حين أدار رمسيس ظهره للميدان.. وبقي ظلّه

تمثال رمسيس في الميدان الذي سُمي باسمه (وكالات)كانت مروحة السقف تدور ببطء في الصالة، تبعث هواءً خفيفًا بالكاد يزيح حرارة اليوم، وأنا على كرسي الخشبي جالسة، أنقل ما كتبته معلمة الدروس الخصوصية في كراسة الواجب. كانت الدروس الصيفية طقسًا ثابتًا قبل نهاية الإجازة، نستبق به العام الدراسي الجديد قبل أن يدق جرسه الأول. القلم بين أصابعي، والواجب على ركبتي، والتلفزيون في الخلفية صوتًا مرافقًا لي يؤنسني.

في ذلك المساء من صيف 2006 في بيتنا بمحافظة الغربية، كانت نشرة التاسعة على القناة الأولى تبث خبرًا غريبًا مُربكًا: "تمثال الملك رمسيس الثاني يغادر ميدانه بالقاهرة، ويتجه في رحلة جديدة تمهيدًا لنقله إلى المتحف المصري الكبير".

لم يكن الاسم جديدًا عليّ. كنت أعرف رمسيس من زياراتنا المتكررة إلى القاهرة في طفولتي، حين كنا نقضي بعض أسابيع الصيف في بيت عمتي بغمرة.

كان التمثال حاضرًا في كل تلك الرحلات، كأن المدينة تبدأ منه. صورته مطبوعة في رأسي، لا من كتاب التاريخ، بل من تفاصيل كثيرة تبدأ من الزجاج المعتم لعربات القطار، أو من السيارات التي كنا نطل منها كلما اقتربنا من الميدان، وتكتمل عند أرجل الناس المسرعين في الميدان.

كان صوت المذيعة عاديًا، لكن الكلمات التي قالتها لم تكن كذلك. شعرت فجأة بأن المدينة تترنح، وكأن حجر أساسٍ أُزيح من مكانه فاختل التوازن. لم أفهم تمامًا ما الذي يعنيه أن يُنقل تمثال، لكنني شعرت بانقباضة غريبة، وكأن تفصيلة أساسية من صورة أعرفها منذ الطفولة تُمحى فجأة.

أنا أول العارفين برمسيس

لم يكن رمسيس بالنسبة لي قطعةً صامتةً في منتصف الزحام. كان علامةً تشبه العناق الأول بعد سفر طويل، كان أول ما نراه عند الوصول، وصوته الصامت يقول لنا: هنا القاهرة كما كنا نسمعها في الراديو.

أنا أول العارفين به...

هيئته كانت تطمئنني أن كل شيء على ما يرام. أنظر إلى المدينة الآن من دونه، فأراها باهتة، لا تشبه نفسها، كأنها فقدت لهجتها التي ألفناها.

أحسست وقتها أنني أودّع فصلًا من حياتي دون إنذار، وأني - رغم صغر سني - أدرك تمامًا أن ما يرحل بهذه الطريقة لا يعود كما كان.

لم يكن رمسيس تمثالًا فقط… كان أول من يستقبلني في كل صيف، وها أنا، الطفلة التي تنتظر سفرها الصيف القادم إلى بيت العمة، ولن أجد الملك في انتظاري.

لم أستطع أن أمنع نفسي من الرجوع إلى تلك المرة التي أنقذني فيها وأنا طفلة صغيرة... حين ضعت، وكان هو دليلي الوحيد.

التماثيل لا تمشي، لكنها تعرف مكانها. وأنا، الطفلة التي ضاعت ذات يوم في زحام القاهرة، كنت أعرف أن مكاني الوحيد عند قدميه.

رمسيس.. يا قبلة النجاة

كنت في السابعة، أو ربما أكبر قليلًا، حين تهتُ لأول مرة في القاهرة. كنا قد أنهينا مشوارًا إلى العتبة، وركبنا ميكروباصًا للعودة إلى بيت عمتي في غمرة، وأنا بصحبة اثنتين من عماتي، والنهار بدأ اسنحابه البطيء، والمدينة تنفخ حرارتها الأخيرة مع غروب الشمس.

بدا الزحام حينها خانقًا لدرجة أن السائق لم يكمل الطريق، فترجّلنا في منتصفه قرب محطة رمسيس.
وسط الحشود، كنتُ أمسك بيد عمتي، أو هكذا ظننت، حتى انتبهتُ أن الكف التي أتشبث بها لم تكن كفها.

يد سيدة غريبة تشبهها من الخلف، حينما استدارت، تجمّدتُ في مكاني. لم تكن هي. لم تكن أيًا منهن. قرع قلبي صدري في صمت، والوجوه حولي بدت كلها متشابهة.

لم أصرخ، فقط وقفتُ أرتجف، لا أعرف إن كنتُ واقفةً أم عالقةً في حلم سيء. لكن شيئًا داخلي انتبه، فكرة صغيرة أضاءت كمنارة نجاة: "رمسيس".

ركضتُ كمن وجد طريقه. كنتُ أعرف أن التمثال لا يتحرك، وأنه سيبقى حيث هو، وإن كانت عمّاتي يبحثن عني فسيأتين إليه حتمًا. كان بالنسبة لي أمانًا من نوع خاص، لا يحتاج لصفارة شرطي أو صوتٍ عالٍ، يكفي أنه واقف في مكانه منذ الأزل.

عند قدميه.. طفلة تُصلي

وقفتُ عند قدميه، خلف السور الحديدي القصير، أتابع الناس وهي تمر، وأراقب حركة التاكسيات والحمام وهو يدور في حلقات واسعة، محاولةً أن أبدو واثقة وأنا أجهل ما أفعل.

لمحني شرطي شاب كان يقف قرب التمثال، فاقترب وسألني إن كنتُ وحدي. أومأتُ برأسي، دون أن أبكي. تحدث عبر جهاز اللاسلكي بلهجة سريعة: "في طفلة واقفة عند رمسيس، شكلها تايهة".

وبعد لحظات، جاءه الرد: "في سيدتين بيسألوا عن بنت صغيرة ضاعت منهم في الزحمة".

لحظتها، شعرتُ بشيء يشبه الرجاء والاطمئنان. وقفتُ إلى جانب الشرطي، أراقب العيون التي تمر، وأبحث عن أي وجه أعرفه. لم يطل الانتظار.

رأيتُ عمتي تلوح من بعيد، تندفع نحوي بلهفة ولهاث. احتضنتني بقوة، كأنها تستعيد جزءًا من روحها، وقالت وهي تلهث: "يا بنتي كنتِ فين؟!".

أشرتُ إلى التمثال، وقلتُ بثقة طفلة تعرف ما تفعل: "كنت مستنياكم هنا، عند رمسيس".

ضحكت عمتي، ثم بكت. وفي عينيها لمحتُ دمعة، ليست دمعة خوف فقط، بل امتنان. كأن المدينة، رغم فوضاها، ما زالت تحفظ عهودها لمن يعرف رموزها.

منذ ذلك اليوم، لم أعد أراه كتمثال فحسب. صار رمسيس علامة لا تخطئها روحي، إشارة خفية أعرف بها أنني لست ضائعة، لا في الشوارع، ولا في الحياة.

"كراريس الفجالة"

بعد انتهاء إجازتي الصيفية في القاهرة، كانت رحلة العودة من بيت عمتي بغمرة إلى بيتنا في الغربية تحمل طقوسًا لا تتغير. كأننا نودّع المدينة على طريقتها الخاصة، بشيء من العرق والورق والحبر.

كل نهاية صيف، كنا نمر على الفجالة. لم يكن الأمر مجرد تسوق، بل طقسًا سنويًا مهيبًا نبدأ به عامًا دراسيًا جديدًا. كان أبي يعرف الطريق إلى الفجالة جيدًا، وكأنه يسير نحو طقس عائلي محفوظ. وكنتُ أنتظر تلك اللحظة بشغف، لأنني لا أشتري مجرد كراريس، بل أختار أدواتي التي سترافقني لعامٍ كامل.

كنتُ أختار أجود الأنواع، أغلاها إن لزم الأمر، ما دامت تميزني بين زميلاتي. أغلفة ملونة، وكراسات ثقيلة لا تمرّر الحبر، وأقلام برأس مدبب، وممحاة لا تترك أثرًا.

كل شيء كان يُختار بعناية، لأنني أؤمن أن العام الدراسي يبدأ من هنا، من الفجالة، من يد أبي التي تمتد لتدفع للبائع، ومن ابتسامته وهو يقول: "تكفيكِ طول السنة يا بنتي".

ملكنا في زحام القاهرة دليل

في كل مرة، كانت الرحلة تمر عبر ميدان رمسيس. لم نكن نحتاج أن نسأل عن الطريق، فالتمثال كان هناك، ثابتًا كأنما يسند القاهرة كلها على كتفيه العريضين. من حوله، كان الترام يلقي بالناس على عجل، والقطارات تُفرغ حمولتها البشرية على الأرصفة المجاورة، والميكروباصات والأتوبيسات تدور حوله كما تدور الكواكب حول نجمٍ ساكن. وكانت التاكسيات تمر بمحاذاته، تتوقف فجأة، وتدوي منها مناداة السائقين، والناس تسرع أو تتباطأ تحت عينيه الحجريتين، دون أن يلتفت أحد إلى أنه لا يغمضهما أبدًا.

الباعة الجائلون كانوا يفرشون بضائعهم من مناديل ورقية وجرائد ونظارات شمسية، يتحركون كأسراب حول حجر عتيق. وحتى حين كانت المحافظة تشن حملاتها لإخلائهم، كانوا يعودون في اليوم التالي، ويختبئون بحذر في ظلّه، كأنهم يعتقدون أن رمسيس نفسه يحميهم.

كنا نمر به في طريقنا إلى الفجالة بعد النزول من الترام، ثم نمر به مجددًا في طريق العودة إلى محطة القطار. وفي المرتين، كنتُ ألتصق بالزجاج، أنظر إليه وكأنني أودّعه دون أن أنطق.

لم أكن أعرف لماذا أشعر بهذه العاطفة تجاه تمثال، لكن شيئًا ما في هيبته، في صمته، كان يجعلني أرتب أفكاري. كنتُ أحلم وأنا أراه أنني سأكبر وأعيش في القاهرة، وربما أمر به كل يوم، كأنه جار قديم نلقي عليه التحية في طريق المدرسة. وعند محطة القطار، كان آخر ما نراه هو رأس رمسيس من بعيد، يلوح كأنه يقول لي: "في انتظارك الصيف القادم".

رمسيس.. يا أول الوجوه

لم أكن وحدي في حكايتي مع رمسيس. كثيرون سبقوني إلى لقائه، قبل أن يتعرفوا حتى على ملامح القاهرة الأخرى.

القادمون من الصعيد، ومن الوجه البحري، من قرى بعيدة ومراكز نسيها الزمن، كانوا جميعًا ينزلون في المحطة ذاتها، ويقفون تحت التمثال نفسه.

كان هو أول وجه يُقابلهم، أول نظرة تقول لهم: "هذه هي القاهرة". يستقبلهم، فلا يسأل عن أسمائهم، ولا يطلب تصريحًا للعبور.

القادمون من الجنوب، ومن مدن الشمال، أولئك الذين تركوا قراهم ومدارسهم ومقاهي الطين، كانوا يهبطون من القطار بعينين متسعتين وقلوب مشدودة. وبمجرد أن تلامس أقدامهم رصيف محطة مصر، كانوا يرفعون رؤوسهم نحو الخارج، في انتظار علامة تقول لهم إنهم وصلوا: تمثال رمسيس.

لم يكن أحدٌ يحتاج إلى خريطة. كان يكفي أن تسأل عن الميدان، عن التمثال، عن "كلوت بك". هذا الشارع الطويل، الممتد على حافة الميدان، كان يعجّ ببنسيونات صامتة تفتح أبوابها للمغتربين بلا أسئلة كثيرة.

غرف ضيقة، بكل منها سرير معدني ومروحة لا تدور إلا إذا ناديتها، لكنها كانت كافية لتبدأ بها حكايتك مع المدينة. من هناك، تبدأ الحياة.

كل المغتربين يمرّون من هنا. أولئك الذين جاؤوا من المحافظات البعيدة بحثًا عن فرصة، أو مقعد دراسة، أو بداية جديدة، وجدوا في رمسيس ظهرًا يستندون إليه. في شارع كلوت بك، احتضنت غرف البنسيونات أولى لياليهم في المدينة. الطلبة، والعمال، ومن وصلوا بحقيبة صغيرة وأحلام كبيرة، جميعهم اتخذوا من التمثال بوصلتهم، ومن الميدان عنوانًا دائمًا، حتى وإن بدّلوا سكنهم أو غيروا طريقهم.

"نتقابل فين؟ عند رمسيس". جملة لم تكن بحاجة إلى توضيح. لم يكن هناك "فين بالضبط؟" أو "جنب إيه؟". لأن الكل يعرف أن رمسيس، في قلب الميدان، لا يتحرك، ولا يخذل.

كان التمثال يعرف وجوههم، يراهم وهم يصلون لأول مرة بحذاء مرقّع أو حقيبة متهالكة، ثم يراهم بعد شهور بملابس أنيقة وخطوة واثقة. لكنه يظل واقفًا، لا يصفّق لنجاحهم، ولا يعبس لفشلهم. فقط يراقب. وهذه وحدها كانت كافية.

حين أشرق من تحت التراب

قبل أن يصير علامةً يتجه الناس إليها، وقبل أن تصير ملامحه مرتبطةً بذاكرة مدينة كاملة، كان رمسيس الثاني مغمورًا تحت تراب الزمن في منطقة "ميت رهينة" قرب منف، عاصمة مصر القديمة.

عام 1882، وبينما كانت بعثة آثار بقيادة العالم الإيطالي جيوفاني باتيستا كافيليا تقوم بأعمال تنقيب، ظهر وجه الملك من قلب الطين - تمثالٌ ضخمٌ من الجرانيت الوردي، يقترب طوله من 11 مترًا، بجسدٍ كاملٍ يقف شامخًا، تم نحته قبل أكثر من 3200 عام.

لم يكن مكتملًا تمامًا، لكن عظمته لم تكن بحاجة إلى اكتمال.

ظلّ التمثال هناك، في أرضه الأولى، لسنوات طويلة. كان الزوار يقصدونه في مكانه المفتوح وسط الحقول، تحت سقيفة خشبية بدائية. وقف هناك، صامتًا وسط النخيل والتراب، كأنه لم يقرر بعد إن كان يريد العودة إلى المدينة.

وفي الخمسينيات، ومع تصاعد حلم الدولة الحديثة بعد ثورة يوليو، كانت هناك رغبة في زرع رموز الحضارة الفرعونية في قلب العاصمة، وإعادة تذكير المصريين بجذورهم. فجاء القرار: سيُنقل تمثال رمسيس الثاني إلى قلب القاهرة، إلى ميدان كبير بجوار محطة القطارات، حيث يراه كل الناس، من كل الفئات والطبقات.

80 طنًا من البهاء

عام 1955، بدأت عملية النقل المعقدة من منف إلى الميدان. لم تكن الرحلة سهلة، فقد بلغ وزن التمثال أكثر من 80 طنًا، وجُرَّ على عربة ضخمة عبر طرق طويلة، وسط احتفاء رسمي وشعبي.

عندما وُضع في الميدان، بدا وكأن المكان كان ينتظره منذ سنوات. نُصِبَ بعناية على قاعدة مرتفعة، ووُجِّهَ نحو المدينة، كأنه يقول: "أنا هنا".

ومنذ ذلك اليوم، صار التمثال جزءًا من وجه القاهرة. ظل هناك ما يقارب 51 عامًا، من 1955 إلى 2006. لم يكن مجرد قطعة أثرية، بل كان نقطة التقاء، ودليلًا بصريًا، ونوعًا من الطمأنينة المألوفة. آلاف الصور التُقطت إلى جواره، ملايين العيون مرّت به كل صباح، وكثير من القصص بدأت أو انتهت عند قدميه.

لكن المدينة تغيّرت. ومع تزايد الزحام وتلوث الهواء واهتزازات مترو الأنفاق، بدأت أصوات تطالب بنقله حفاظًا عليه.

كانت أسباب النقل علمية، لكن أثرها في النفوس لم يكن كذلك.

وفي صباح 25 أغسطس 2006، تحرّك التمثال من مكانه، وسط حراسة مشددة، وعلى وقع عدسات الكاميرات التي لم ترَ مشهدًا مثله. وُضع على مقطورة ضخمة، وسار ببطء في شوارع القاهرة، التي أوقفت زحامها مؤقتًا لتودّعه.

انتهت رحلته إلى ساحة المتحف المصري الكبير، وهناك، استقرّ في البهو العظيم. أُعيد ترميمه بعناية، وصار جزءًا من تجربة مُنظمة لا تراها إلا بتذكرة، وبموعد. لكن الذين عرفوه في الميدان، أولئك الذين لم يحتاجوا موعدًا لرؤيته، لم ينسوه. لأن التمثال لم يكن مجرد قطعة أثرية. كان، ببساطة، رمسيس.

وداعًا مليكنا

لم يكن مجرد تمثال يُنقل، بل فصل كامل يُطوى من كتاب المدينة.

في صباح يوم 25 أغسطس 2006، تحوّل الميدان إلى ما يشبه ساحة صامتة لجنازة لا نحيب فيها ولا عزف جنائزي، لكن كل شيء كان يوحي بالفقد.

الملك يغادر، لكن ليس وحده. كانت تغادر معه ذاكرة نصف قرن، وعينان ألفتا مراقبة الناس دون ملل، وقدمٌ راسخة لم تزلزلها مظاهرة ولا أمطار ولا زحام.

الناس وقفوا على الجانبين، لا يلوّحون، لا يهتفون. لم يكن مشهد احتفال، ولا كان كمواكب الملوك التي نقرأ عنها في كتب التاريخ. كان موكبًا جنائزيًا لوداع مليكنا.

الباعة الجائلون الذين طالما احتموا بظله، أمسكوا بضاعتهم في صمت. رجال المرور نظروا إليه نظرة من يسلّم على صديق قديم. حتى الطيور التي كانت تحوم حوله كل صباح، بدا كأنها لم تظهر في السماء يومها.

تمرّ المقطورة الضخمة ببطء، كأنها تتثاقل تحت وطأة ما تحمله. رمسيس، الملك الذي حكم مصر القديمة أكثر من ستين عامًا، يمضي في مسيرة جديدة، لكن هذه المرة بلا رعيّة، وبلا هتاف، وبلا مجدٍ علني.

قال أحد كبار السن بصوت خافت وهو يراقب الموكب: "شالوا روح الميدان ومشيوا".
كان صادقًا. فراغ القاعدة التي كان التمثال يستقر عليها لم يكن مجرد مكان خالٍ؛ كان كضرسٍ خُلع من فم المدينة، يظل الفراغ يؤلم حتى بعد أن يلتئم الجرح.

ظل ثقيل على الأسفلت

كان الناس يتهامسون، ويتناقلون صور الموكب من الجرائد:
ــ "ليه نقلوه؟"
ــ "قالك علشان المترو والاهتزازات!"
ــ "ما هو استحملنا كلنا خمسين سنة، ما استحملش كام سنة كمان؟"

لم يكن ما أخذه الملك معه قليلًا؛ فقد أخذ رائحة الميدان القديمة، صوته، حركته، الأمان الذي شعر به كل مغترب نزل القاهرة أول مرة. ولم يترك المكان كما كان، بل ترك ظله ثقيلًا على الأسفلت، كخيالٍ لا يزول حتى وإن رحل الحجر.

حتى اليوم، ما زال الناس يفتقدونه. يتداولون صوره القديمة على صفحات التواصل الاجتماعي، تلك التي يظهر فيها التمثال شامخًا وأمامه نافورة ماء وبحيرة صناعية كانت تجمّل قلب الميدان. تلك الصورة التي عرفوها جيدًا: رمسيس واقفًا في المنتصف، والحمام يطير حوله، والماء يلمع في الضوء، والسيارات والناس تدور حوله كما لو كانت تدور حول مركز كوني.

يضع البعض صورته على فيسبوك في ذكرى نقله، ويكتبون: "كان جميلًا". كأن الجمال كان هناك، في تلك اللحظة التي اختُزنت في الذاكرة الجماعية… ثم مضت.

رغم مرور السنوات، ما زالت القاهرة تتذكره، لأن بعض الأماكن حين تفقد رمزها، تبقى واقفة… لكن ناقصة.

لكنه لم يعد لنا

في البهو الرئيسي من المتحف المصري الكبير، هنا المستقر. يقف رمسيس الثاني شامخًا كما اعتاد أن يكون.

التقطته عدسة المصور أحمد جمعة مؤخرًا في لقطة مهيبة أعادت صورته إلى الواجهة، بعدما تداولها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنه هذه المرة لا يواجه الميدان، بل يواجه التاريخ نفسه. لا يزال يؤدي دوره القديم في استقبال القادمين.

يواجه التاريخ. ولكن عبر بوابات زجاجية، وبطريقة مختلفة، يتلقى نظرات المعجبين لا المحبين.

يقف رمسيس في ردهة البهو العظيم، محاطًا بدرج فخم، وإضاءة محسوبة، ومساحة مهيبة.

في كل هذا الوقار، لا يزال مدهشًا… لكنه مختلف.

لم يعُد جزءًا من اليوم العادي للمصريين. لم يعد من الممكن أن تراه صدفةً وأنت تعبر الشارع، أو تلمحه في طريقك. صار اللقاء به مشروطًا ببطاقة حجز، وموعد مسبق، وإجراءات أمنية، كأنك تزور رمزًا من الماضي في غرفة معقمة.

كان من المفترض أن يُعلن افتتاح المتحف كعيد قومي جديد، وأن يُحتفل به بترنيمة فرعونية في حفل عالمي، لكن شيئًا في تأجيلاته المتكررة يقول إن العلاقة بين المدينة وتمثالها لم تُحسم بعد. هل نقبله في هيئته الجديدة؟ هل نقبل أن نراه كما يراه السيّاح، لا كما اعتدناه؟

في المتحف، يبدو رمسيس أنيقًا، لكنه غريب. وفي الميدان، كان مغبرًّا، لكنه كان لنا.

في هذا المكان الجديد، يقف رمسيس بين الملوك، تحيط به آثار الدولة الحديثة. لكن شيئًا من روحه القديمة، تلك التي عرفها الباعة والسائقون والمغتربون، لم يعد هناك.

أما أنا الطفلة التي كانت تنتظر رؤيته كل عطلة صيفية، فقد كبرتُ. أفتقده كلما عبرت ميدانًا ناقصًا.

لا أبحث عنه تمثالًا، بل علامة، طمأنينة، كرمز يهمس لي الآن بما كنتُ أتمناه صغيرةً: "ها أنتِ هنا، في مدينتكِ... كما أردتِ دومًا أن تكوني من سكانها".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة