بعد شهر تقريبًا على انطلاق عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق ضد إيران، نشر عاموس يادلين، الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بين عامي 2006 و2010، تقييمًا استراتيجيًا تحت عنوان "شرق أوسط ما بعد إيران" بمجلة "Foreign Affairs"، مستعرضًا ما يتجاوز مجرد تحليل للأحداث، إلى رسم خارطة طريق جريئة للاستفادة من نتائج الحرب على إيران، لينتقل من دائرة التنظير إلى دائرة توجيه السياسات (Policy Prescription).
كتب يادلين مقاله هذا من موقع المنتصر، محاولًا تحويل ما يعتبره نجاحًا عسكريًا باهرًا إلى فرصة تاريخية لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا، ليس عبر دعوة لشن حرب جديدة، بل بدعوة لجني ثمار الحرب المنتهية التي تُمهد لمنطقة سلام القوة، مقدمًا رؤية لما يجب أن تكون عليه الخطوات التالية لاستثمار هذا "النصر" الاستراتيجي.
ولكن، هل يمكن بالفعل تحويل التفوق العسكري "الساحق" إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستدامة كما يصور الكاتب؟ وهل تمثل عقيدة "السلام عبر القوة" نموذجًا قابلًا للتطبيق في تعقيدات الشرق الأوسط المعاصر؟
تشريح "الأسد الصاعد" إسرائيليًا
يعتبر يادلين أن "الضربة الحاسمة" لم تكن مجرد خيار، بل ضرورة حتمية بفعل عوامل متراكمة، ونتيجة منطقية لتهيئة استراتيجية دقيقة. ويقوم بتأسيس شرعية وفعالية هذه الضربة على ركيزتين أساسيتين: التوقيت والقدرة.
أولًا: حتمية التوقيت (Strategic Timing):
يجادل يادلين بأن يونيو 2025 مثّل "اللحظة المثالية" لشن الهجوم، مرجعًا ذلك إلى تقاطع عاملين:
تصاعد التهديد الإيراني: يصور إيران وهي على وشك امتلاك قنبلة نووية، وتخطط لتوسيع ترسانتها الباليستية بشكل هائل (من 3,000 إلى 8,000 صاروخ). كما يربط هذا التهديد مباشرةً بهجمات 7 أكتوبر 2023 والهجمات الصاروخية المباشرة في 2024، معتبرًا أن المواجهة أصبحت مباشرة ومفتوحة.
الضعف الإيراني المؤقت: يشير إلى أن هذا التهديد المتصاعد تزامن مع "نافذة ضعف" استراتيجية لإيران وحلفائها. حيث تم، حسب السيناريو الإسرائيلي، إضعاف حليفها الأهم (حزب الله) بشكل كبير، وانهيار نظام الأسد في سوريا، وكشف هذا ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية في هجمات سابقة.

ثانيًا: استعراض القوة (A Display of Force):
هنا، يصف يادلين "عملية الأسد الصاعد" كاستعراض تفوق عسكري وتكنولوجي ساحق، يبرز نجاحها من خلال أرقام ونتائج محددة:
- شل القيادة والخبرة: بدء العملية بـ"ضربة قطع رأس" دقيقة قضت على نحو 20 من كبار قادة الحرس الثوري (منهم حسين سلامي وأمير علي حاجي زاده) وعدد من كبار العلماء النوويين.
- تحقيق السيادة الجوية: تدمير 80% من بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية (130 بطارية) عبر أكثر من 1,200 طلعة جوية، مما أتاح "الهيمنة الجوية فوق طهران".
- تدمير البنية التحتية: إلحاق أضرار بالغة بمنشآت نووية رئيسية (نطنز، فوردو، أصفهان، آراك) وقواعد صناعية وعسكرية، باستخدام أكثر من 4,000 قنبلة دقيقة التوجيه.
- تحييد القدرة الصاروخية: تدمير قرابة 1,000 صاروخ باليستي (من أصل 2,500) وأكثر من 200 منصة إطلاق، مما أدى إلى تراجع الهجمات الإيرانية بشكل كبير.
وبهذا الوصف، لا يترك يادلين مجالًا للشك في أن أساس "الصفقة الكبرى" التي سيدعو إليها لاحقًا، هو نصر عسكري مطلق وغير قابل للتأويل.
منطق "السلام عبر القوة"
لا يتوقف تحليل يادلين عند حدود الإنجاز العسكري، بل يعتبره مجرد مقدمة ضرورية للهدف الأسمى: فرض تسوية سياسية شاملة.
المنطق الذي يطرحه هنا هو جوهر عقيدة "السلام عبر القوة" (Peace Through Strength)، حيث لا يُنظر إلى القوة العسكرية كغاية في حد ذاتها، بل كوسيلة لخلق واقع جديد يجعل الحل الدبلوماسي، وفقًا لشروطه، أمرًا لا مفر منه للطرف المهزوم.

ويمكن تلخيص هذا المنطق في النقاط التالية:
- خلق واقع تفاوضي جديد: يجادل يادلين بأن "عملية الأسد الصاعد" لم تدمر قدرات إيران فحسب، بل دمرت أيضًا خياراتها الاستراتيجية. فبعد خسارة قياداتها، وتدمير بنيتها التحتية، وإضعاف وكلائها، لم يعد لدى طهران، من وجهة نظره، رفاهية المناورة أو إطالة أمد المفاوضات.
لقد تم إجبارها على الانتقال من موقع المهدِّد إلى موقع الطرف الذي يسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
- تغيير معادلة الردع: قبل الهجوم، كانت إيران تستخدم شبكة وكلائها وترسانتها الصاروخية كأدوات ردع تمنع أي هجوم واسع النطاق.
يرى يادلين أن العملية العسكرية الناجحة قد قلبت هذه المعادلة، وأن إسرائيل والولايات المتحدة أثبتتا أن الردع الإيراني يمكن اختراقه وتجاوزه، مما يجعل أي تهديد مستقبلي بشن هجوم آخر أكثر مصداقية وقوة.
- تحديد شروط التفاوض: بناءً على هذا الواقع الجديد، يؤكد يادلين أن المفاوضات يجب ألا تكون تكرارًا للمسارات السابقة فيما يتعلق بالاتفاق النووي (مثل خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA لعام 2015). وبدلًا من ذلك، يجب أن تنطلق من "الشروط الأمريكية-الإسرائيلية"، مع تحديد سقف زمني صارم، وتهديد حقيقي وذي مصداقية بالعودة إلى الخيار العسكري إذا لم تمتثل إيران.
وبهذه الطريقة، تتحول الدبلوماسية في رؤية يادلين من عملية "أخذ وعطاء" بين أطراف متكافئة، إلى عملية فرض شروط من قبل الطرف المنتصر على الطرف المهزوم. إنها ليست دعوة للحوار بقدر ما هي دعوة لإملاء تسوية تضمن تحقيق كل الأهداف الاستراتيجية التي لم يكن من الممكن تحقيقها بالوسائل الدبلوماسية وحدها.
إعادة هندسة النظام الإقليمي
يرى يادلين أن ضعف إيران غير المسبوق يفتح نافذة فرصة لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد لتشمل "إعادة تشكيل المنطقة بأكملها" عبر ما يسميه "صفقة كبرى" (A Grand Bargain). هذه الصفقة، كما يصفها، هي مجموعة من الترتيبات الشاملة التي تهدف إلى تحييد كل أشكال التهديد الإيراني وتثبيت نظام أمني جديد بقيادة أمريكية-إسرائيلية.

وتتكون هذه الصفقة - وفق رؤية يادلين - من عدة ركائز أساسية، تستهدف إيران مباشرةً، وتمتد لتشمل ساحات نفوذها الإقليمية:
1. على الصعيد الإيراني (نزع السلاح الاستراتيجي):
- إنهاء البرنامج النووي بشكل دائم: لا يكتفي يادلين بتجميد البرنامج، بل يطالب بأن "تتخلى إيران إلى الأبد عن تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم".
- قبول تفتيش صارم وغير مقيد: يجب أن تسمح طهران بعمليات تفتيش "اقتحامية وقابلة للتحقق" من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- تقييد القدرات الصاروخية: يطالب بكبح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بشكل كبير، ليتوافق مع "إطار نظام التحكم في تكنولوجيا الصواريخ" (MTCR).
2. على صعيد الساحة الفلسطينية (حل قضية غزة):
- تفكيك حماس بالكامل: يرى يادلين وجوب إجبار الحركة "إطلاق سراح الرهائن المتبقين، وتسليم أسلحتها".
- نفي القيادة: يطالب بـ "نفي قيادة حماس".
- إدارة بديلة: استبدال حماس بـ "إدارة فلسطينية تكنوقراطية" (a technocratic Palestinian administration) تتولى إعادة إعمار ونزع سلاح القطاع.
3. على صعيد الجبهة الشمالية (تحييد وكلاء إيران):
- ترتيبات أمنية مع سوريا ولبنان: يطالب باتفاقيات تلتزم فيها دمشق وبيروت بـ "تحييد الجماعات المسلحة في أراضيها"، بما في ذلك حزب الله والفصائل الفلسطينية وتنظيم الدولة الإسلامية.
- ضمان السيادة الإسرائيلية وحرية العمل: يجب أن تحافظ هذه الاتفاقيات على "السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان وحرية إسرائيل في العمل ضد التهديدات الناشئة".
4. آليات الضمان والتنفيذ: يرفض يادلين بشكل قاطع النماذج الأمنية التي تقودها الأمم المتحدة (مثل اليونيفيل في لبنان التي يصفها بالفاشلة)، ويدعو بدلًا من ذلك إلى أطر أمنية "رشيقة" (nimble frameworks) بقيادة أمريكية.
ويقترح نموذجين:
- قوة متعددة الجنسيات: على غرار القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء (MFO).
- أطر ثنائية مباشرة: مثل اتفاقية السلام الإسرائيلية-الأردنية.
بهذه الملامح، لا يرسم يادلين مجرد اتفاق نووي، بل يرسم نظامًا إقليميًا جديدًا بالكامل، يتم فيه تفكيك "محور المقاومة" وإعادة ترتيب المنطقة بما يضمن، من وجهة نظره، أمنًا دائمًا لإسرائيل.

رسائل القوة في عالم متغير
لا يحصر يادلين نجاح "عملية الأسد الصاعد" و"الصفقة الكبرى" في الإطار الإقليمي فحسب، بل يرى فيهما أداة لإعادة تأكيد النفوذ الأمريكي-الإسرائيلي على الساحة الدولية، وتوجيه رسائل حاسمة للقوى العالمية المنافسة.
ومن وجهة نظره، تحمل هذه الأحداث الافتراضية تداعيات جيوسياسية عميقة:
1. تأكيد التفوق التكنولوجي والعقائدي للغرب: يرى يادلين أن العملية العسكرية تمثل إثباتًا قاطعًا لتفوق الأنظمة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على نظيرتها الإيرانية، التي يعتمد الكثير منها على التكنولوجيا الروسية.
ويعتبر هذا النجاح انتصارًا لعقيدة "السلام عبر القوة"، مقدمًا إياها كنموذج فعال يمكن تطبيقه في مواجهة التحديات الدولية، خاصةً بعد أن أحجمت الولايات المتحدة سابقًا عن التدخل عسكريًا لمنع الصين أو كوريا الشمالية من امتلاك السلاح النووي.
2. إعادة ترسيخ الدور الأمريكي في الشرق الأوسط: في وقت يتزايد فيه الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، يصور يادلين هذا السيناريو كدليل على أن واشنطن لا تزال القوة الحاسمة. فهي لم تقف مكتوفة الأيدي، بل "وقفت بحزم إلى جانب حليفها" (stood firmly by its ally) وقادت هجومًا ناجحًا.
ويقدم العملية الإسرائيلية التي شاركت فيها الولايات المتحدة ضد إيران كنموذج مثالي لـ "تقاسم الأعباء"، حيث يقوم حليف إقليمي قوي (إسرائيل) بالجزء الأكبر من المهمة، بدعم حاسم من واشنطن، مما يسمح للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها دون التورط في صراع طويل.
3. تهميش دور الصين وروسيا: من النتائج المباشرة لهذا السيناريو، حسب يادلين، هو التأكيد على أن الصين وروسيا "لا يزالان لاعبين ثانويين في الشرق الأوسط".
فالعملية تثبت أن ميزان القوى العسكري لا يزال يميل بشكل ساحق لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وأن بكين وموسكو لا تملكان القدرة أو الرغبة في التدخل بشكل فعال لحماية شركائهم في المنطقة.
4. الدروس المستفادة للمستقبل: ينهي يادلين تحليله بتحذير استراتيجي مهم، وهو أن النصر لا يجب أن يؤدي إلى الغرور. فهو يؤكد أن القوى المنافسة (الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وإيران نفسها) ستدرس هذه العملية بعناية فائقة لتتعلم من أخطائها.
لذلك، يدعو إسرائيل والولايات المتحدة إلى عدم الركون إلى أمجادهما، بل إلى دراسة دروس هذه الحرب أيضًا، وتوقع كيف سيتكيف الخصوم معها، لأن هذه "الحرب المباشرة الأولى بين إيران وإسرائيل... من المحتمل ألا تكون الأخيرة".
بين الطموح الاستراتيجي والواقع المعقد
قدم عاموس يادلين في مقاله سيناريو متكاملًا ومحكم البناء، يعكس طموح تيار استراتيجي، يؤمن بأن القوة العسكرية الحاسمة هي الأداة الأكثر فعالية ليس فقط لضمان الأمن، بل لإعادة تشكيل الواقع السياسي. ورؤيته تلك لـ"شرق أوسط ما بعد إيران" هي تمرين فكري لافت، يوضح كيف يمكن ترجمة نصر عسكري ساحق إلى هيمنة استراتيجية طويلة الأمد، من وجهة نظر إسرائيلية.
ومع ذلك، فإن قوة هذا السيناريو تكمن في وضوحه النظري، بينما تظهر نقاط ضعفه عند وضعه في مواجهة تعقيدات الواقع.
وفي الأخير، يمكن تقييم طرح يادلين من خلال النقاط التالية:
- التفاؤل العسكري المفرط: يفترض السيناريو نجاحًا عسكريًا مثاليًا شبه كامل، وهو أمر نادر الحدوث في الحروب الحقيقية. وهو يتجاهل قدرة إيران على امتصاص نتائج هذه الحرب.
- إغفال ديناميكيات الداخل الإيراني: يتعامل المقال مع النظام الإيراني ككيان متجانس يمكن إخضاعه عبر القوة. لكن التاريخ يظهر أن الهجمات الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى التفاف الشعب حول قيادته، حتى لو كانت غير شعبية، تحت شعار "الدفاع عن الوطن"، وهو ما حدث بالفعل مع السيناريو الإيراني؛ التف الجميع في مواجهة العدوين التقليديين؛ إسرائيل وأمريكا، ولم تؤد الضربة المؤلمة التي تلقتها إيران إلى انهيار النظام، بل إلى تصلبه وربما زيادة تصميمه على امتلاك السلاح النووي كسلاح ردع وجودي، وهذا تشر إليه التقارير الصحفية الحالية التي تُلمح إلى أن إيران ربما تخطط سرًا لإكمال خططها النووية.
- تبسيط المشهد الإقليمي: تفترض "الصفقة الكبرى" - التي يطرحها يادلين - أن أطرافًا مثل حماس وحزب الله يمكن تفكيكها أو إخضاعها بسهولة بعد ضربة توجه لراعيهم الإيراني. هذا يتجاهل أن هذه الحركات لديها أيضًا قواعدها الشعبية، وأجنداتها الخاصة، وقدرتها على التكيف والعمل بشكل مستقل نسبيًا. تكيفت حماس بالفعل مع واقعها الجديد ورغم إضعافها عسكريًا بشكل شبه كامل، لا تزال توجه ضرباتها لجيش الاحتلال في مناطق غزاوية مهمة مثل الشجاعية وخان يونس.
كما أن فرض "إدارة تكنوقراطية" في غزة أو تحييد حزب الله في لبنان هي تحديات سياسية واجتماعية هائلة لا يمكن حلها بقرار عسكري.
ومع ذلك، يظل مقال يادلين وثيقة هامة لفهم العقلية الاستراتيجية التي ترى في القوة العسكرية مفتاحًا لحل أعقد المشكلات السياسية. إنه يقدم "سيناريو الحالة الأفضل" (Best-Case Scenario) من منظور أمني إسرائيلي. لكنه في الوقت ذاته، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قابلية هذا النموذج للتطبيق، والمخاطر الكبيرة التي يتجاهلها، والثمن الباهظ الذي قد يترتب على محاولة فرض "السلام عبر القوة" في منطقة لا تزال محكومة بتوازنات معقدة وتاريخ طويل من الصراعات.