السبت, يناير 17, 2026
spot_img

عبد العظيم حماد: فرار بشار يؤكد حقارة الطغاة.. القاهرة كُفت يدها لكن لن تحتل الإمارات مكانتها (حوار)

فرار بشار يؤكد حقارة الطغاة ولابد من البحث عن المعارضة السورية المعتدلة وانتظار ما سيحدث

تشهد سوريا صراعًا متعدد المصالح والأطراف والجبهات وتركيا تبحث عن أمنها ومصالحها

لقد كُفت يد مصر وكفت هي يديها أيضًا عن التدخل إلا بالوزن التاريخي وحق الجوار لغزة

في حاجة إلى نظام أمن جماعي إقليمي يضم القاهرة والرياض وأبو ظبي وإسطنبول وطهران

النظام الأمني الإقليمي المقترح يجب أن يواجه هيمنة إسرائيل ويسعى لبناء معادلات سياسية جديدة

إيران تعاني من تراجع ولم تنكسر.. وإضعافها وحزب الله في إسناد غزة سهل تحرك الفصائل السورية

الحرب في السودان ستمضي إلى مرحلة استنزاف طويلة بلا أفق وعلى مصر نصرة الشرعية

أبوظبي ليس لديها إلا “فلوس” ولا يمكن للسعودية أن تغني عن مصر

لابد من إصدار كتاب أبيض بشأن سد النهضة لنعرف كل الحقائق وما يترتب عليها من الوعي والتحرك

الإقليم سيخضع لهيمنة إسرائيلية.. ولكن المنطقة ستثور ضدها ولن تستسلم طويلًا لها 

 

في الحوار الثاني من حوارات منصة فكّر تاني من سلسلة “كيف تُدير القاهرة ملفاتها الإقليمية؟”، يتحدث الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد العظيم حماد، حول مختلف الملفات الحرجة والمهمة في المنطقة بالنسبة للقاهرة، وآخرها المشهد السوري، الذي اضطررنا لمعاودة الحديث فيه سريعًا قبل نشر الحوار، بعد الإعلان عن سقوط بشار الأسد.

يتبنى حماد مقاربة خاصة لفهم مختلف القضايا الملتهبة، قد تختلف مع ما هو رائج من تحليلات بعد انطلاق طوفان الأقصى، حيث يرى آفاقًا أخرى لحفظ أمن الإقليم، وقراءة دور مصر، داعيًا إلى خط انتهاء الاحتلال وحل الدولتين أو الاتجاه إلى قبول إسرائيل في المنطقة والإقليم بشروط محددة يراها تجديدًا لقديم.

شغل حماد عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني، من بينها منصب رئيس تحرير جريدة الأهرام بعد ثورة 25 يناير 2011، ورئاسة تحرير صحيفة الشروق الجديد، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.

عبد العظيم حماد أكد أهمية وجود تصورات جديدة في الأقليم في الفترة المقبلة - تصوير إسلام يحيي فكر تاني
عبد العظيم حماد أكد أهمية وجود تصورات جديدة في الأقليم في الفترة المقبلة – تصوير إسلام يحيي فكر تاني

إلى نص الحوار

حقارة الطغاة

نبدأ بالتطورات الأخيرة في سوريا.. ماذا بعد سقوط بشار الأسد؟

فرار بشار بعد 53 عامًا من حكم عائلة الأسد يؤكد حقارة الطغاة، ولكن ما بعد سقوط النظام يحتاج منا الانتظار لمعرفة شكل القادم.

كنا نتحدث سويًا، قبل سقوط بشار، عن ضرورة دخوله في مفاوضات جادة مع المعارضة المعتدلة التي شاركت في مسارات الأمم المتحدة، ولم يكن واضحًا أن نظام بشار سيسقط بهذه السرعة وفي غمضة عين، حتى الأسبوع الماضي. كل شيء حدث سريعًا.

بالطبع، كما لم أقف مع بشار الأسد، لن أقف مع الفصائل المسلحة المتشددة، وأتمنى أن نبحث عن المعارضة المعتدلة.

إسرائيل وسوريا

البعض وفي مقدمتهم التيار الناصري يتحدث عن رائحة للكيان الصهيوني في التحركات الأخيرة للفصائل المسلحة في سوريا.. ما تعليقك؟

جائز. قد يكون لدى الناصريين معلومات بذلك. ولكني أتساءل ما علاقة الناصريين بنظام الأسد؟ هذا نظام طائفي وليس قوميًا، فكيف كانوا يتعاملون معه كنظام قومي؟

عبد العظيم حماد - تصوير اسلام يحيي - فكر تاني
عبد العظيم حماد – تصوير اسلام يحيي – فكر تاني

عامة، إسرائيل موجودة في كل مكان في المنطقة؛ في العراق وسوريا وإيران وغيرها. وما أراه من بعد مشهد فرار بشار، حتى هذه اللحظة، هو أن إسرائيل هزمت الجميع في سوريا.

في هذا الإطار.. كيف ترى صمت الجبهة السورية منذ العدوان الصهيوني على غزة؟

رغم أن الجولان محتل، فإن القرار السوري كان لا اشتباك مع إسرائيل. وليس كان منتظرًا مطلقًا أن تشتبك الجبهة السورية مع الكيان الصهيوني، حتى من قبل بشار أو من بعد الربيع العربي.

ليس لدي معلومات حول أسباب عدم إعلان الفصائل المسلحة، المناوئة لبشار، موقفها من غزة. ولكن ما نعرفه جميعًا أن إضعاف حزب الله وإيران في إسناد غزة، أدى إلى تحرك الفصائل المسلحة في سوريا.

نظام الأسد طائفي وليس قوميًا فكيف للناصريين أن يتعاملوا معه كنظام قومي؟

صراع متعدد

كيف ترى الدور التركي في المشهد السوري؟

هذا أمن تركيا، الذي تبحث عن حمايته.

يقولون تركيا تتدخل في العراق وسوريا، وتنتهك سيادتهما، وتنتهك سيادة قبرص، وفي الوقت نفسه تضع أمريكا قاعدة في سوريا، وكذلك تفعل روسيا.

في مثل هذه المواقف، لا يجب أن ندين أحدهم ونبرئ الآخر. ما يحدث في سوريا هو صراع متعدد المصالح والأطراف والجبهات.

الكل مريض عدا إسرائيل

في ظل تلك المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.. يتحدث البعض أن مصر باتت “رجل المنطقة المريض”.. هل تتفق؟

لا أعرف هل يقصدون مريضة بسبب الظروف الداخلية أم الظروف الإقليمية. ولكن الإقليم كله مريض، وليس مصر فقط.

ليس هناك واحد صحيح في المنطقة كلها إلا “إسرائيل” الآن، وأقصد بالصحيح هنا، أنها دولة عافية، لديها أدوات لتصنع ما تريد، ولديها اقتصاد قوي، والحياة السياسية لديها خصبة.

رئيس الوزراء المصري ونظيره القطري (وكالات)
رئيس الوزراء المصري ونظيره القطري (وكالات)

حتى السعودية يطولها الأمر، لا يوجد أحد غير مريض.

وهل يعقل أن دولة الإمارات العربية المتحدة كل أدواتها لممارسة السياسة “شوية فلوس”؟.. هل لديها شيء آخر، ماذا لديها غير ذلك، البترول مثلًا؟ ماذا لديها؟

من ليس مريضًا في الإقليم؟

إذا اعتبرت أدوات القوة الشاملة هي معيار صحة الدول وعافية الدولة، فجميع الدول ما عدا إسرائيل لا يوجد لها تلك الأدوات. دولة تعتمد على الفلوس، وأخرى تعتمد على البترول، وثالثة تعتمد على الماضي التليد.

كف يد مصر

كيف تقيم إدارة القاهرة لملفاتها الإقليمية في العقد الأخير؟

دعنا نحدد أهم الملفات الإقليمية أولًا، في موقفها مما يسمى تقليديًا “الأمن القومي العربي”، والصراع العربي الإسرائيلي، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

مصر في العقد الأخير هي امتداد للعقد الذي قبله وقبل ما قبله. لقد كُفت يد مصر، وكفت هي بنفسها يديها عن التدخل في أي شيء، إلا بالوزن التاريخي وحق الجوار لغزة.

إسرائيل دولة عافية لديها أدوات لتصنع ما تريد والحياة السياسية لديها خصبة

هل ذهبت فكرة “مصر الكبيرة والشقيقة الكبرى”؟

سادت هذه الفكرة، عندما كانت هذه المنطقة يعتقد فيها العرب أنهم قومية واحدة، وأمنهم واحد، ومصالحهم الكبرى واحدة.

الآن لا يوجد هذا الأمر. ماذا يجمعنا مثلًا مع العراق أو سوريا أو السودان وغيرها سوى أننا جيران فقط؟! هكذا يقال.

بوضوح.. هل تراجعت القاهرة خارجيًا أم حافظت على مكانها في العقد الأخير؟

إجمالًا، فيما عدا النيل، لا جديد. ضعف دورنا القومي العربي لصالح السعودية والإمارات. وقل دورنا الإقليمي جدًا لصالح أربع قوى: إيران، وتركيا، والسعودية، والإمارات.

توابع طوفان الأقصى

نذهب إلى غزة.. كيف ترى معركة طوفان الأقصى؟

لو كانت عملية معزولة ومحدودة بمفردها، دون كل هذه النتائج الكارثية التي نراها لكانت عملية غير مسبوقة من الناحية العملياتية والسياسية بحكم أنها نجحت في إعادة طرح القضية الفلسطينية من جديد في مقدمة أولويات المنطقة والعالم.

طوفان الأقصى
طوفان الأقصى

لقد أدت العملية بالشكل الذي حدث إلى النتائج التي حدثت في غزة من تدمير كامل، واستشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينين وغالبًا تدمير البنية التحتية للمقاومة المسلحة، وإضعاف حزب الله عسكريًا وسياسيًا بموجب التدخل الأخير بشكل كبير جدًا، لدرجة أن استطيع أن أقول أن إسرائيل لن تجد تحدي عسكري لفترة طويلة قادمة.

حدث ما حدث.. ما مآلات الأمور بعد مرور عام على الطوفان؟

نحتاج إلى التقاط أنفاس ووضع استراتيجية جديدة تمامًا يتبناها الفلسطينيون أولًا، على أن يساندهم فيها أصحاب المبادئ وحقوق الشعب على مستوى العالم كله وليس فقط الدول العربية، تقوم على المقاومة السلمية.

أفضل شخصيًا، في هذه المرحلة الحالية، أن تواجه إسرائيل المعضلة الأساسية، في ضم الضفة الغربية، التي يقولون إن ضمها سيتم بمساعدة ترامب. وانتظر ماذا يحدث في هذا الملف وما بعده.

أتمسك بضرورة وجود مرحلة جديدة لا توجد بها إلا المقاومة السلمية بكل صورها من أجل “الجلاء أو الضم”

ماذا سيفعلون مع 3 ملايين فلسطيني موجودين في الضفة؟ هل سيحصلون على حق التصويت وحق المواطنة الكاملة؟ أم سيبقى نظام الفصل العنصري؟ سيادة على أرض وشعب بلا حقوق؟ هذا هو المأزق التاريخي لإسرائيل. هم يطلقون عليه “القنبلة الديموغرافية”، وهذه تسمية صحيحة.

إسرائيل لا تستطيع ضم الضفة وحرمان الفلسطينيين من الحقوق السياسية. سيتم توصيفها بدولة فصل عنصري، وهي لا تريد وتتهرب من ذلك. ولكن ما يحلم به اليمين الإسرائيلي هو حدوث ضم دون أن يترتب عليه حقوق أو وصف.

إذا حدث ذلك الضم، فهو استفزاز لكل الدول المناصرة لحقوق الشعوب في العالم.

إسرائيل لن تضم الضفة، وستظل تُفضل الاحتلال، وهو ما سيقود مع الوقت إلى مأزق تاريخي لا حل له مع اليمين الإسرائيلي.

التهجير تأجل قليلًا

هل فشلت إسرائيل في ملف التهجير القسري للغزاويين؟

لا أستطيع أن أقول ذلك. التهجير القسري موجود في تفكيرهم، ولكن حتى اللحظة لم يطرح جديًا، ولم يدخل مرحلة التنفيذ العملي.

قوات الاحتلال تواصل عمليات التهجير القسري لسكان شمال قطاع غزة (رويترز)
قوات الاحتلال تواصل عمليات التهجير القسري لسكان شمال قطاع غزة (رويترز)

يمكن القول إن المقاومة المسلحة، رغم خسائرها الكثيرة جدًا في المعارك، نجحت في تأجيل مشروع التهجير قليلًا من الوقت.

هل نجحت لاءات مصر والأردن في وقف ملف التهجير؟

طبًعا، وهذا أمر طبيعي، وكان يجب أن يتم.

مرحلة جديدة

كيف ترى مستقبل المقاومة الفلسطينية؟

أتمسك بضرورة وجود مرحلة جديدة لا توجد بها إلا المقاومة السلمية بكل صورها، من أجل “الجلاء أو الضم”.

عبد العظيم حماد يدعو لمرحلة جديدة لا توجد بها إلا المقاومة السلمية بكل صورها، من أجل " الجلاء أو الضم " بحسب رأيه- تصوير إسلام يحيي - فكر تاني
عبد العظيم حماد يدعو لمرحلة جديدة لا توجد بها إلا المقاومة السلمية بكل صورها، من أجل ” الجلاء أو الضم ” بحسب رأيه- تصوير إسلام يحيي – فكر تاني

إما الجلاء وانتهاء الاحتلال وإعلان حل الدولتين دون تلكؤ، أو الضم دون تلكؤ على أساس المواطنة الكاملة المتساوية بين العرب واليهود، صوت واحد لكل رجل واحد. مع ملاحظة أن هذا هو الهدف الأساسي الذي تناساه البعض للنضال الفلسطيني القومي من قبل عام 1948، وعندما رفض العرب مشروع التقسيم لم يكن يرفضون اليهود، ولكن كانوا يطالبون بإقامة دولة واحدة علمانية لكل مواطنيها على أساس المساواة، أي دولة ثنائية القومية.

وفق هذا السيناريو الذي تطرحه، أين تذهب حركات المقاومة مثل حماس والجبهة الشعبية والجهاد؟

لا أستطيع أن أحكم على المقاومة المسلحة بعد عام. لا أعرف مدى قوتها. الشيء الوحيد الذي يظهر تماسك المقاومة حتى هذه اللحظة عدم قدرة إسرائيل على تحرير رهائنها.

هل البنية التحتية للمقاومة المسلحة في حماس موجودة بشكل يجعلها قادرة على إدارة الصراع؟ لا أظن، ولكن أتمنى.

سؤالي: ما هو الهدف من رفع سلاح المقاومة إلا تحرير فلسطين. أرى أنه لا توجد استراتيجية حالية للمقاومة المسلحة في سبيل تحقيق ذلك.

حماس مثلًا مع كل احترامي وتقديري لها، غير قادرة على تحرير فلسطين، ولا كل فصائل المقاومة قادرة على ذلك، ولا الدول العربية قادرة أيضًا. لا أرى إلا المقاومة السلمية، واستراتيجية العصيان المدني الشامل في كل فلسطين.

حماس -مع كل احترامي وتقديري لها- غير قادرة على تحرير فلسطين ولا كل فصائل المقاومة ولا الدول العربية قادرة على ذلك

عصر وانتهى

كيف ترى إدارة القاهرة لملف غزة طوال عام ونيف؟

كثيرون يسألون: أين مصر؟ ماذا يريدون منها اليوم؟

لا نرى كلنا إلا موضوعات إنسانية وسياسية، وإيصال مساعدات فقط.

مصر، كدولة عربية كبرى رئيسة تتولى قضايا العرب وتتبني القضية الفلسطينية غير موجودة. هذا عصر انتهى، ليس لأن مصر لا تريد أن تفعل ذلك، ولكن لأنها غير قادرة على ذلك، والعرب غير جاهزين لفعل شيء.

المشهد اللبناني

نذهب إلى المشهد اللبناني منذ الإسناد حتى وقف إطلاق النار.. كيف تراه؟

لم أكن موافقًا منذ البداية على ما قيل إنه إسناد.

ومع تقديري واحترامي ومحبتي واعتزازي وفخري بالدور الذي فعله حزب الله في إخراج إسرائيل من لبنان.

لا أحد ينكر أن الحزب كان هو المنتصر الاستراتيجي الحقيقي في عام 2006، ولكن هذا شيء، وما حدث في الإسناد وما ترتب عليه شيء آخر.

الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله
الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله (وكالات)

الإسناد يكاد يكون، من وجهة نظري، سببًا في تصفية البنية التحتية لمقاومة حزب الله، وبطبيعة الحال لا نستطيع الجزم الآن بخسائر الترسانة العسكرية لحزب الله.

أما وقف إطلاق النار، فقد كان إبعادًا لحزب الله عن التدخل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان لصالح اللبنانيين بشكل كبير.

مصر غير قادرة على تبني القضية الفلسطينية والعرب غير جاهزين لفعل شيء

أختلف مع مقولة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، بعد وقف إطلاق النار: “لقد انتصرنا”. حرب الإسناد ورد فعل إسرائيل عليها، أدى إلى إزالة عنصر حزب الله من معادلة الردع في الصراع العربي الإسرائيلي من غزة إلى إيران.

كيف تقيم أداء باقي مسارات ما يُسمى محور المقاومة في اليمن والعراق؟

المقاومة لها وظيفتان، الأولى أن تنغص حياة الاحتلال وتُكلفه وتجعله غير مستريح، وهذا ما نفعله كلنا للأسف الشديد مع إسرائيل، والوظيفة الثانية هي التحرير، وواضح أننا كلنا عاجزين عن التحرير سواء من داخل فلسطين أو في اليمن على وجه التحديد.

المرات الوحيدة التي نجحت فيها المقاومة كانت إجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2006، والانسحاب قبل ذلك من غزة في عام 2005.

نظام أمن جماعي إقليمي

دعا الأكاديمي هشام جعفر في حواره مع فكر تاني إلى حوار إقليمي جاد لتوفير نظرية جديدة للأمن الإقليمي بين الأطراف الفاعلة؛ السعودية والإمارات ومصر وتركيا وإيران.. هل نحن في حاجة إلى ذلك؟

أرى أننا في حاجة إلى نظام أمن جماعي إقليمي، يضم القاهرة والرياض وأبو ظبي واسطنبول إلى جانب طهران، على أمل أن هذا النظام الأمني الإقليمي يحد من سيادة إسرائيل أو هيمنتها على الإقليم، ويتيح فرصة لمعادلات سياسية مستقرة ومقبولة في سوريا والعراق.

لكن هذا لن يكتمل إلا إذا حصل حل للقضية الفلسطينية سواء حل الدولتين، أو “الضم” والسيادة على أساس المساواة في المواطنة، بحيث تتم دعوة إسرائيل إلى تعاون مؤقت أو مرحلة انتقالية، مع النظام الأمني الإقليمي، وهذا ينطلق من قراءة للواقع الأمني الطبيعي الحالي، فإسرائيل قوة نووية في المنطقة، ويجب أن يراعي أي نظام أمني إقليمي وجودها وتدخلاتها.

يُمكن لهذا النظام الأمني أن يقف ضد التدخل الإيراني في دول الخليج أوضد السيطرة الطائفية على العراق، بحيث نتكلم عن صيغ سياسية جديدة في المنطقة، لكن الآن كمواطن مصري أرى أن البداية في نظام إقليمي يحد من هيمنة إسرائيل على المنطقة ككل أو يوازن الأمور على الأقل.

النظام الأمني الجماعي الإقليمي لن يكتمل إلا بحل الدولتين أو الضم والسيادة على أساس المساواة في المواطنة بحيث تتم دعوة إسرائيل إلى تعاون مؤقت أو مرحلة انتقالية مع النظام الجديد

تراجع إيراني

البعض يرى أن إيران باتت تعاني من انكسار بعد الضربات الأخيرة.. ما رأيك؟

لا أتفق مع هذا. إيران تعاني من تراجع لكنها لم تنكسر.

لافتة في أحد الميادين الإيرانية تهاجم بايدن ونتنياهو (وكالات)
لافتة في أحد الميادين الإيرانية تهاجم بايدن ونتنياهو (وكالات)

لقد تلقى حلفاء إيران سواء حزب الله أو حماس ضربات مؤثرة، وتأثروا بذلك سلبًا، ووقعت اغتيالات مؤلمة للكرامة الإيرانية على أراضيها، كما نفذت إسرائيل ضربات بالداخل الإيراني أكثر من مرة. وكل ذلك تم تقريبًا بتحريض من كل الدول العربية، وأخص هنا البحرين والإمارات والسعودية، واستثني مصر لأنها لا تهتم.

قطيعة طالت

كيف تستفيد مصر من التقارب مع إيران خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني للقاهرة؟

مصر مطالبة ببناء علاقة تفاهم وتعاون مع القوى الإقليمية الصغرى قبل الكبرى، وخاصة تركيا وإيران.

وزير الخارجية والهجرة يلتقي بنظيره الإيراني- فيس بوك
وزير الخارجية والهجرة يلتقي بنظيره الإيراني- فيس بوك

مصر دولة قيادية، ومفترض أن تكون عنصرًا رئيسيًا ومكونًا أساسيًا في أي معادلة بالمنطقة أو توازن أو تفاوض استراتيجي، والحقيقة طالت فترة القطيعة بين القاهرة وطهران أكثر من اللازم. ربما لا يوجد في العالم كله هذه المدة الطويلة جدًا من القطيعة بين دولتين، تصور أنها منذ عام 1978، أي ما يقارب نصف قرن.

كل الدول العربية تقريبًا باستثناء مصر حرضت على إيران وطهران تتراجع لكنها لم تنكسر

السودان ومصر

في الملف السوداني.. إلى أين ترى مآلات الصراع الحالي وموقف مصر؟

أرى أن الحرب في السودان ستمضي إلى مرحلة استنزاف طويلة، بلا أفق.

ميناء أرقين على الحدود المصرية السودانية (وكالات)
ميناء أرقين على الحدود المصرية السودانية (وكالات)

مصر والسودان روح واحدة، تدخلنا في أكثر من مرحلة بناءً على طلب السودانيين، منذ أيام “النميري”، وحتى الفترات الأخيرة. يجب ألا تتأخر مصر عن التدخل ونصرة الشرعية السودانية الممثلة في هذه المرحلة في الجيش الوطني السوداني، وأي شرعية سودانية عمومًا في أي وقت لاحق.

يجب أن يكون للقاهرة دور أكبر في السودان، والوسائل كثيرة، ولكن ربما مصر لا تريد أن تجد نفسها في مواجهة دولة عربية أخرى مثل الإمارات بسبب تدخلاتها لصالح قوات الدعم السريع.

دور الإمارات

بذكر الإمارات، البعض يتحدث عن دور سلبي لأبو ظبي في السودان.. ما تعليقك؟

فيما عدا ما يكتب من تقارير مرسلة، ليس لديّ وثائق أو معلومات مباشرة عن هذا الدور.

الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يرحب بقائد قوات الدعم السريع حميدتي في أبو ظبي AFP - RASHED AL-MANSOORI
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يرحب بقائد قوات الدعم السريع حميدتي في أبو ظبي AFP – RASHED AL-MANSOORI

لو كان صحيحًا ما يقال وما يشاع، فليس هذا هو الدور المنتظر من الإمارات في السودان.

ودعنا مما تفعل الإمارات في السودان، ولنركز على دور مصر هناك، فهي بلد مهم للغاية. الإمارات ليس لديها إلا “الفلوس”.

الإمارات ليس لديها إلا “الفلوس” ولا يمكنها لا هي ولا السعودية احتلال مكانة مصر رغم الظروف الحالية

السعودية والإمارات ومصر

هل يمكن أن تأخذ الإمارات بفلوسها مكانة القاهرة ومكانها كما يخشي البعض؟

لا يمكن أبدًا حتى ولو جاءت مائة إمارات. لن تستطيع الإمارات احتلال مكانة مصر رغم ظروفها الحالية.

وماذا عن السعودية؟

لا يمكن للسعودية أن تُغني عن مصر. هي دولة مهمة ومؤثرة، ولكن ليست بديلة لمصر. وأي توسع تقوم به الرياض، ليس وليد اليوم، ولكنه من قبل 2011، وتقصد به تأمين نفسها من إيران وأذرعها، حتى أنها “تتمنى العمى ولا تتمنى وجود حزب الله في لبنان”.

عبد العظيم حماد أكد أهمية وجود تصورات جديدة في الأقليم في الفترة المقبلة - تصوير إسلام يحيي فكر تاني
عبد العظيم حماد أكد أهمية وجود تصورات جديدة في الأقليم في الفترة المقبلة – تصوير إسلام يحيي فكر تاني

أزمة ليبية مجمدة

في الملف الليبي.. إلى أين تذهب الأزمة الليبية برأيك؟

لا جديد في الأفق، هي أزمة مجمدة تشهد أوضاع بائسة وصلت إلى قرارات منع قيادات المرأة للسيارات.

كتاب أبيض عن إثيوبيا

نذهب إلى إثيوبيا.. هل باتت مسرح عمليات لأعداء مصر؟

قصتنا معها هي النيل فقط، ومصر أخذت مسار “البال الطويل”، لأسباب غير واضحة، فلا أعرف هل كنا ندعي وجود أضرار ولم يكن هناك أضرار، أم أن الأضرار تم احتوائها؟ أم أن الأضرار لا تزال في الطريق؟ لا أحد يعرف شيئًا.

سد النهضة في إثيوبيا
سد النهضة في إثيوبيا

نريد أن تصدر مصر تقريرًا رسميًا بلا غموض عن حقيقة مشروع سد النهضة الإثيوبي، يتضمن التقييم الاستراتيجي الرسمي، الذي سيمكث مائة عام معبرًا عن مصر وتأثير سد النهضة الإثيوبي عليها والبدائل المتاحة في المستقبل.

لابد من إصدار كتاب أبيض، كما يسميه البعض أحيانًا، لنعرف كل الحقائق، وما يترتب عليها من تعميق الوعي بها لدرجة الإيمان.

لن نستطيع الحديث عن قضية النيل قبل أن نرى هذا الكتاب قريبًا، لنحدد هل هناك خطر، أو نصف خطر، أو ربع خطر، أو حتى ينفيه؟

إسرائيل نجحت في تجاوز العام 1973 وعادت بنا إلى 67 وقضت على كل العقبات والتحديات التي تهدد أمنها

نذهب إلى الاحتلال.. ما تعليقك على حديث بنيامين نتينياهو عن شكل الشرق الأوسط الجديد؟

إسرائيل نجحت منذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر في القضاء على كل العقبات والتحديات التي تهدد أمنها واحدًا تلو الآخر، وخاصة المقاومة المسلحة من حماس، والردع النشط من جميع حلفاء إيران، وفي مقدمتهم حزب الله.

جرَّف "الطوفان" في عنفوان جريانه، أوهام نتنياهو، وبالتوازي مسح مساحيق التنكر، عن الوجه "الدراكولي" لإسرائيل
جرَّف “الطوفان” في عنفوان جريانه، أوهام نتنياهو، وبالتوازي مسح مساحيق التنكر، عن الوجه “الدراكولي” لإسرائيل

لقد تخطت إسرائيل نتائج حرب 1973، وعادت بنا إلى نتائج حرب 1967. ونتينياهو يسير في طريق إنجاح ذلك المشروع.

كيف نفهم ما تطرح من قراءة يمكن أن يصنفها البعض “دمجًا لإسرائيل في المنطقة” في وقت تدعو الأصوات العالية منذ طوفان الأقصى إلى زوال إسرائيل وعودة فلسطين من البحر إلى النهر؟

هل عندما يحلم أحدهم بأن يصبح رئيس جمهورية، يصبح رئيس جمهورية؟

أنا أطرح تصور جديد، في الحقيقة هو إحياء للميثاق الوطني الفلسطيني قبل العام 1948 وحتى الاعتراف المتبادل أيام بوش الأب، والذي يرى أن فلسطين دولة واحدة من البحر إلى النهر، علمانية ديمقراطية على أساس المساواة في المواطنة بين جميع الأديان، على أساس صوت واحد كما قلت لكل واحد.

ما تدعو إليه الآن اسمه “فلسطين” أم إسرائيل؟

أيا كان الاسم، هي في الأصل اسمها فلسطين. ولكن، لنترك هذه الأمور لوقت حدوثها، فهذا الكلام الذي أتحدث عنه، قد يحدث بعد 50 سنة وليس الآن. قد يفكرون فيه بعد 10 سنوات.

إقليمنا سيخضع لهيمنة إسرائيلية بمباركة سعودية إماراتية

انحياز أمريكي دائم

أين تذهب المنطقة بعد فوز ترامب؟

ترامب انتخب مرة قبل ذلك. ماذا حدث؟!

البيت الأبيض دائمًا منحاز لإسرائيل، وفريق ترامب الجديد يتحدث عن أنه لا توجد أرض محتلة. ماذا سيحدث أكثر من هذا؟

هناك توحد بين ترامب ونتنياهو من جهة، وبين اليمين الصهيوني واليمين الأمريكي، وبالتالي ستشهد القضية الفلسطينية انحسارًا أكيد.

ترامب ونتنياهو - تصميم سلمى الطوبجي
ترامب ونتنياهو – تصميم سلمى الطوبجي

وسط تلك المتغيرات.. أين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة؟

هل الجامعة العربية موجودة بالأساس كي نتحدث عنها؟ أما الأمم المتحدة فعلى الأقل صوتها موجود.

هل يمكن أن تشكل موسكو ومعها بكين أداة توازن في المنطقة والعالم؟

لا توجد أي دولة في العالم تستطيع إحداث توازن عسكري أمام الولايات المتحدة.

فيما عدا توازن الردع النووي، لا يوجد توازن عسكري يمكن أن يحدث أمام أمريكا. التوازن الاقتصادي، يمكن أن تحقق فيه الصين تقدمًا بل وتفوقًا، ولكن هذا التفوق لا يصنع بمفرده شيئًا.

مستقبل الإقليم ومصر

إلى أن يتجه الإقليم وأين موقع مصر فيه؟

مصر يجب أن تنشغل بتنمية اقتصادها، وتحديث مجتمعها، بحيث تكون قادرة على اللحاق بركب معادلة القوة الشاملة.

أما الإقليم، فسيخضع لهيمنة إسرائيلية بمباركة سعودية إماراتية.

ألا تعد تلك النظرة تشاؤمية بعض الشيء بينما يتحدث البعض عن تفاؤل بانتصار المقاومة؟

نتمنى هذا. وأعتقد أن هذه المنطقة لن تستسلم طويلًا لتلك الهيمنة الإسرائيلية.

في المستقبل القريب، ستثور المنطقة ضد تلك الهيمنة يومًا ما، وستعيد بناء قوة ذاتية تواجه إسرائيل، والفلسطينيون سيبتكرون وسائل مقاومة جديدة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة