اذكرني عند ربك

منذ زمن طويل، وكلما مررتُ على هذه الآية، توقفت.

﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾

آية تختزل في كلمات قليلة مشهدًا من مشاهد الألم الإنساني العالق بين الظلم، والانتظار، والتوصيات.

يوسف، النبي الكريم، ابن النبي الكريم، المحبوس ظلمًا في سجون مصر بعد مكيدة امرأة العزيز، يطلب من رفيقه في السجن، ساقي الملك، أن يذكره عند “ربه”. لا عند رب العالمين، بل “ربه” بمعناها الدنيوي، الذي يملك أمر الرقاب في الدنيا – الملك.

الرب هنا، كما يقول أهل اللغة، تعني “المالك” أو “السيد”. فنقول رب الدار ورب البيت، لكن حين تقال في مصر الفرعونية، لا تخلو من ظلٍّ ديني. فالفرعون لم يكن مجرد ملك، بل كان يُعبَد، ويُؤلَّه، ويُقدَّس. كانت كلمته قانونًا، وكان اسمه يرتبط بالسماء لا بالأرض.

في هذا السياق، هل كان يوسف عليه السلام يسعى للخلاص من السجن عبر وساطة بشرية؟ وهل في ذلك خطأ؟ وهل علينا أن نلام حين نحاول أن نصل إلى حقٍّ نعرف أنه لن يُستعاد إلا إذا “كلم أحدهم أحدًا”؟

التفاسير تختلف هنا.

بعضها يرى أن يوسف، رغم نبوته ومكانته، نُسي في السجن لأن الشيطان أنساه أن يربط طلبه بالله، وأن يعتمد عليه وحده.

بعضها الآخر أكثر لطفًا، فيقول إن الاستعانة بالبشر ليست خطًأ في ذاتها، لكنها قد تليق بالناس العاديين، لا بأنبياء الله، الذين يُنتظر منهم توكُّلٌ أعلى، ويقينٌ أصفى.

لكن بعيدًا عن فقه الآية، جاءتني فكرة أخرى، أكثر التصاقًا بواقعنا الحالي.

تلك الآية تذكّرني بمشاهد واقعية – ليس في سجن يوسف، بل في سجوننا، وفي شوارعنا، ومكاتبنا، وحياتنا كلّها.

حين يُحبس المظلوم، فينتظر أن “يُذكر عند أحدهم”، أو حين تذبل موهبة حقيقية لأنها لم تجد من “يذكرها عند ربه”. حين تكون العدالة مرهونة بالتوصية، والفرصة مرهونة بالواسطة، والنجاة مشروطة بأن يكون لك “ظهر”.

المساجين الآن، كما كان يوسف، ينتظرون أحدًا، ليس بالضرورة ليظهر براءتهم، ولكن فقط… ليتذكرهم.

“اذكرني عند ربك”، تتردد داخل الزنازين، فكلما سمعوا خبرًا عن عفو، أو إفراج، أو قائمة تضم أسماء، ينتعش الأمل، ويُطرح السؤال: “تفتكروا حد هايفتكرنا؟”.

مرّات كثيرة، لا يتعلق الأمر بالعدل ولا القانون، بل فقط بمرور شخص “يعرف شخص آخر له القدرة على اتخاذ القرار”، أو وجود اسم في قائمة لأن له من يتكلم، لا لأن له حقًا.

كأن العدالة مشروطة بـ “اذكرني”.

ولكن من يذكر المسجونين على خلفية قضايا سياسية الآن وقد انفضت لجان العفو منذ وقت طويل؟

إن نظرنا للأمر بشكل أكثر شمولًا، سنجد أن الأمر لا يقف عند السجون، فالتعيينات والمنح، وفي السفر، والترقي، وفي المناصب القيادية بشكل عام، في كل فرصة تقريبًا، تجد نفسك في انتظار أن يفتح أحدهم الباب، لا لأنك تستحق، بل لأنك “تعرف”.

والذين لا يعرفون؟ ينتظرون، وكأن القاعدة “التذكير عند الرب” وليس تكافؤ الفرص.

فكم من شخص موهوب لم تُتح له فرصة لأنه لم يكن له مَن “يذكره”، وكم من منصب شغله شخصٌ متوسط أو عديم الموهبة، فقط لأن له “ظهر” أو معارف قاموا بإتاحة الفرصة.

كفاءةٌ دفنت، وعدالةٌ تعطلت، ومجتمعٌ يُدار بالصدف والعلاقات.

كم فرصة ضاعت بسبب “نسيان الساقي”؟ وكم مفسدة حدثت بسبب “فائض التذكير”؟ والكارثة الأكبر، أننا لم نعد نندهش، وتأقلمنا على أن الحياة لا تُدار إلا بالعلاقات.

سيدنا يوسف لَبِثَ في السجن بضع سنين، لأن الساقي نسي، أو لأن الله أراد له أن يبقى، لحكمة يعلمها وحده.

أما نحن، فنبقى في سجون من نوع آخر، لأن هناك منظومة إدارية ولوائح لا تكرم الكفاءة، ولا تنصف المظلوم، ولا تعترف إلا بمن له شخص ما.. يذكره عند من له سلطة اتخاذ القرار.

1 تعليق

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة