تحولات درامية شهدتها العاصمة السودانية الخرطوم في الساعات الأخيرة من القتال بين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وقوات الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقد واصلت تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة في الخرطوم العاصمة.
بالأمس، أعلن الجيش السوداني سيطرته على القصر الجمهوري، بعد عامين من سيطرة قوات الدعم السريع عليه، والتي توعدت بأن المعركة لاستعادة السيطرة لم تنته بعد، مُشيرة إلى تنفيذ عملية عسكرية ضد الجيش أدت إلى وقوع خسائر بشرية ومادية. وهو ما رد عليه الجيش بضم مناطق جديدة داخل العاصمة، بما في ذلك السوق العربي والمباني المحيطة بالقصر، وفق البيانٍ الصادر عن المتحدث باسم الجيش، العميد نبيل عبد الله.
السيطرة على القصر الجمهوري.. ماذا يعني؟
يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد المختار، الذي تنقل عنه "العين الإخبارية"، إنه "لا شك أن استيلاء الجيش والكتائب الإسلامية المتحالفة معه على القصر الجمهوري يُعد انتصارًا معنويًا للجيش والحركة الإسلامية التي أشعلت الحرب في 15 أبريل 2023"، لكنه يؤكد أيضًا أن طبيعة هذه الحرب تحديدًا تجاوزت مرحلة السيطرة على القصر الجمهوري، كما حدث في عدد من الدول التي شهدت حروبًا مماثلة.
ويوضح "المختار" أن التطورات خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى أن "الحرب دخلت بالفعل مرحلة جديدة تختلف عن السابق من حيث التكتيكات العسكرية وتطور الأسلحة لدى الطرفين، إضافةً إلى دخول الطائرات المسيّرة في المعادلة".
ومع توسّع سيطرة الجيش السوداني في تحركاته الأخيرة، بات ميزان القوى يميل لصالحه، لا سيما أنه يتفوق على قوات الدعم السريع من حيث المدفعية والطيران والطائرات المسيّرة.
لكن في المقابل، لا تزال قوات الدعم السريع تمتلك أسلحة وقوة مقاتلة لا يُستهان بها. وهو ما يتفق معه كذلك المحلل السياسي أنور سليمان، الذي يقول إن "ما حدث من تقدم للجيش وإن كان يحمل مغزى رمزيًا ومعنويًا كبيرًا، لكنه بالتأكيد لا يعني انتهاء الحرب، بل ومن المبكر الحديث عن معركة فاصلة".
اقرأ أيضًا: في السودان.. الناس يموتون جوعًا بسبب ترامب
ويوضح سليمان، في حديثه لـ"العين"، أنه "في الحروب الأهلية، ما لم يتم تجريد إحدى القوتين المتصارعتين من قدراتها الضاربة، فإن النزاع يظل بمثابة كرة نار تتدحرج من منطقة إلى أخرى، ما يؤدي إلى توسيع رقعة الدمار، والأضرار والخسائر قد تمتد إلى مناطق بعيدة عن السيطرة الفعلية والانتشار العسكري على الأرض".
وقد أدى النزاع إلى ما وصفته الأمم المتحدة بأنها "أكبر أزمة إنسانية في العالم"، حيث تفشّى الجوع في عدة مناطق، وازدادت معدلات انتشار الأمراض في البلاد، التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة. ووُجّهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب إلى طرفي النزاع، بينما وُجّهت اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة جماعية، لكن كلا الجانبين ينفي هذه التهم.
مناطق النفوذ والسيطرة
بالرغم من استمرار وجود مقاتلي الدعم السريع في الخرطوم، فإن الجيش السوداني تمكن من دفعهم بعيدًا عن المواقع الاستراتيجية، بما في ذلك المباني الحكومية والمقر العام للجيش، ما يعزز سيطرته على العاصمة. إلا أنه من غير الواضح إلى أي مدى ستمتد خطوط المواجهة، حيث لا يزال مقاتلو قوات الدعم السريع منتشرين حول وسط المدينة، ويتمركزون في جزء من المطار، كما يسيطرون على مناطق جنوب القصر الجمهوري.
ويُتوقع استمرار القتال، خاصةً مع سعي الجيش لمحاصرة ما تبقى من وحدات الدعم السريع، وفقًا لما أكده أحمد سليمان، زميل الأبحاث في "تشاتام هاوس".
يقول سليمان: "على الرغم من احتفاظ قوات الدعم السريع بمواقع في الخرطوم، إلا أن وجودها هناك أصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى منذ بداية النزاع، وتشير المعطيات إلى أنها قد تُدفع للخروج تمامًا، مع استمرار الجيش في حملته العسكرية غرب البلاد"، ما يترك السودان أمام "واقع متنازع عليه ومُقسّم".
وتسيطر قوات الدعم السريع، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، على معظم إقليم دارفور غربي السودان، وأجزاء من الجنوب.
وبحسب مصادر مطلعة، لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مواقع استراتيجية في العاصمة الخرطوم، أبرزها مطار الخرطوم، وبنك السودان المركزي، وشركة "زين" للاتصالات، وبرج الفاتح، ومبنى رئاسة الوزراء، ومنطقة السوق العربي، وأرض المعسكرات في سوبا، والمدينة الرياضية، ومعسكر الدفاع الجوي.
كما تسيطر على معسكر "طيبة"، مقر جهاز الأمن والمخابرات، إضافةً إلى مباني "فرع الرياضة العسكري"، ومعهد الاستخبارات العسكرية، وأكاديمية الأمن العليا، وإدارة العمليات الخاصة، ومقر الشرطة العسكرية، ووزارتي الداخلية والخارجية.
اقرأ أيضًا: الدور الإماراتي الخطير في السودان
في المقابل، تسيطر الحكومة المدعومة من الجيش، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على شرق وشمال السودان، إضافةً إلى مواقع عسكرية استراتيجية في العاصمة، أبرزها القصر الجمهوري، "سلاح الإشارة"، ومعسكرات "الكدرو"، و"الأسلحة"، و"حطاب"، و"العيلفون" بمدينتي بحري وشرق النيل.
كما يسيطر الجيش على مقر "القيادة العامة" وسط الخرطوم، وسلاح "المدرعات"، وسلاح "الأسلحة" جنوبي العاصمة، وسلاح "المهندسين"، و"السلاح الطبي"، وكلية "القادة والأركان"، و"الاحتياطي المركزي"، بالإضافة إلى قاعدة "وادي سيدنا" العسكرية بمدينة أم درمان.
اليونيسف: الأطفال يدفعون الثمن
وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" أن أكثر من 24.6 مليون شخص – أي أكثر من نصف السكان – يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وانهيارًا في الخدمات الصحية، وإغلاق المدارس، إلى جانب مستويات قياسية من النزوح، ما خلق أزمة غير مسبوقة.
وتحدثت المنظمة عن الهجوم الذي استهدف أحد آخر المستشفيات العاملة في المنطقة وسرقة الإمدادات، حيث تم نهب 2200 علبة من الطعام العلاجي الجاهز للاستخدام، وهو علاج أساسي للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد، وهي حالة مهددة للحياة تتسم بفقدان الوزن الشديد وهزال العضلات.
كما تم الاستيلاء على مكملات الحديد وحمض الفوليك للنساء الحوامل والمرضعات، إضافةً إلى حقائب القابلات والإمدادات الأساسية للرعاية الصحية المخصصة للأمهات والمواليد والأطفال.
وفي هذا السياق، قالت كاثرين راسل، المديرة التنفيذية لليونيسف: "سرقة الإمدادات المنقذة للحياة، المخصصة للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، أمر مروع، ويمثل اعتداءً مباشرًا على حقهم في البقاء".
وأضافت: "يجب أن تتوقف هذه الانتهاكات غير المقبولة بحق الأطفال الأكثر ضعفًا، كما يتعين على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية الآمن وغير المقيد إلى المحتاجين".


