استقبلت معلمة اللغة العربية نادية محمد قرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، بفصل الطالب الذي يصور المعلم للسخرية والتنمر، بنوع من الترحيب والتهكم في آن واحد "بيعملوا كل حاجة يقنعوا بيها المعلم إنهم خايفين على كرامته، إلا إنهم يقربوا من دراسة حقوقه ومستحقاته المالية والوظيفية والاجتماعية اللي هي أساس تأكيد الكرامة".
لا تنكر نادية أن الوزير، اتخذ منذ توليه المنصب قبل عامين ونصف، الكثير من القرارات الجزائية ضد الطلاب المتجاوزين، في محاولة لصون كرامة المعلم. لكنها ترى أن تلك القرارات وحدها لا تكفي، موضحة لـ"فكر تاني"، أنه "مش دي بس الحاجات اللي المعلم عايزها علشان يحس إنه مهم عند الحكومة والوزارة، كل شوية يقولوا كرامة المعلم خط أحمر، طب حقوقنا ومستحقاتنا ووضعنا ليه مش خط أحمر".
ومؤخرًا فُصل طالبًا في المرحلة الثانوية، عقب قيامه بتصوير معلمة في أثناء الشرح داخل الفصل، ثم نشر الفيديو على تيك توك مصحوبًا بتعليق مسيء للمعلمة. وعاقبت إدارة المدرسة الواقعة في محافظة الغربية الطالب بالفصل أسبوعًا، قبل أن يستصدر الوزير قرارًا بفصل أي طالب يرتكب التصرف نفسه لمدة عام كامل. وقالت الوزارة في بيان رسمي إن "الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، ثوابت أساسية للعملية التعليمية".
لكن العبارة نفسها أعادت نادية إلى سؤال أوسع يتعلق بمعنى الهيبة في نظر المعلمين، تقول "هيبة وكرامة واحترام المعلم، إن الحكومة تشوف شكواه المستمرة من هزلية المرتبات والمكافآت والحوافز وضعف وضعه الاجتماعي والوظيفي. لما الحكومة تعمل الصح، صورة المعلم في نظر الأهالي والطلبة هتتحسن، لكن المعلمين طول الوقت بيصرخوا من غير ما حد يسمعهم، طب فين هيبتهم واحترامهم".
أرقام على الورق وأخرى في اليد
ويأتي هذا الاعتراض بينما تحدث وزير التعليم، قبل أيام، خلال جلسة عقدها مع مجموعة من المفكرين والإعلاميين، عن حدوث "طفرة كبيرة" في مرتبات المعلمين بين عامي 2024 و2026. وقال إن راتب درجة "كبير معلمين" ارتفع إلى 14.720 جنيهًا، مقارنة بـ10.315 جنيهًا قبل عامين، مضيفًا أن باقي درجات المعلمين زادت بالنسبة نفسها، غير أن هذه التصريحات أثارت جدلًا بين المعلمين، بعدما اعتبروا الأرقام المعلنة غير واقعية بالنسبة إلى ما يصل إليهم فعليًا. وتقول نادية "المرتبات اللي أعلنها الوزير، محدش بياخدها فعلا. أنا كبير معلمين ويادوب بمسك في إيدي 9500 جنيه مش 14 ألف جنيه، طب الباقي بيروح فين؟! علشان محدش يستغرب، بيروح في الاستقطاعات والضرائب".
وتتصل شكوى نادية بمشكلة أوسع تتعلق بطريقة احتساب المستحقات المالية للمعلمين. فبحسب ما يورده عدد كبير منهم، هناك ظلم واضح في هذا الجانب بسبب تجميد الأساسي الذي يتقاضونه عند عام 2016. ويشرح رأفت منتصر، وهو معلم لغة إنجليزية للمرحلة الإعدادية، تجربته قائلًا لـ"فكر تاني"، إنه "بناخد مرتباتنا على أساسي 2014، وبيتخصم مننا الضرائب والاستقطاعات على أساسي 2026، هو ده بيحصل مع أي موظف في البلد".
وتترتب على ذلك مشكلة أخرى في قيمة الزيادات نفسها، إذ تُحسب النسبة المقررة لأي زيادة في المرتبات أو الحوافز أو مكافآت الامتحانات بناءً على الأجر الأساسي المتجمد عند 2014، وليس الأساسي السنوي المفترض أن يتجدد مثل باقي موظفي الدولة. ويؤدي ذلك إلى تقليص القيمة الفعلية للزيادات، بينما تُستقطع الضرائب من المرتبات والحوافز على أساسي 2026.
وحين أثيرت هذه الإشكالية داخل مجلس الشيوخ، ردت وزارة التعليم بأن "المشكلة عند وزارة المالية، وتحتاج إلى مخصصات مالية ضخمة". وطالبت لجنة التعليم بالمجلس آنذاك بإدخال تعديلات على قانون الخدمة المدنية، إما بحصول المعلمين على رواتبهم وفق أساسي عام 2020 على الأقل، أو تثبيت الأساسي عند 2014، مع استقطاع الضرائب والتأمينات والمعاشات على أساسي 2014 أيضًا.
ويربط رأفت بين هذه الأوضاع وبين اهتزاز هيبة المعلم في نظر المجتمع عمومًا، والطلاب والأسر على وجه الخصوص. ويصف المعلم وضعه بأنه "ملطشة"، إذ لا يُعامل من قِبل الحكومة بما يليق به ماديًا واجتماعيًا ووظيفيًا. ويضيف أنه لا يعرف فئة من الموظفين تعاني مثل المعلمين، مشيرًا إلى أن البحث عن دور النقابة لا يقود، في رأيه، إلا إلى كيان "منزوع الصلاحيات".
أين تذهب هيبة المعلم؟
ولا تتوقف المشكلة، وفق رأفت، عند المرتبات، إذ تمتد أيضًا إلى مكافآت الامتحانات. ويقول "لك أن تتخيل أن مكافأة الامتحانات للمعلم كانت 25 جنيهًا في اليوم الواحد، حتى زادت وأصبحت 130 جنيها في اليوم. هل هذا معقول وسط كل هذا الغلاء في الأسعار وتكلفة استقلال المواصلات ذهابا وإيابا، وشراء وجبة يومية وتوزيع المعلم على لجنة بعيدة عن مقر سكنه، عن أي هيبة يتحدثون".
وبينما كان يفترض أن تكون صفحات المعلمين على مواقع السوشيال ميديا مساحة لمناقشة السياسة التعليمية والمناهج وغيرها، أصبحت في نظر رأفت منصة للصراخ والشكوى من سوء وضعية المعلمين. ومن هنا يطرح سؤالًا يتعلق بما يراه الطالب في تلك الصفحات، ثم يجيب عنه بنفسه "بالطبع سيتعامل مع المعلم باستخفاف".
وامتدت الأوضاع نفسها إلى المعلمين الذين استعانت بهم وزارة التربية والتعليم للعمل بالحصة من خريجي الجامعات لسد العجز في المدارس. فهم، وفق الشكاوى الواردة، لا يتوقفون عن الحديث عن ضعف قيمة الحصة، التي تُسعر بـ50 جنيهًا، بينما يحصلون منها على 30 جنيهًا بعد خصم الضرائب والاستقطاعات.
ولا تقتصر المشكلة على قيمة المقابل، إذ إن هؤلاء المعلمين لا يتسلمون مستحقاتهم بانتظام في نهاية كل شهر، وتتأخر الرواتب رغم طلبات الإحاطة التي تُقدم بصورة دورية في مجلس النواب. وكان آخرها ما قاله النائب إيهاب منصور في طلبه إلى وزير التعليم ورئيس الحكومة، حين وصف "تأخر مستحقات معلمي الحصة" بأنه "جريمة"، مؤكدًا أن "المعلم يستحق معاملة أفضل إذا أردنا الحفاظ على هيبته". وجاء ذلك ردًا على تأخر المستحقات من أكتوبر 2025 حتى مارس 2026.
ومن تجربة المعلمين بالحصة، ترى أمنية محمود، التي تعمل بهذا النظام منذ 3 سنوات، أن الرسالة التي تصل إلى الطالب عن مكانة المعلم أصبحت سلبية. وتقول "للأسف صورة المعلمة اهتزت بسبب إن الحكومة مش عاملة لهم اعتبار لما يشتكوا ويطلبوا ويستغيثوا أو حتى يقترحوا حلول لمشكلات مرتبطة بالعملية التعليمية".
وهذه الصورة، في رأي أمنية، ترتبط أيضًا بما جرى نقله من تجارب تعليمية أجنبية، إذ تستنكر قائلة "يعني وزارة التعليم نقلت التجربة اليابانية للمدارس، لكنها منقلتش ازاي المعلم بيتعاملوا معاه في اليابان". ثم تشرح "المعلم في اليابان صانع سياسة تعليمية، أو جزء من صناعة السياسة، من كتر ما الحكومة بتثق فيه وعاملة له قيمة كبيرة، فطبيعي المجتمع كله هيشوفه بصورة مختلفة، ويحفظ هيبته ويضعه في مكانة عظيمة، وهناك لا بيشتكي من ظروفه المالية ولا المعيشية، ولا طول الوقت بيصرخ، يا ننقل التجربة كلها على بعضها يا هيبقى النقل مشوه وملوش قيمة".
أين تذهب هيبة المعلم؟
وتعود أمنية إلى النقطة التي بدأت منها نادية، وهي أن كرامة المعلم لا تختزل في منع تصويره داخل الفصل، فتقول "الحفاظ على كرامة وهيبة المعلم أكبر من مجرد غلق الكاميرات في حضور المعلمين داخل الفصل، وأكبر من تصويرهم من الطلاب في وضعية سلبية، لأنهم بالأساس داخل تلك الوضعية. هم يشعرون بها ويعيشون معها".
وتربط أمنية قيمة المعلم، كما تراها، بخصوصية التعامل معه والاستماع إلى رأيه، وتقول "المعلم يرى قيمته وكيانه في خصوصية التعامل معه، والاستماع إلى رأيه، لا أن يكون هناك قطيعة بين طموحاته، وبين ما تريد الحكومة فعله. نحن لا نشارك في صناعة أي سياسة تعليمية، وتُفرض علينا فرضًا، ومطلوب تنفيذ الأوامر فقط، أيّ هيبة هذه".
وتأتي هذه الشكوى في مقابل ما يكرره وزير التربية والتعليم في مناسبات مختلفة، من أن قرارات الوزارة تُناقش مع المعلمين ومديري المدارس لأنهم أساس المنظومة التعليمية. لكن رأفت ينفي أن يكون هذا هو ما يحدث فعليًا، ويقول "كل اللي الوزير بيعمله، إنه بيسأل المعلمين في الجولات عن رأيهم في القرارات اللي صدرت، مش اللي ناوي يصدرها، احنا مجرد موظفين مفروض علينا سياسة ننفذها، وحتى لو اقترحنا حلول لمشكلات مرتبطة بتنفيذ السياسة على الأرض، محدش بيسمع. هل دي هيبة وقيمة المعلمين".
وفي الجهة الأخرى، يطرح مسؤول قيادي بوزارة التربية والتعليم، طلب عدم نشر اسمه وهويته لأنه غير مصرح له بالتحدث إلى الإعلام، قراءة مختلفة لمسألة المسؤولية عن وضع المعلمين.
ويقول لـ"فكر تاني"، إن "تحسين وضعية المعلمين ماديًا واجتماعيًا ووظيفيًا، ليست مسؤولية وزارة التعليم وحدها، وتتحملها الحكومة والبرلمان معًا". ويضيف "احنا بناخد في صدرنا كل حاجة، مع إننا مش وزارة المالية مثلًا علشان نزود مرتبات المعلمين، ولا وزارة التخطيط علشان نضع بند خاص بزيادة مخصصات المعلمين، ولا مجلس النواب علشان نعدل بنود القوانين المتحفظ عليها من المعلمين".
ويرى المسؤول أن مساحة تحرك الوزارة تتركز في القرارات التي تستطيع إصدارها مباشرة، موضحًا "كل ما في أيدينا، أن نتخذ قرارات تعيد الاعتبار لهيبة ومكانة المعلم، ويكون بين يديه أداة تُلزم الطلاب على توقيره". ويستشهد بقرار إدخال درجات أعمال السنة ضمن مجموع الطلاب بنسبة تصل إلى 70%، قائلًا "أغلبها في إيد المعلم، أنا كدة بعمل له قيمة كبيرة في نظر الطلاب بتوعه، يعني لو تجاوزت فيه درجات سلوك هيخصمها منك، لو محترمتش عمل الواجب هيخصم منك، وغيره وغيره، ده اللي في إيد وزارة التعليم تعمله".
غير أن هذه المبررات لا تقنع رأفت، الذي يرى أن الوزارة مطالبة بتبني مطالب المعلمين أمام الحكومة، خصوصًا مع ما يعتبره غيابًا لدور النقابة. ويقول "دور وزارة التعليم أن تتبنى مطالب المعلمين من الحكومة، طالما أن نقابتهم لا تحرك ساكنا، وتكتفي بموقف المتفرج".
ويتابع "نعم هذه وزارة التعليم وليست الشؤون الاجتماعية، ولكن قيمة المعلم وهيبته، جزء من نجاح المنظومة التعليمية، والرضا الوظيفي للمعلم أساس أيّ تطوير، فما قيمة أن تجلب أعظم تجربة تعليمية في العالم، ومن ينفذها على الأرض، يفتقد الحد الأدنى من اعتباره أمام الطالب والمجتمع".
ومن هذه الزاوية، يستشهد رأفت بما حدث مؤخرًا في جولة لمحافظ القليوبية بمدرستين، جرى توثيقها عبر تقنية البث المباشر من خلال صحافيين، وتضمنت ما وصفه بإهانة من المحافظ لمديري المدرستين، "أستاذ نادر" و"أستاذة صالحة". وخلال الجولة أُقيل نادر على الهواء، وقال له المحافظ "أنت مهمل"، فيما قال لـ"صالحة" "ازاي أعلم الطلبة النظافة وأنا أصلا وسـ خ".
ويرى رأفت أن الواقعة تقدم، في نظره، نموذجًا لنظرة مسؤول كبير إلى المعلم، ولذلك يقول "علشان كدة بنقول، عايز الطالب يحترم المعلم، احترمه انت الأول كمسؤول، أو كحكومة، واديله حقه، وحجمه، ورجع له اعتباره الوظيفي والاجتماعي، لأنك مينفعش تقنع الطالب بحاجة انت مش بتعملها من الأساس".
مدرسون على الورق
ويعود المسؤول القيادي في الوزارة إلى الدفاع عن حدود ما تستطيع الجهة التي يعمل بها القيام به، موضحًا "ما في وسعنا، أن نطلب ونضغط ونقدم مبررات الطلب لإقناع الحكومة". ويستشهد بـحافز التدريس الذي يقول إن الوزارة كانت وراء إقراره للمعلمين، ويُصرف شهريًا، موضحًا أنه كان بقيمة ألف جنيه العام الماضي، ثم زاد إلى 2100 جنيه شهريًا من العام الدراسي الحالي، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي وافق عليه "لاقتناعه بقيمة المعلم".
غير أن نادية تعيد النقاش إلى ما يصل إلى المعلم فعليًا بعد الخصومات، فتقول "للأسف أخدنا الألف جنيه 550 جنيه بعد الاستقطاعات، وهناخد الـ2100، حوالي 1100 جنيه، ده يرضي مين. أهو ده اللي بنتكلم عليه، احنا على الورق مهمين، وفي الواقع مهمشين، احنا مش عايزين فصل للطالب المتجاوز ضد المعلم، احنا عايزين حقوقنا اللي ضياعها، سبب ضياع هيبة المعلم".
وتلخص تلك الصورة السلبية لمكانة المعلمين كلمات المستشار السابق بوزارة التربية والتعليم حسن محرم، في منشور كتبه على فيسبوك، حين قال "أخذنا من اليابان المناهج لأنها ببلاش، ولم نأخذ منهم كيفية إعداد المعلمين ولا رفع مرتباتهم، ولا سد العجز ولا بناء الفصول ولا توفير معامل، لأنها ليست مجانا، أخذنا 4 فرد كاوتش لسيارة مرسيدس، لتركيبهم في عربة كارو".
وهو تصريح يعيد إلى أصل المشكلة التي ظلت تتكرر في شهادات المعلمين طوال هذه القصص، وهو الفارق بين ما يُطلب منهم أن يجسدوه أمام الطلاب، وما يقولون إنهم يحصلون عليه من المؤسسة التي يعملون داخلها. فالمعلم مطالب بالحضور والتأثير والانضباط، بينما يتحدث عن راتب لا يصل بالقيمة المعلنة، ومستحقات تتأخر، ومكافآت تتآكل بالاستقطاعات، ودور محدود في القرارات التي يتولى تنفيذها داخل الفصل.
من هنا، لا تبدو واقعة تصوير المعلمة مجرد مخالفة تستوجب العقوبة، وإنما جزءًا من علاقة أوسع تتشكل فيها صورة المعلم أمام الطالب من تفاصيل يراها يوميًا، وتصل إليه رسالتها من المدرسة والوزارة والأسرة والمجتمع. وإذا كان الهدف هو أن يعرف الطالب حدود التعامل مع معلمه، فإن السؤال يمتد بالضرورة إلى الحدود التي تضعها المؤسسة نفسها في علاقتها بالمعلم، وإلى ما إذا كانت القرارات التي تحميه داخل الفصل ترافقها إجراءات تمنحه المكانة التي يطالب بها خارج الفصل.