سميحة أيوب لم تكن فقط واحدة من رموز الفن، بل كانت امتدادًا لجيل من النساء اللواتي جمعن بين الإبداع والالتزام العام، بين خشبة المسرح ومنابر الدفاع عن قضايا الوطن. كلما رأيتها أو سمعت صوتها، تذكرت فورًا وجوهًا سياسية نسائية مضيئة في الذاكرة الوطنية: فتحية العسال، ليلى الشال، عظيمة الحسيني، شاهندة مقلد.. نساء لم يفصلن بين الفن والنضال، بين الثقافة والسياسة، بين الجمال والمسؤولية.
كنت صغيرة بعد، أخطو أولى خطواتي في العمل السياسي، حين أصبحت عضوة في اتحاد النساء التقدمي، ذلك الكيان الذي كان يضم قامات فنية وسياسية تحت راية واحدة. أذكر موائد رمضان كانت تطبخ كل واحدةً منا طبقًا مميزًا ونتشاركه سويًا، هذه المائدة جمعت بين رموز متعددة، في قاعة فؤاد مرسي بحزب التجمع، من بينهن الفنانات ماجدة الصباحي، محسنة توفيق، وسيدة المسرح العربي سميحة أيوب.
كانت فتحية العسال تطلب من سميحة أيوب “تعملنا عدس علشان بتعمله حلو..” كنتُ مبهورة بهن؛ كيف يجمعن بين الموهبة العظيمة والاهتمام بالشأن العام، وتمنيت كثيرًا أن أكون يومًا مثلهن، أن أُشبههن ولو في شيء من هذا البريق الملتزم.
كنا نراهن نجمات على الشاشة، ونسمع تصفيق الجماهير في المسارح، ثم نراهن يجلسن في اجتماعات نسوية أو ندوات سياسية بكل التواضع والتركيز. كن يعرفن قيمة الفن حين يرتبط بالناس، حين يعبر عنهم، لا حين يعزل نفسه عن آلامهم وآمالهم. وسميحة أيوب أيقونة لهذا المعنى، صوتها وحده كان كافيًا ليُوقظ الإحساس بقيمة الكلمة وأثر الأداء.
منذ نحو شهر، حضرت مهرجان الفيلم الفلسطيني في مركز الإبداع بدار الأوبرا، وشاهدت فيلمًا تسجيليًا عن حياة العظيمة سميحة أيوب. أعجبتني بساطة السرد، عمق المشاهد، وتأثرت بشكل خاص بظهورها في الفيلم وهي تحكي عن رحلتها، عن دور المسرح، عن القوة الناعمة التي لطالما لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي والوجدان الجمعي. كانت تحكي وكأنها تنسج خيوط التاريخ، لا سيرة ذاتية فقط.
واليوم، جاءني خبر رحيلها عن عالمنا. لكن الحقيقة أن سميحة أيوب لا ترحل. شخصيات من هذا النوع، بقيمتها ورمزيتها وتاريخها، لا تنتمي للموت، بل للذاكرة الحية، لذاكرة مصر التي تعرف من يحتل فيها مكانًا لا يُمحى.
لم تكن فنانة فقط، بل شاهدًا على مرحلة، وجسرًا بين الفن والمجتمع، وبين الإبداع والمسؤولية.

تقول سميحة أيوب في أحد مشاهدها على خشبة المسرح:
أنـا بنت البلد دي.
بلد علّمتني أقول “لأ” لما الحق يتداس..
علّمتني ما أتهزش قدّام سلطة.. ولا أطبّل لحاكم..
ما بين جدار وسور وسجن، في ناس مظلومين..
وناس بتعدّي على الظلم كأنه مشيّة عادية في شارع وسط البلد.
أنا وقفت على مسارح كتير..
قلت “أحبك” في مسرحية.. و”ارحل” في ندوة..
بس النهاردة، قلبي مش على المسرح،
قلبي عند أم بتنام على الرصيف مستنية خبر عن ابنها،
عند شاب حلمه اتحبس، وكلمة أمل اتحذفت من كتابه.
اللي بيفكر إن الفن بعيد عن السياسة..
يبقى ما فهمش لا الفن.. ولا الوطن.
واللي شايف إن الصمت أمان..
يبقى ما جربش يعيش بصوت..
أنا مش بخاف،
ولو آخر دور ليا أقول فيه كلمة حق..
هقولها واقفة.. بصوتي العالي..
وأروح على نور.
سميحة أيوب تظل بيننا، في كل عرض مسرحي صادق، في كل صوت نسائي قوي، وفي كل حكاية عن الفن الذي لم ينفصل يومًا عن قضايا الناس..
