في واقعة غير مسبوقة في سجل الجرائم الخاصة بمصر، ليس فقط من حيث حجم الأموال الهائل، بل أيضًا لما أثارته من تساؤلات قانونية واجتماعية عميقة، تقدمت الدكتورة نوال الدجوي، الشخصية البارزة ومؤسسة نظام التعليم الجامعي الخاص في البلاد، ببلاغ إلى الأجهزة الأمنية، بسرقة ما يربو على 300 مليون جنيه من داخل فيلتها الواقعة في أحد المجمعات السكنية الفاخرة بمدينة السادس من أكتوبر.
هذه القضية، التي بدت في مظهرها الأولي جريمة سرقة تقليدية تستهدف محتويات خزينة، سرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام شغلت المصريين، وذلك بعد الكشف عن تفاصيل المسروقات: عشرات الملايين من الجنيهات المصرية، وملايين الدولارات الأمريكية، ومئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية، بالإضافة إلى كيلوجرامات من المشغولات الذهبية. وهو الكشف أعاد إلى الواجهة نقاشًا قانونيًا طالما تم تجاهله: هل تجيز القوانين المصرية حيازة مثل هذه الثروات الطائلة داخل المنازل؟ وهل يترتب على ذلك ضرورة خضوع الدكتورة نوال الدجوي لتحقيقات موسعة لكشف مصادر تلك الأموال؟
ما كان بالخزينة المفقودة
بدأت فصول القصة ببلاغ رسمي قدمته الدكتورة نوال الدجوي، التي تشغل منصب رئيسة مجلس أمناء جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب (MSA)، إلى قسم شرطة 6 أكتوبر أول.
أفادت في بلاغها بتعرض فيلتها، الكائنة ضمن كمبوند سكني راقٍ، لعملية سطو.
وفقًا للمعلومات الواردة في البلاغ الرسمي، فإن الجناة ركزوا هدفهم على خزينة حديدية كانت محفوظة داخل غرفة نومها الرئيسية. وتمكنوا من الاستيلاء على مبلغ 50 مليون جنيه مصري، و3 ملايين دولار أمريكي، و350 ألف جنيه إسترليني، بالإضافة إلى قرابة 15 كيلوجرامًا من المشغولات الذهبية المتنوعة.
وبحسب التقدير الأولي الذي أوردته الدكتورة الدجوي في محضر الشرطة، فإن القيمة الإجمالية للمسروقات تتجاوز عتبة الـ 300 مليون جنيه مصري.
هذا الرقم يجعل من هذه الحادثة واحدة من أضخم قضايا سرقة الممتلكات الخاصة المسجلة رسميًا في مصر خلال العقود الأخيرة، مما يلقي بظلال كثيفة على المشهد الأمني والاجتماعي.
محامي بالنقض: من يملك الملايين عليه أن يملك الإجابة.. وإذا لم تثبت "الدجوي" مشروعية الأموال يمكن للدولة مصادرتها.. خبير قانوني: ما جرى يستوجب تحقيقًا عاجلًا في مصادر الأموال لا في السرقة فقط
هل تخضع الدجوي لسؤال: من أين لكٍ هذا؟
هذا ما يراه المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة الأستاذ مصطفى علوان رئيس مجلس إدارة مؤسسة "رايتس للاستشارات القانونية والتحكيم الدولي"، إذ يقول بـ"ضرورة إخضاع الدجوي لتحقيقات فورية من قبل الأجهزة المعنية، وذلك بهدف بيان مدى مشروعية الأموال الطائلة التي كانت تحتفظ بها في منزلها".

ويضيف علوان في حديثه لـ فكر تاني: "القانون المصري لا يتضمن نصًا صريحًا يمنع حيازة الأموال بأي كمية كانت، طالما أن هذه الأموال غير مرتبطة بجرائم مثل غسل الأموال، أو التهرب الضريبي، أو أنها ليست من متحصلات جريمة قائمة بذاتها وثبتت بشأنها أدلة. كما لا يوجد ما يمنع قانونًا حيازة الذهب والعملات الأجنبية، شريطة أن يثبت حائزها ملكيته لها، وأن يكون الذهب مدموغًا أصولًا عن طريق مصلحة الدمغة والموازين، ومحددًا عياره (18 أو 24 قيراطًا)، أو إذا كان في هيئة سبائك، فيجب أن يوجد سند ملكية رسمي لها".
ويستدرك المحامي علوان قائلًا: "أما فيما يتعلق بالواقعة مدار البحث، فلا يمكن لأي شخص عاقل أن يتجاهل أن قيام سيدة أعمال ذات مكانة مرموقة بإخفاء هذه الكميات الهائلة من الأموال السائلة والذهب والعملات الأجنبية داخل منزلها، يحمل في طياته شبهات عدة. خاصة وأنها سيدة أعمال تدرك تمامًا أن المكان الطبيعي والآمن للحفاظ على الأموال هو المصارف والبنوك التابعة للدولة، والتي توفر الدعم الأمني اللازم لحماية ملكيات الأفراد.

ويواصل علوان توضيحاته بأن القانون المصري، بحسب نصوصه الحالية، لا يتضمن مادة صريحة تجرم احتفاظ الأفراد بالأموال السائلة أو الذهب داخل مساكنهم الخاصة، أيًّا كانت كميتها. والشرط الأساسي هنا هو ألا تكون تلك الأموال متحصلة من نشاط غير مشروع، أو أن تحيط بها شبهات قوية تتعلق بغسل الأموال، أو التهرب من سداد الضرائب المستحقة، أو استخدامها في تمويل أنشطة محظورة قانونًا.
ويشير إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته اللاحقة ينص بوضوح على أن "كل من تثبت حيازته لأموال لا تتناسب بشكل واضح مع دخله الظاهر والمُعلن، ولم يتمكن من إثبات مصدر مشروع لها، فإنه يخضع للتحقيق. وقد تُصادر أمواله إذا ثبت بشكل قاطع أنها متحصلات من جرائم أو عمليات مالية مشبوهة".
وبالتالي، فإن واقعة الدكتورة نوال الدجوي – على الرغم من أن الأموال كانت في حوزتها الخاصة وداخل منزلها – تظل خاضعة للمساءلة القانونية. وذلك في حال فشلها في تقديم إثباتات دامغة حول مصدر تلك الأموال والمشغولات الذهبية الثمينة، أو في حال ثبوت تهربها المتعمد من النظام المصرفي الرسمي أو من الالتزامات الضريبية. وفي جميع الأحوال، فإن مساءلتها تُعد واجبة قانونًا.
أموال الدجوي.. ميزانية قرية مصرية
في السياق ذاته، يقول محمد حامد سالم المحامي بالنقض والدستورية العليا أن الواجب "في دولة القانون والمؤسسات، أن لا يوجد شخص فوق المساءلة، ولا يمكن لأي مال أن يكون في مأمن ما لم يكن مصدره شفافًا ومعروفًا. ومن يمتلك الملايين من الجنيهات والعملات الأجنبية والذهب، عليه بالضرورة أن يمتلك أيضًا الإجابة الواضحة والشفافة حول مصدر هذه الثروات".
قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته اللاحقة ينص بوضوح على أن "كل من تثبت حيازته لأموال لا تتناسب بشكل واضح مع دخله الظاهر والمُعلن، ولم يتمكن من إثبات مصدر مشروع لها، فإنه يخضع للتحقيق. وقد تُصادر أمواله.
ويضيف سالم في تصريحاته لـ فكر تاني: "عندما ينتشر خبر يفيد بأن السيدة نوال الدجوي قد تعرضت لسرقة مبلغ 50 مليون جنيه، و3 ملايين دولار أمريكي، و350 ألف جنيه إسترليني، و15 كيلوغرامًا من الذهب، فإن السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن لا ينبغي أن يكون: من هو السارق؟ بل يجب أن يكون: لماذا كانت هذه الأموال الطائلة خارج النظام المصرفي من الأساس؟! تخيلوا أن ما سُرق في يوم واحد فقط قد يعادل ميزانية قرية مصرية بأكملها لعام كامل، أو يكفي لتمويل مئات الأسر المستحقة ضمن برنامج "تكافل وكرامة" لعدة سنوات قادمة!".

ويستطرد سالم قائلًا: "يبدو جليًا أن السيدة نوال لم تكن تثق إلا بالخزائن الحديدية، ولم تكن تؤمن بالخدمات المصرفية الحديثة. لماذا هذا السلوك؟ الإجابة المحتملة هي أن من ينتمي إلى طبقة أصحاب المليارات المخفية عن الأعين، لا يرى في البنوك مكانًا آمنًا لأمواله، بل قد يراها أماكن مخصصة لأصحاب الدخول المحدودة من المواطنين الوطنيين الذين يدعمون اقتصاد بلدهم. وهذا يعكس بوضوح مدى الانفصال الطبقي العميق، ويكشف أن بعض الفئات المطمئنة ماليًا في المجتمع ترفع شعارًا مفاده: (أنا الدولة، وبيتي هو خزانتي الخاصة)".
ويؤكد سالم أن الاحتفاظ بكميات كبيرة من الأموال النقدية خارج إطار النظام المصرفي الرسمي يُعد مخالفة صريحة للتوجهات الاقتصادية للدولة المصرية، التي تسعى جاهدة لتعزيز الشمول المالي. بل إن هذا السلوك يثير العديد من علامات الاستفهام الكبرى لدى الجهات القضائية والأمنية والرقابية، لما يمثله من تهرب واضح من الرقابة المصرفية، وغياب متعمد عن أعين مصلحة الضرائب، وما يشكله من خطر داهم على الاقتصاد القومي للدولة.
ويختتم بأنه إذا لم تثبت السيدة نوال الدجوي المصدر المشروع لهذه الأموال، فإنه يحق للدولة مصادرتها بالكامل، وذلك طبقًا لنصوص قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته.
بين الحرية الشخصية ومكافحة الجرائم المالية
وفيما يتفق الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، على أن هذه الواقعة تثير بالفعل تساؤلات قانونية جوهرية، يوضح أن هذه التساؤلات تتعلق بحدود الحق في حيازة الأموال والمقتنيات الثمينة داخل المنازل، وكذلك بالالتزامات القانونية المصاحبة لهذه الحيازة.
ويقول الدكتور مهران لـ فكر تاني: "من الناحية القانونية البحتة، فإن حيازة الأموال النقدية أو الذهب أو العملات الأجنبية داخل المنازل ليست جريمة في حد ذاتها. فالقانون المصري يكفل للأفراد حرية التصرف في أموالهم الخاصة، طالما أن مصدر هذه الأموال مشروع وقانوني، والملكية الخاصة هي حق مصون بموجب الدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومن بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص صراحة في مادته السابعة عشرة على أن لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره".
ولكن، هذه الحرية في التملك والتصرف ليست مطلقة، بل تخضع للضوابط والقيود التي تفرضها التشريعات الوطنية والمعايير الدولية الرامية إلى مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويذكر مهران في هذا الصدد الاتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو لعام 2000)، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، اللتين تلزمان الدول الأطراف بوضع تشريعات فعالة تضمن الشفافية المالية وتمنع استغلال النظام المالي في غسل الأموال المتحصلة من أنشطة إجرامية.

وحول السؤال المتعلق بمدى قانونية حيازة مبالغ نقدية ضخمة في المنازل، يوضح أستاذ القانون الدولي أن القانون لا يضع حدًا أقصى للمبالغ التي يمكن للفرد الاحتفاظ بها في منزله. لكنه يؤكد أن الحيازة بحد ذاتها تخضع للقاعدة الفقهية والقانونية الشهيرة "ما بُني على باطل فهو باطل". ويضيف: "بمعنى أن مشروعية الحيازة تتوقف بشكل كامل على مشروعية المصدر. فإذا كانت الأموال ناتجة عن نشاط مشروع ومعلن، وتم الوفاء بجميع الالتزامات الضريبية المرتبطة بها، فلا توجد أي مشكلة قانونية في حيازتها داخل المنزل، مهما بلغت قيمتها".
المادة 14 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تلزم الدول الأطراف بتنفيذ تدابير شاملة للرقابة والإشراف على المؤسسات المالية وغير المالية لمنع غسل الأموال.
ويستدرك الدكتور مهران قائلًا إنه مع ذلك، فإن الاحتفاظ بمبالغ كبيرة من النقود أو الذهب في المنزل يثير تساؤلات عملية ومنطقية حول مدى حكمة هذا التصرف، وذلك نظرًا للمخاطر الأمنية الكبيرة المرتبطة به، كما تجلى بوضوح في واقعة سرقة منزل نوال الدجوي. فضلًا عن ذلك، فإن هذا السلوك يؤدي إلى تعطيل دور هذه الأموال في الدورة الاقتصادية للبلاد، وهو ما تتعارض معه السياسات المالية الحديثة التي تشجع بقوة على تعزيز الشمول المالي واستخدام القنوات المصرفية الرسمية.
وفيما يتعلق بمسألة خضوع حيازة الذهب والعملات الصعبة بمبالغ ضخمة للمساءلة من قبل الأجهزة المعنية، يوضح مهران أنه وفقًا لقوانين مكافحة غسل الأموال المعمول بها على الصعيدين المحلي والدولي، يحق للسلطات المختصة الاستفسار عن مصدر الأموال الضخمة والتحقق من مشروعيتها، خاصةً إذا توافرت مؤشرات قوية تثير الشبهة.
ويشير إلى أن وحدات مكافحة غسل الأموال في معظم دول العالم، بما في ذلك مصر، مُخولة قانونًا بالتحري الدقيق عن المعاملات المالية المشبوهة، وتتبع حركة الأموال للتأكد من عدم ارتباطها بأنشطة إجرامية كغسل الأموال أو التهرب الضريبي أو تمويل الإرهاب. وهذا ما تؤكده المادة 14 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تلزم الدول الأطراف بتنفيذ تدابير شاملة للرقابة والإشراف على المؤسسات المالية وغير المالية لمنع غسل الأموال.
ويبين أن المعيار الأساسي هنا هو وجود ما يُعرف بـ "مؤشرات الاشتباه"، التي حددتها توصيات مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف FATF).
ومن بين هذه المؤشرات: حيازة مبالغ ضخمة من العملات دون وجود مبرر اقتصادي واضح ومنطقي، أو عدم تناسب حجم الثروة مع مصادر الدخل المعلنة للفرد، أو تكرار عمليات تحويل مبالغ كبيرة بين الحسابات المصرفية أو عبر الحدود دون وجود غرض تجاري أو استثماري واضح ومفهوم.
"من المهم جدًا التأكيد على أن مجرد الاستفسار أو التحقق من مصدر الأموال لا يعني بالضرورة افتراض ارتكاب جريمة. بل هو إجراء وقائي ضروري يستهدف حماية النظام المالي للدولة من أي استغلال غير مشروع"؛ يختتم مهران حديثه، مطالبًا الأفراد الذين يحوزون أموالًا كبيرة بالاحتفاظ بجميع المستندات التي تثبت مشروعية مصدرها، سواء كانت عقود بيع عقارات، أو مستندات إرث، أو مدخرات ناتجة عن نشاط فني أو تجاري مشروع، وذلك للرد على أي استفسارات قد تُثار في هذا الشأن، ومؤكدًا على أهمية إعلاء سيادة القانون على الجميع.
لماذا يفضل البعض "البنوك المنزلية" على الرسمية؟
بعيدًا عن الجدل المحتدم حاليًا حول الحجم الدقيق للمبلغ المسروق من الأكاديمية المعروفة، ومصادره المشروعة أو غير المشروعة، والخلافات العائلية المتعلقة بالميراث مع أحفادها، يدور تساؤل آخر جوهري: لماذا قد يحتفظ شخص ما بسيولة مالية ضخمة بهذا الحجم في منزله؟ ولماذا لا يودعها في حسابات بنكية آمنة ومدرة للعائد؟ ولماذا لا يلجأ إلى استئجار خزائن مخصصة في القطاع المصرفي لوضع السبائك الذهبية والمقتنيات الثمينة بها؟
إذ ليست الدكتورة "الدجوي" هي الحالة الوحيدة التي قامت بمثل هذا السلوك. وقبلها، تم الإبلاغ عن سرقة آلاف الدولارات من منزل فنان مشهور. وفي واقعة أخرى، تحدث فنان آخر، معروف عنه حبه للظهور الإعلامي والتفاخر بثروته، بأنه "بيسيب فلوس في البيت قد الفلوس اللي بيحطها في البنك"، أي أنه يحتفظ بملايين الجنيهات في منزله بشكل دائم.
سؤال عن قيود السحب المصرفي
هكذا يبرر أحد كبار تجار السيارات - طلب عدم ذكر اسمه - احتفاظه بثروته منزليًا. يقول إن تقييد عمليات السحب النقدي اليومي من البنوك، يدفعه وغيره، خاصة من التجار ورجال الأعمال، إلى تحويل منازلهم إلى ما يشبه "بنوك منزلية" خاصة بهم.
إلا أن هذا السلوك يتنافى تمامًا مع أهداف الشمول المالي ومساعي الدولة الحثيثة للتحول إلى مجتمع غير نقدي أو "مجتمع لا كاش".
يرد تاجر السيارات على هذا بأن طبيعة بعض الصفقات التجارية لا تحتمل الانتظار، فقد تأتيه صفقة مربحة في أي وقت، ولا يمكنها أن تنتظر حتى صباح اليوم التالي لفتح أبواب البنك. ويضيف أن قطاعًا آخر من السماسرة وتجار السيارات يفضلون الاحتفاظ بأموالهم في منازلهم، لأنهم يخشون أن يتم سؤالهم عن مصدر هذه الأموال، خاصةً وأن العديد من هذه الأنشطة يتم من دون سجلات تجارية أو ضريبية رسمية، وفي بعض الأحيان تكون عمولات السمسرة مدفوعة بالعملة الصعبة.
وكانت البنوك المصرية قد سمحت في فترات سابقة بتلقي الدولار الأمريكي من جميع العملاء الحاليين، سواء كانوا أفرادًا أم شركات، دون السؤال عن مصدر هذه الأموال، وذلك وفقًا لقاعدة "اعرف عميلك" (KYC)، في محاولة منها لجذب العملة الصعبة المكتنزة لدى المواطنين بعيدًا عن القطاع المصرفي الرسمي.
ومع ذلك، يقول يحيي أبو الفتوح، نائب رئيس البنك الأهلي، إنه يمكن لجميع المصريين شراء الشهادات الإدخارية الدولارية دون الحاجة لإثبات مصدرها، مضيفًا نصًا في مداخلة تلفزيونية: "لو معاك مليون دولار ادخل البنك واعمل الشهادة.. ومحدش هيقولك أنت جايب الفلوس منين".
الحد الأقصى للسحب النقدي اليومي من خلال فروع البنوك للأفراد والشركات 250,000 جنيه وحد السحب من خلال ماكينات الصراف الالي تختلف وفقا لنوع البطاقة ونوع الحساب، لكنها لا تزيد عن 30 ألف جنيه، والبعض يرى أن ذلك المبلغ في حاجة للتحريك.
ثقافة "المال تحت البلاطة" أقوى
ويرفض الدكتور عبد النبي عبد المطلب وكيل وزارة الصناعة الأسبق والخبير الاقتصادي، الربط المباشر بين ظاهرة الاحتفاظ بالأموال أو السبائك الذهبية داخل المنازل وبين مدى الثقة في الجهاز المصرفي. ويؤكد أن هذا السلوك مرتبط في الغالب بالرغبة في التحوط للمستقبل، خاصة فيما يتعلق بشراء وتخزين السبائك الذهبية.

ويضيف عبد المطلب، في حديثه لـ فكر تاني، أن المصريين يعتبرون الذهب تاريخيًا ملاذًا آمنًا لحفظ قيمة مدخراتهم وحماية قيمة ثرواتهم، خاصةً في ظل التخوفات المتزايدة من إمكانية حدوث انخفاض جديد في قيمة الجنيه المصري في المستقبل. ويشير إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على الأغنياء وأصحاب الثروات فقط، بل هو شائع بين مختلف شرائح المصريين بمختلف قدراتهم المالية.
قبل أيام قليلة، قال الإعلامي المعروف عمرو أديب في برنامجه التلفزيوني على قناة "إم بي سي" إن الظروف الاقتصادية العالمية الحالية تجعله شخصيًا يفضل الاحتفاظ بأمواله في صورة ذهب أو عقارات جيدة، ولا يفضل "الورق"، قاصدًا بذلك النقود السائلة. هذا التصريح يعكس ثقافة متجذرة لدى قطاع عريض من المصريين.
وتؤكد التقارير المالية العالمية أن مؤشرات السلامة المالية تشير إلى صلابة وقوة القطاع المصرفي المصري. فقد تحسن معدل كفاية رأس المال لدى البنوك المصرية ليبلغ 19.1% في نهاية الربع الثالث من عام 2024، بزيادة قدرها 0.5%، وذلك مقابل نسبة رقابية مطلوبة قدرها 12.5% كحد أدنى. كما انخفضت نسبة القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض لتصل إلى 2.4%، وهي نسبة جيدة.
ومع ذلك، لا يزال قطاع من المصريين يرون أن الاحتفاظ بأموالهم "تحت البلاطة" هو أمر مهم، مستندين في ذلك إلى أمثال شعبية مغروسة في الذاكرة الجمعية، مثل المثل القائل: "ابني في يدي.. أدور عليه ليه؟"، في إشارة واضحة إلى أن امتلاك المال في اليد وفي المتناول المباشر هو خير من حفظه بعيدًا عن الأنظار.
وإن كان قطاع من المواطنين العاديين قد يخشون الاحتفاظ بالدولار الأمريكي خوفًا من الاتهام بالإتجار غير المشروع في العملة الصعبة، فإن القطاعات الأعلى ثقافة ودخلًا قد تمتلك كميات كبيرة منه في منازلها. فالقانون المصري يسمح بحيازة العملات الأجنبية، لكنه يجرم بيعها أو تداولها خارج نطاق السوق المصرفية الرسمية المعتمدة.
وبحسب نص المادة 212 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي، فإنه يحق لكل شخص طبيعي أو اعتباري أن يحتفظ بكل ما يؤول إليه أو يملكه أو يحوزه من نقد أجنبي. وله الحق الكامل في التعامل أو القيام بأي عملية من عمليات النقد الأجنبي، بما في ذلك التحويل للداخل والخارج، على أن تتم تلك العمليات حصرًا عن طريق البنوك المعتمدة أو عن طريق الجهات المرخص لها بذلك طبقًا لأحكام هذا القانون.
الضرائب.. بعبع أصحاب الثروات
يخشى البعض أيضًا من شائعات تتكرر عن احتمالات فرض ضرائب جديدة على الودائع البنكية، أو البدء في سؤال كل من يتخطى حجم ودائعه مستوى معينًا عن مصدر هذه الأموال. وهو أمر نفاه البنك المركزي المصري ووزارة المالية ومصلحة الضرائب عشرات المرات بشكل قاطع على مدار السنوات العشر الأخيرة.
تعتمد تلك الشائعات غالبًا على إعادة تدوير تصريحات قديمة صدرت قبل نحو 10 سنوات عن رئيس مصلحة الضرائب آنذاك، رضا عبد القادر، قال فيها إن عدم إخضاع ودائع البنوك للضرائب ليس مبررًا للمطالبة بإلغاء أو تأجيل ضرائب البورصة، مشددًا وقتها على ضرورة إخضاع ودائع البنوك للضرائب. ورغم أنه أصدر بعدها بيانًا رسميًا نفى فيه وجود أي نية لدى الحكومة لفرض مثل هذا الأمر، وكذلك صدرت بيانات مماثلة من وزارة المالية، وتمت إقالته لاحقًا ردًا على تلك التصريحات، إلا أن هذه التصريحات القديمة لا تزال متداولة، وهي ما يُفسر به البعض عزوف أصحاب الثروات عن الاحتفاظ بأموالهم داخل البنوك.
ويؤكد مسؤول مصرفي رفيع المستوى أن السياسة النقدية (التي يديرها البنك المركزي) والسياسة المالية (التي تديرها وزارة المالية) تشجعان بقوة على نشر ثقافة الشمول المالي في مصر. كما تشجعان على امتلاك الأفراد لحسابات مصرفية بهدف الانتقال إلى مجتمع "زيرو كاش" أو على الأقل التقليل من التعاملات النقدية (الكاش). وذلك لما يسهله هذا التحول من معرفة دقيقة لتدفقات الأموال ومحاربة التمويلات غير المشروعة المستخدمة في أنشطة تجرمها الدولة.
ويضيف المصدر الذي طالب فكر تاني بعدم ذكر اسمه، أن واقعة الدكتورة الدجوي تشير بوضوح إلى ضرورة قيام المواطنين بالاحتفاظ بأموالهم، أيًا كان حجمها، داخل البنوك بدلًا من المنازل، وذلك لحمايتها من مخاطر السرقة والضياع.
وأنه "لا وجود لأي ضرائب على الدولار أو الودائع البنكية، ولا على الفوائد المتحققة من الشهادات الادخارية أو أي أوعية ادخارية أخرى. وجميعها معفاة تمامًا من الضرائب. فالضريبة تفرضها الدولة فقط على الدخل والأرباح الناتجة عن الأنشطة التجارية والصناعية، أو على التصرفات العقارية. أما فيما يتعلق بالعملة أو الأوعية الادخارية، فمن المؤكد أنه لا وجود لأي ضريبة عليها".

