قرابين "المتحدة".. 5000 عامل على مذبح الإفلاس

قد تبدو المسافة قصيرة على الخريطة بين مدينتي قويسنا بالمنوفية وبنها بالقليوبية، لكنها طويلة جدًا في صباحات "مي" عاملة الشركة المتحدة للصيادلة، حين تخوضها يوميًا ذاهبًا وإيابًا إلى مقر عمل، يبدو في مراحل انهياره الأخيرة، حيث يدفع من بقى من العمال كل الأثمان أولًا.

"مرتبك هيبقى 2900 جنيه.. احنا في أزمة"؛ هكذا، أُبلغت بقرار تخفيض أجرها هي و5000 آلاف غيرها من عاملا وعمال، يجدون أنفسهم اليوم، على شفا جرف هار، ينهار بأكبر كيان لتوزيع الأدوية في مصر، مهددًا إياهم بهبوط إلى بطالة وتشريد، أو بقاء مؤقت، يكونون فيه عالقين في ثوب مرقع، من رواتب هزيلة وحقوق ضائعة.

حكايات القهر اليومي

تروي "مي" كيف أن سنوات خدمتها الطويلة تبخرت أمام قرار إداري واحد، وأن الصدمة لم تكن في تخفيض الراتب فحسب، بل في طقس الإذلال اليومي الذي فرضته الإدارة. تقول: "ييجبرونا على الحضور يوميًا والتوقيع، رغم أن المخازن فاضية وما فيش شغل".

هذا الإصرار على الحضور هو مجرد وسيلة لزيادة الضغط، خاصةً مع رفض الإدارة المتعنت لنقل "مي" إلى فرع أقرب من بيتها، في فعل قاسٍ يضمن أن نصف راتبها سيتبخر في المواصلات قبل أن يصل إلى يديها.

هيكل الأجور في الشركة نفسه لم يكن يومًا ذي أي تفاصيل إنسانية، فوفق ما شهد به العمال لـ فَكّر تاني، لا حوافز، ولا بدلات، ولا أرباح طوال 17 عامًا. "حتى الإجازات، وهي حقنا القانوني اتحولت في الفترة الأخيرة لسلاح بيُستخدم ضدنا"؛ تقول "مي".

في مارس الماضي، احتشد المئات من زملاء "مي" في وقفة احتجاجية بعد انقطاع الرواتب لشهرين، في صرخة لم تجد من يسمعها، روى "محمود قلشة" فصلًا منها. فبعد 15 عامًا من العمل، تعرض هذا العامل لحادث سير أثناء تأدية مهامه، نتج عنه كسر في فقرات رقبته. لكن حتى هذا الجسد المنهك لم يشفع له؛ عاد إلى العمل بينما لم يكن تعافَ كليًا.

احتجاج عمال شركة المتحدة للصيادلة (وكالات)
احتجاج عمال شركة المتحدة للصيادلة (وكالات)

عاد، فقط ليضمن راتبه الذي لم يتجاوز يومًا 5000 جنيه.

لكنه حين عاد تلقى طعنته. تسلم 1800 جنيه فقط عن راتب شهر يوليو بفعل التخفيضات. "الإدارة تستقطع منا حصة التأمينات شهريًا، لكنها لم تسددها للدولة منذ عامين"؛ يقول "قلشة"، كاشفًا كيف أن هذا الفعل حرمهم من تجديد بطاقاتهم الشخصية، وجمد كل مستحقاتهم التأمينية، وحولهم إلى مواطنين بلا حقوق.

"هاني عويس" آخر أقعده حادث عمل في فراشه، ففقد راتبه اقتصاصًا مستمرًا على مدار شهور، قبل أن يتسلم 2100 جنيه فقط في يوليو. يقول إن الاستراتيجية الممنهجة التي اتبعتها الشركة لتجاوز أزمتها لم تراع أي عامل لديها، حيث تم التخلص من 15 ألف عامل على مدار السنوات الماضية، ليتقلص العدد من 20 ألفًا إلى 5000 فقط، مطلبهم اليوم واحد، واضح وحاسم: "إما أن تصرفوا أجورنا ومستحقاتنا كاملة، أو صفوا الشركة واعطونا حقوقنا".

إمبراطورية المتحدة.. مليارات على الورق

خلف هذه المعاناة الإنسانية، تقف قصة انهيار مالي مروع لإمبراطورية كانت يومًا تقدر أصولها بنحو 9 مليارات جنيه، وهي تركة هائلة من المقرات الإدارية والمخازن والعقارات الموزعة في أنحاء الجمهورية.

هذه الثروة تحولت إلى مجرد أوراق ضامنة لقروض وتسهيلات بنكية، في رهان خاسر قاد الشركة إلى حافة الإفلاس.

فمنذ عام 2022، بدأ جبل الديون في التراكم ليتخطى حاجز الملياري جنيه، بعد أن كانت الشركة تحقق مبيعات شهرية تقدر بـ 3.2 مليار جنيه. وفي سبتمبر 2024، أعلن أيمن حسام عمر، أحد ورثة المؤسس، عن تسوية مع البنوك بقيمة 2.5 مليار جنيه، لكنها كانت محاولة يائسة لم توقف النزيف.

الشركة المتحدة للصيادلة (وكالات)
الشركة المتحدة للصيادلة (وكالات)

لاحقًا، سرعان ما بدأ الخناق يضيق قضائيًا، في سلسلة من القرارات التي كتبت فصول النهاية:

- مارس 2025: أصدرت المحكمة الاقتصادية قرارها كضربة قاصمة، فوضعت الشركة تحت الرقابة، ومنعتها من التصرف في أصولها، وشكلت لجنة خبراء لإعادة الهيكلة.

- أبريل 2025: انضمت بنوك كبرى مثل "الإمارات دبي" و"كريدي أجريكول" إلى طابور الدائنين، لتزيد الضغط على الشركة المنهارة.

- 20 يوليو 2025: قررت المحكمة استمرار الحصار المالي والقضائي، وأجلت قرارها النهائي بشأن مصير الشركة إلى جلسة 19 أكتوبر القادم، مبقيةً على مصير 5000 أسرة معلقًا بخيط رفيع من الأمل والترقب.

صرخة حقوقية في وجه العبث

دار الخدمات النقابية والعمالية
دار الخدمات النقابية والعمالية

لم يمر هذا السقوط المدوي بصمت. فقد وصفت "دار الخدمات النقابية والعمالية" ما يحدث بأنه "انتهاك صارخ للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال". وأطلقت الدار صرخة تحذير من محاولات الإدارة "الدنيئة" لإجبار العمال المحالين للمعاش على التوقيع على إقرارات بالتنازل عن مستحقاتهم التي لم يتسلموها، في محاولة لسرقة تعب العمر.

وقد وجهت الدار نداء استغاثة عاجلًا إلى وزارة العمل والجهات المعنية لوقف هذا "العبث" بحقوق العمال، مطالبةً بتدخل فوري لضمان صرف الأجور المتأخرة، وتسوية أوضاع المتقاعدين، وسداد المتأخرات التأمينية، وفتح تحقيق شفاف في مصير أصول الشركة التي تبددت.

وهكذا، فإن الإمبراطورية التي أسسها الدكتور حسام عمر عام 1996، والتي قامت على تجارة الدواء وتقديم الخدمات الطبية، تجد نفسها اليوم حطامًا، شاهدةً على انهيار لم يترك خلفه سوى ضحايا من لحم ودم، أفنوا أعمارهم في بنائها، ليجدوا أنفسهم اليوم أول من يدفع ثمن هذا السقوط.

6 تعليقات

  1. دا جزء من الحقيقه ونحن 4000 اسره وليس عامل ونرجوا من سيادتكم نشر وإظهار الحقيقه بأكبر صوره ممكنه
    وخالص الشكر على نشر الخبر

  2. والله محد حاسس بالمعاناة الاحنا فيها مباناش عارفين نجيب منين اكل وسكن واولاد وديون ياريت حد يجبلنا حقوقنا مش بس الماديه المعناويه والنفسيه من العالم دي

  3. حجاج المسؤل عن شؤن العاملين يقوم بالتعامل مع الموظفين كأنهم خدم عنده ولم يقم باعطائهم المستحقات المالية الخاصة بهم

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة