ليكن “احتفالًا” لا يُمحي الذاكرة والأثر

في تلك المساحة التي طالما احتفظت بهيبتها وسط ضجيج القاهرة، تبدو أعمدة قصر البارون وكأنها تهمس بقصص من زمن بعيد. المكان الذي شُيد ذات يوم على طراز المعابد الهندوسية، ظل لسنوات يطل على المدينة من شرفة أسطورية لا تمسها الفوضى. حتى إذ جاءت اللحظة، فاخترق الصوت العنيف هدوء المشهد، لتتداعى الصورة الساحرة تدريجيًا.

في واحدة من مساءات أبريل الماضي، فقد قصر البارون بعضًا من هيبته، بعدما سقط “ستاند” إنارة ضخم خلال حفل أُقيم في باحاته، لتتكشف الفوضى المؤلمة، وتتحول ساحة القصر العريقة إلى “مسرح حادث” كاد يودي بحياة عدد من مدعوين لمؤتمر طبي، قبيل الفقرة الخاصة بالفنان تامر حسني.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تخرج فيها الاحتفالات عن السيطرة داخل مواقع مصنّفة تراثيًا، لكنها أعادت فتح الجدل حول مدى تحول الآثار إلى مسارح مؤقتة لحفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية، على حساب قدسية المكان وذاكرة التاريخ.

حادث قصر البارون

شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في تنظيم الفعاليات الاجتماعية داخل المواقع الأثرية الممتدة من قلاع المماليك شمالًا إلى المعابد المصرية القديمة بالجنوب، وتحولت المساحات التاريخية إلى خلفيات للـ “فوتوسيشن”، وواجهات لحفلات زفاف تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتكرر الأسئلة: أين تقف حدود الاستثمار السياحي؟ ومتى يتحول الحضور إلى اعتداء على الأثر؟

كانت وزارة السياحة والآثار قد بدأت في عام 2016 تنفيذ سياسة جديدة لدمج الآثار ضمن الحياة الثقافية والاقتصادية، تحت شعار استثمار التراث. فأُقيمت حفلات موسيقية داخل معبد فيلة، وعروض فنية بقلعة قايتباي، وأعراس فاخرة داخل قصر البارون.

ورغم أنه يبدو احتفاءً بالتاريخ، يرى مختصون أن هذه الفعاليات تُخفي خطرًا على المعالم ذاتها، إذ لم تُراعَ القواعد العلمية والتنظيمية، ونتج عن ذلك حوادث تكررت على المستويين الأمني والرمزي.

الخطر الصامت

يرى الدكتور سامح الزهار خبير الآثار الإسلامية، أن الانجراف وراء تنظيم فعاليات ترفيهية داخل المواقع الأثرية يمثل تهديدًا غير محسوب، مؤكدًا: “ما يبدو ساحرًا من الخارج، قد يخفي في طياته خطرًا دائمًا”. ويشدّد الزهار، في حديثه مع فكّر تاني، على أن المواقع الأثرية ليست فضاءات مؤقتة تُزيَّن لالتقاط الصور أو صناعة لحظة فرح، بل هي كنوز إنسانية لا تتكرر، وجمالها نابع من طبيعتها الأصلية، لا مما يُضاف إليها.

كما يُعرب الزهار، عن قلقه من الضرر الذي تُحدثه الحفلات الكبرى، مثل حفلات الزفاف على الأرضيات الحجرية التي مرّت عليها آلاف السنين، واصفًا إياها بأنها “ليست مجرد بلاط، بل وثائق أثرية”، موضحًا: “كثافة حركة المدعوين ونقل معدات الإضاءة والصوت يسبب خدوشًا سطحية قد تتطور إلى انهيارات دقيقة في عناصر لم تُرمم منذ عقود”.
ويشير إلى أن مخلفات الحفلات، كالمشروبات والزجاجات، قد تتفاعل كيميائيًا مع مكونات أثرية حساسة، واصفًا إياها بـ”قنابل مؤجلة على جلد التراث”.

يرى الزهار، أن تحويل المواقع الأثرية إلى ساحات تجهيز يُطلق سلسلة من “الإصلاحات المؤقتة” التي تخلف آثارًا دائمة، موضحًا أن الخيام والأسلاك ومعدات الإضاءة لا تثبت نفسها في الهواء، بل تحدث ثقوبًا وضغطًا متكررًا على بنية المواقع.

“كل تعديل مهما بدا بسيطًا، يعبث بالبنية الأصلية التي صمدت قرونًا، هذا إلى جانب الأذى الخفي للموسيقى الصاخبة، فالترددات العالية تُنتج اهتزازات تؤثر على الجدران القديمة من الداخل، حتى لو لم يظهر التشقق في الحال”، واصفًا ذلك بـ “الخطر الصامت”.

من حفلات القلعة

كل حجر له حماية

يسلط الدكتور سامح الزهار، الضوء على بُعد آخر يتجاوز الضرر المادي، وهو المساس بالهيبة الثقافية للموقع، مؤكدًا أن صخب الاحتفال يُغيّر الصورة الذهنية للمكان من فضاء تأمل وتاريخ إلى خلفية استعراضية، قائلًا: “المواقع الأثرية ليست مجرد مسارح جميلة، بل ‘نصوص حجرية صامتة يجب أن تُقرأ بإجلال‘، وفقدان هذه الهيبة قد يؤثر على وعي الأجيال القادمة التي قد تنظر إلى المكان باعتباره مجرد ‘زينة‘ وليس رمزًا.
ويضيف، أن بعض الفعاليات تتزامن أحيانًا مع أعمال تنقيب أو ترميم دقيق، ما يعرضها لخطر غير مقصود، كما أن استخدام الألعاب النارية أو الشموع قد يشعل كارثة حقيقية في بيئات تحتوي على مواد عضوية أو قابلة للاشتعال، مؤكدًا: “التراث لا ينهار بصوت انفجار.. بل ببطء، وبإهمال”.

ويوضح الزهار خبير الآثار الإسلامية أن حماية الآثار التزام قانوني بموجب القانون رقم 117 لسنة 1983، والذي يجرم أي استخدام غير مصرح به أو فعل يؤدي إلى تشويه الأثر، حتى لو كان ذلك عن طريق الإهمال، مشددًا على أن “كل حجر في هذه المواقع له حماية قانونية، لا يحق لأي جهة تجاوزها مهما كانت النوايا”.

“المواقع الأثرية ليست ديكورًا فاخرًا لصور الزفاف، بل رسائل خالدة من الماضي. من يضع قدمه فيها، عليه أن يدرك أنه يسير فوق إرث إنساني لا يُعوض”.

اقرأ أيضًا: عودة الآثار المصرية

البهجة تحتاج إلى ضوابط

من جانبه، يدعو الدكتور حسين عبد البصير عالم الآثار ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إلى تحقيق “توازن” في استخدام المواقع الأثرية، لا إلى رفض قاطع. موكدًا لـ فكّر تاني، أن الرغبة في الاحتفال وسط الجمال التاريخي مفهومة. لكن لا بد أن تتم بروح من المسؤولية، فالصوت العالي والإضاءة القوية تؤذي النقوش، حتى لو بدا الأثر سليمًا للعين المجردة.
 ويوضح: “التأثيرات التراكمية لتلك الفعاليات بالرطوبة، التي لا تُرى وهي تتسلل إلى قلب الجدار، لكنها في يوم تُسقطه”، داعيًا إلى استخدام أنظمة صوت منخفضة الاهتزازات وإضاءة غير مؤذية تراعي درجات الحرارة وتحمي المواد الأثرية من التفاعل الكيميائي.

ويرى الدكتور عبد البصير، أن هناك ضرورة لتحديد “مناطق آمنة” داخل المواقع تصلح للاستخدام دون الإضرار بالأجزاء الهشة، مؤكدًا أن الضوابط ليست ترفًا إداريًا بل أدوات إنقاذ. مشددًا على أهمية أن تتحول الفعاليات داخل المواقع الأثرية إلى نموذج عالمي، قائلًا: “نريد احتفالات تُقدّم بهجة اللحظة دون أن تمحو عراقة المكان، لم لا نحتفل كما يفعل العالم لا كما نهوى، فالحضارة لا تُصان إلا بوعي، والبهجة لا تُبرر الخطر”.

بينما يرفض العالم الأثري الدكتور زاهي حواس هذا التوجه، مؤكدًا لـ فكّر تاني: “إقامة الحفلات داخل المواقع الأثرية إهانة لمكان مقدس، هذه أماكن لها هيبة لا يجوز المساس بها، ولا توجد دولة في العالم تسمح بإقامة أعراس داخل آثارها، بل تُنظم الفعاليات الثقافية في محيطها فقط”.

ويضيف حواس، أن هذه الممارسات تُسيء إلى قيمة الآثار التاريخية، وتحدث نوعًا من التلوث البصري، كما تضر بجماليات الموقع وبنيته الفيزيائية.

فيما كشف أحد العاملين بمجال ترميم الآثار -رافضًا ذكر اسمه- عن التأثيرات الخفية لهذه الفعاليات، موضحًا لـ فكّر تاني: “كل فعالية تقام داخل أو قرب موقع أثري، تُحدث ضغطًا ميكانيكيًا بسبب الصوت، وارتفاعًا في درجات الحرارة بفعل الإضاءة، وزيادة في الرطوبة نتيجة كثافة الحضور، وهي عوامل تفتت الطبقة السطحية وتسرع من تآكل البنية المعمارية”.

“الأثر ليس مادة خاملة، بل يتأثر بالضوء والحرارة والرطوبة والاهتزازات، وما يبدو كاحتفال بريء اليوم قد يكون سببًا في سقوط جدار بعد عشر سنوات”.

من حفلات القلعة

ويشير المصدر المتخصص إلى المخاطر غير المرئية التي تسببها الأصوات العالية الصادرة عن مكبرات الصوت داخل المواقع الأثرية: “هذه الأصوات تُنتج موجات ضغط ميكانيكي تؤثر على البنية الحجرية، على غرار استخدام الموجات فوق الصوتية في تنظيف الآثار بدقة موجهة”.

“إن الإضاءة القوية في الحفلات تحدث تمددًا حراريًا غير متساوٍ بين طبقات الحجر، ما يؤدي إلى تشققات دقيقة وانفصال في الطبقة السطحية. ويجب عدم استخدام الألوان الزرقاء والخضراء في الإضاءة، نظرًا لاحتوائها على نسبة من الأشعة فوق البنفسجية التي تسرع التفاعلات الكيميائية داخل المواد العضوية للأثر، ما يُسبب تلاشي الألوان والنقوش تدريجيًا”.

ويؤكد أن الكشافات القوية ترفع درجة حرارة سطح الحجر بين درجتين إلى ثلاث درجات مئوية، ما يُفاقم من التمدد غير المتساوي ويسهم في حدوث شروخ دقيقة.

“غير أن كثافة الزوار في وقت قصير تُسبب ارتفاعًا في الرطوبة والحرارة داخل الموقع، ما يؤدي إلى تحلل البنية الحجرية بسبب تشبعها بالأملاح، ويحدث هذا التآكل ببطء على مدى زمني طويل”، ورغم هذه الأضرار، لم يُطالب المصدر بإلغاء الفعاليات بشكل كامل، بل يشدد على ضرورة تنظيمها خارج حدود المواقع الأثرية، مع استخدام المعلم كخلفية بصرية فقط، كما هو معمول به في دول مثل إيطاليا والهند.

ويقترح إعادة توظيف بعض المباني التاريخية من العصر الحديث، مثل قصور محمد علي، لأنشطة ثقافية أو سياحية، بشرط إجراء دراسات دقيقة لطبيعة الأثر. هذا إلى جانب تحرك علمي استباقي عبر دراسات علمية تسبق إقامة أي فعالية لقياس تأثير كل عنصر على الموقع، مشيرًا إلى أن غالبية الأضرار لا تظهر إلا بعد سنوات.

اقرأ أيضًا:”الفردوس” المفقود.. آلاف الأسر في بورسعيد تعيش “نكسة” جديدة

قرار وزاري سابق

في عام 2018، أصدر الدكتور خالد العناني وزير الآثار الأسبق، قرارًا حاسمًا بمنع إقامة الحفلات وحفلات الزفاف داخل المواقع الأثرية، بما يشمل القلاع والمقابر الفرعونية ومحيط الأهرامات. حمايةً لقيمتها وصونًا لقدسيتها. جاء هذا القرار بعد تلقي الوزارة عروضًا مالية ضخمة من جهات أجنبية لإقامة فعاليات في مواقع ذات رمزية أثرية، إلا أن الوزير رفضها، مؤكدًا احترامه لهوية المكان وتاريخه، قائلًا: “نحترم قيمة الأثر، والحفلات الفنية ليست بدعة، لكنها لا تعني أن نُحول الموقع إلى قاعة أفراح”.

في المقابل، دافعت وزارة السياحة والآثار عن استمرار هذه الفعاليات، شرط الالتزام بالقواعد التنظيمية. فيقول مصدر مسؤول بالوزارة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ فكّر تاني: “نرحب بإقامة الفعاليات داخل بعض المواقع، لكن بشروط دقيقة تحافظ على طابع المكان وخصوصيته”، مضيفًا: “الهدف ليس تجاريًا فقط بل ثقافي أيضًا، كما يحدث في إنجلترا ودول أخرى، والحوادث قد تقع في أي مكان، لكننا نراقب ونحاسب أي تقصير”.

ويشير إلى أن الوزارة تطبّق ضوابط صارمة تتعلق بالإضاءة ومصادر الصوت وعدد الحضور، ولا يُسمح بأي فعالية قبل إجراء تقييم شامل للموقع، أما وقوع حوادث متفرقة تستوجب الانتباه، مستشهدًا بما حدث في إحدى فعاليات قصر البارون، حين ظهرت مخاوف جدية من احتمال سقوط أحد “الستاندات” المعدنية على الجدران الأثرية.

“تجري الوزارة تقييمات دورية لحالة كل موقع بعد أي فعالية، وتُحاسب على أي تجاوز يتم رصده”.

تآكل متراكم

ورغم التطمينات الرسمية، يعبر مصدر فني متخصص داخل الوزارة عن قلقه من التأثيرات طويلة المدى للفعاليات، مشيرًا إلى أن بيئة المواقع الأثرية حساسة للغاية، وكل ما يُضاف إليها من عناصر مثل الليزر، والإضاءة الشديدة، والأصوات العالية، وحتى الزحام، يُسهم في تآكل غير مرئي ومتراكم.

فرح بمسجد محمد علي

ويؤكد لـ فكّر تاني، أن مكبرات الصوت تُنتج موجات ضغط ميكانيكي تشبه تأثير قطرات الماء المتكررة، ما يُحدث تآكلًا سطحيًا بمرور الوقت، وقد لا يظهر الضرر فورًا، لكنه يتراكم حتى يفقد الأثر جزءًا من أصالته.

يُذكر أن إدارة العلاقات الثقافية الخارجية بالمجلس الأعلى للآثار، تتيح للجهات المتعاملة معها تنظيم أنشطة وفعاليات داخل المواقع الأثرية والمتاحف، بما في ذلك إقامة حفلات عقد القران ببعض المساجد الأثرية، والمؤتمرات في القاعات الملحقة، وفقًا لضوابط حددتها وزارة الثقافة.

وبحسب الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار، تشمل المساجد المخصصة لعقد القران مسجد سارية الجبل بالقلعة، ومسجد سليمان الخادم بقصر الأمير محمد علي بالمنيل. وتبلغ تكلفة الحفل نحو 11,000 جنيهًا، منها 1,000 جنيه مقابل استخدام مرافق المياه والكهرباء، ويُحدد عدد المشاركين بـ 200 فرد كحد أقصى.

ومن ضمن الاشتراطات: ألا يُعقد القران في مواعيد العمل الرسمية، والالتزام بزي مناسب لطبيعة المكان الأثرية والدينية، وألا تتجاوز مدة الحفل ساعتين فقط.

الدعاية لا تُبرر الانكشاف

الدكتور محمد علي حسن

من زاوية تسويقية، يعتبر الدكتور محمد علي حسن الحاصل على دكتوراه في الآثار المصرية القديمة والباحث في التسويق السياحي، أن المواقع الأثرية “كنز غير مستغل بالشكل الأمثل”، مشيرًا إلى أن إقامة حفل عند سفح الهرم أو عرض أزياء أمام معبد حتشبسوت تمثل “دعاية مجانية للعالم” تُظهر مصر كدولة تجمع بين الأصالة والحداثة.

ورغم ذلك، لم يُغفل المخاوف، ويقول لـ فكّر تاني: “نحتاج إلى توازن دقيق بين الجذب الإعلامي والحفاظ على الأثر”، مشددًا على أن الموقع الأثري لا يجب أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لأي فعالية، بل يجب وضع ضوابط صارمة تحدد نوع المناسبة وعدد الحضور والتقنيات المستخدمة.

بينما يدعو الباحث الأثري أحمد حسن، إلى وضع تسعير عادل لاستخدام المواقع الأثرية، بما يتناسب مع أهميتها ونوع الفعالية المقامة فيها، مع مراعاة الأثر البيئي والمادي، وتوجيه العائدات بالكامل لأعمال الترميم والصيانة. ويعلق لـ فكّر تاني، قائلًا: “من يستفيد من التاريخ يجب أن يتحمل مسؤولية الحفاظ عليه”.

في السياق ذاته، يحذّر الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، من التأثيرات العلمية المثبتة لتقنيات الصوت والضوء، موضحًا أن الأنظمة التي تتجاوز 85 ديسبل “وحدة قياس الصوت” تحدث ذبذبات تؤثر على استقرار البنية الحجرية، فيما تحدث الإضاءة القوية تغيرًا في التركيب الكيميائي للنقوش والألوان.

الدكتور عبد الرحيم ريحان

ويؤكد ريحان لـ فكّر تاني، رفضه القاطع لإقامة أي احتفال داخل المواقع الأثرية، واصفًا إياها بأماكن ذات قدسية تاريخية لا يجوز المساس بها، ويضيف مستنكرًا: “هل يُعقل أن يتحول فناء تتويج الملوك إلى قاعة زفاف؟ هذا انتزاع للمعنى التاريخي، وسوء استخدام لرمزية المكان”.

ورغم صدور تعليمات من وزارة السياحة والآثار في عام 2016 تنظم الفعاليات داخل المواقع الأثرية، يشير الدكتور عبد الرحيم، إلى أنها “تعليمات مُهمَلة”، مستشهدًا بحفلات نُظمت في فناء “الحب سد” بسقارة، واصفًا ما حدث بأنه “استهانة بقواعد مهنية وأخلاقية”.

ويدعو إلى إعادة هيكلة إدارة الآثار بمنح المجلس الأعلى للآثار استقلالًا كاملًا، أو دمجه مع وزارة الثقافة لضمان إدارة رشيدة تحمي التراث من “التسليع المفرط”.

من جانبه، يقدم الدكتور أسامة صالح المتخصص في الآثار الإسلامية بالمجلس الأعلى للآثار، النموذج الياباني مثالًا على التنظيم الصارم، حيث تفرض قيود مشددة على أي استخدام قد يلوث المشهد البصري أو السمعي أو يزعج روح المكان، متسائلًا: “لماذا لا نلتزم نحن بمثل هذه المعايير؟”.

وفي مقاربة اقتصادية مختلفة، يرى الأثري وخبير الترميم صلاح الهادي، أن عوائد الفعاليات ينبغي أن تُوجه لدعم العاملين في قطاع الآثار، بدلًا من أن تذهب إلى شركات التنظيم أو المصالح الفردية، ويقول لـ فكّر تاني: “من يحمون التراث هم من يجب أن يستفيدوا، لا من يستغلونه”.

ومن جانبها، تعتبر الدكتورة رنا التونسي الباحثة في الآثار المصرية، أن إقامة حفلات في المواقع الملكية القديمة يُعد تجاوزًا أخلاقيًا وتاريخيًا، مؤكدةً: “نحن لا نُكرم الماضي، بل نحوله إلى خلفية للصور والضحكات”.

فيما حذّرت الدكتورة ياسمين حسين رئيسة مؤسسة “إيجبتوس” لنشر الوعي الأثري، من التلوث الناتج عن هذه الفعاليات، مشيرةً إلى أن الخيام المؤقتة، وأعمدة الإضاءة، ومعدات الصوت، تُشوه المشهد العام وتفصل الموقع عن محيطه البصري، ما يُضعف التجربة الأثرية الأصيلة، بحسب حديثها مع فكّر تاني.

ويعلق الدكتور طارق منصور أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، قائلًا أنه: “انتهاك لعذرية المكان”، معتبرًا أن الحفلات المقامة في المواقع الأثرية تمثل تراجعًا عن قدسية هذه المساحات واستهانة برمزيتها التاريخية. ويضيف لـ فكّر تاني: “حين يتحول معبد أو فناء ملكي إلى خلفية لحفل زفاف أو عرض موسيقي، فإننا لا نفقد فقط هيبة الموقع، بل نفقد بوصلتنا الأخلاقية في التعامل مع التاريخ”.

أما الأثريان محمود الشنديدي وماجد الراهب، فيؤكدا لـ فكّر تاني، أن الخطر لا يكمن في الحفلة ذاتها، بل في المعنى الذي تحمله، إذ أن تحويل المواقع الأثرية إلى أماكن للترفيه يفرغها من رمزيتها، ويجعلها مجرد “ديكور” مؤقت يتم نسيانه سريعًا، مُحذرين من أن الأضرار لا تقف عند حدود التآكل المادي، بل تمتد لتشويه الرواية التاريخية والهوية الثقافية أمام المصريين والعالم.

وفي السياق ذاته، تلفت الآثرية منار فاروق إلى سوء إدارة العائدات الناتجة عن هذه الفعاليات، مشيرة إلى أن الأرباح غالبًا ما تذهب لأفراد بعينهم، بينما يُهمش العاملون في قطاع الآثار. وتقول لـ فكّر تاني: “ما يجري ليس استثمارًا في الأثر، بل استنزاف غير منظم”، محذرةً من أن استمرار هذا الوضع يُفاقم أزمة الصيانة ويترك الجدران العتيقة تنهار بصمت.

وبين الرافضين والمتحفظين، تبرز دعوات لحلول متوازنة، حيث ترى الباحثة في التسويق الثقافي منال الغرابلي أن الفعاليات قد تحمل قيمة ترويجية للمواقع الأثرية، شريطة تنظيمها بعيدًا عن النُصب الرئيسية، وبضوابط تحافظ على سلامة الأثر، مؤكدة لـ فكّر تاني: “لا مانع من الاستفادة من الهالة التاريخية، لكن دون أن نقحمها في زحام مكبرات الصوت والمولدات الكهربائية”.

يتفق معها الباحث الأثري إسلام زغلول، الذي يشدّد في كلامه مع فكّر تاني، على أهمية إشراف الأثريين على كل مراحل تنظيم الفعاليات، من التخطيط وحتى التفكيك، لضمان حماية المواقع من أي ضرر غير مرئي.

اقرأ أيضًا:86.5 % من الإيرادات ضرائب.. ورانا حكومة بنصرف عليها

استلهام تجربة فاروق حسني

يستحضر الخبير في التراث الثقافي فاروق شرف، تجربة الوزير الأسبق فاروق حسني، حين أُعيد ما نسبته 90% من عوائد الفعاليات إلى قطاع الآثار، ما وفر وقتذاك استقلالًا ماليًا نسبيًا، وأسهم في صيانة عشرات المواقع.
ويدعو في حديثه مع فكّر تاني، إلى استلهام تلك التجربة منهجية مستدامة، بدلًا من الوضع الحالي الذي وصفه بغياب الرؤية وتآكل الموارد.

وفي السياق نفسه، يشدد الدكتور مجدي شاكر كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، على ضرورة فرض ضوابط صارمة على تنظيم الحفلات داخل المواقع الأثرية، تشمل التحكم في مستوى الإضاءة والصوت وتقديم المأكولات والمشروبات، مع احترام قدسية وطبيعة المكان.

الدكتور مجدي شاكر

ويوضح كبير الأثريين لـ فكّر تاني، أن بعض الممارسات تجاوزت الحدود المقبولة، مستشهدًا بإقامة حفلات تتضمن الرقص داخل صحن مسجد محمد علي بقلعة صلاح الدين، مؤكدًا أن هذه المساحة: “جزءًا من المسجد ولا يجوز استخدامها بهذا الشكل، لما تحمله من رمزية دينية وتاريخية”.

ويرى أن الحل في تخصيص أماكن ملائمة بعيدًا عن المباني الأثرية لإقامة الفعاليات، أسوة بتنظيم وزارة الثقافة لحفلاتها داخل القلعة، من دون المساس بالمباني التاريخية ذاتها.

ويشير الدكتور مجدي إلى تجربة مدينة روما القديمة في إيطاليا، واصفًا إياها بنموذج ناجح لتوظيف المواقع التاريخية بطريقة تحترم الهوية الأصلية، حيث يُعاد استخدام الأبنية بما يتسق مع أغراضها القديمة، فمثلًا يتم تحويل المواقع الخدمية الصحية إلى مراكز علاجية حديثة، وكذلك في المجالات التعليمية والدينية.

ويحذر شاكر من أن استخدام المواقع الأثرية لإقامة فعاليات دون ضوابط يُقلل من عمرها الافتراضي، نتيجة التأثيرات الضوئية والذبذبات الصوتية والجسيمات المحمولة في الهواء، مؤكدًا أن “الأثر في النهاية مادة حجرية”، مشيرًا إلى ظهور علامات التآكل بالفعل، مثل تلك التي بدت في رخام مسجد محمد علي.

أما فيما يخص حفل الفنان تامر حسني داخل قصر البارون، والذي أسفر عن إصابة عدد من الحضور بعد سقوط “ستاند” إنارة ضخم، رفضت الدكتورة بسمة سليم مديرة القصر، التعليق على الواقعة، مكتفية بالإشارة إلى أن الوزارة سوف تصدر بيانًا رسميًا لتوضيح الملابسات.

لكن، وبصرف النظر عن البيان المنتظر، اعتُبر الحادث، إنذارًا جديدًا يضاف إلى سلسلة التحذيرات بشأن مصير المواقع الأثرية تحت ضغط الفعاليات الحديثة والأفراح التجارية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة