحنا اكتسابًا معرفيًا متنوعًا، ومتنفسًا بعيدًا عن روتين الحياة اليومي.

حلم وطن يتسع للجميع

من الرواية إلى القصة القصيرة.. لماذا تصرين على السرد الطويل؟

حقيقةً، لم أرغب أو أفكر بكتابة القصة القصيرة قط. ربما يعود ذلك إلى أنني اعتدت منذ طفولتي على تدوين الأحداث اليومية بكل تفاصيلها. اختزال وتكثيف الأحداث شرط رئيس في القصة القصيرة، على نقيض الرواية التي هي سرد نثري طويل وأكبر الأجناس الأدبية، وهي منظومة تتسع للكثير من القضايا والأحداث والرؤى.

لماذا ينحاز القارئ العربي للرواية في عصر السرعة؟

ربما لأنها تتسع لهمومنا وأحلامنا، وتمنحنا اكتسابًا معرفيًا متنوعًا. هي أيضًا متنفس للقارئ بعيدًا عن روتين الحياة اليومي، حيث يتقمص أحداث الرواية وشخوصها وكأنها حياة جديدة يعيشها مؤقتًا.

من الورق إلى الشاشة..

هل تفقد الرواية قيمتها بتحويلها إلى عمل سينمائي؟

كل كاتب يحلم بمشاهدة عمله متجسدًا على شاشة السينما أو التليفزيون.

لا أرى أن التحويل السينمائي يفقد العمل قيمته الأدبية، بل على العكس، هو يحيي أحداث الرواية ويوثقها بصريًا. لكنني لن أشارك في كتابة السيناريو، فقد حاولت سابقًا ولم أجد الشغف، وسأوكل هذه المهمة إلى سيناريست محترف.

لماذا تصرين على ترجمة أعمالك؟ وما الرسالة التي تريدين إيصالها للعالم؟

الترجمة تنشر رسالة الرواية إلى العالم أجمع. الرسالة التي أرغب في إيصالها هي تأكيد الهوية الوطنية، وتوثيق ذاكرة الشعب الفلسطيني، ونقل معاناته إلى العالم. وقد تُرجمت روايتي "نبضات محرّمة" بالفعل إلى الإنجليزية وتباع حاليًا في جميع أنحاء العالم.

في ظل الظروف الراهنة.. كيف ترين مستقبل الأدب الفلسطيني؟

مستقبل الأدب الفلسطيني في صعود مستمر، وسيكون أكثر ازدهارًا. لقد قدم الكُتاب والكاتبات الفلسطينيون إنتاجًا غزيًرا خلال السنوات الفائتة لتوثيق الحروب ومعاناة الشعب. لقد قدمنا، ككاتبات، ملاحم إبداعية ساهمت في توصيف الحالة الشعورية للشعب المكلوم، وأنا واحدة منهن.

ما هو مشروعك الأدبي القادم؟

أحلم برسم خريطة تتسع لنا جميعًا، وطن لا نهرب منه ونعيش فيه بأمان. قريبًا سيتجسد هذا الحلم على الورق. أما المسودة التي أعمل عليها حاليًا فهي رواية عن المخيمات الفلسطينية واللاجئين، وقريبًا سترى النور.

ما نصيحتك للكتاب الفلسطينيين الشباب لمواصلة الإبداع؟

نصيحتي لهم هي التركيز على القراءة باستمرارية؛ فهي التي تنمي الموهبة وتصقل اللغة وتخلق معجمًا إبداعيًا خاصًا بالكاتب. بالإضافة إلى ضرورة حضور الندوات والمؤتمرات الأدبية، وعدم غلق أية نافذة إبداعية مفتوحة أمامهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة