يمكن اعتبار تاريخ 24 يونيو 2024 نقطة فارقة في العلاقات بين الإمارات والسودان، الذي اتهمها رسميًا أمام مجلس الأمن بـ"رعاية الإرهاب" الذي تقوده ميليشيات الدعم السريع في البلاد. حين انفجر السجال الكلامي بين مندوب الإمارات محمد أبو شهاب، ونظيره السوداني الحارث إدريس، في الاجتماع الذي خُصص لبحث الوضع في السودان.
حينها، جدد المندوب السوداني اتهام بلاده الإمارات بدعم ميليشيات الدعم السريع بالسلاح، مؤكدًا أن السودان يمتلك أدلة تثبت صحة هذه الاتهامات. وقال إن "الإمارات ترعى الإرهاب الممنهج والعرقي في السودان وتوفر أسلحة لقوات الدعم السريع عبر تشاد وجنوب ليبيا وإفريقيا الوسطى".
كذلك، أشار إلى أن تلك القوات تهاجم أهالي القرى والبلدات بشكل "متعمد وممنهج". وعلى إثر ذلك، دعا الإمارات إلى الابتعاد عن الشأن السوداني لاستعادة الاستقرار، كما طالب مجلس الأمن بإدانة الدولة الخليجية، التي كانت على رأس الدول الخليجية المهرولة إلى التطبيع مع إسرائيل في عام 2020.
بدوره، رفض المندوب الإماراتي أبو شهاب الاتهامات السودانية، وركز على الإشارة إلى المساعدات الإنسانية التي قدمتها أبوظبي منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023. وتساءل: "إذا كانت القوات المسلحة السودانية حريصة على إنهاء النزاع والمعاناة الإنسانية، فلماذا ترفض حضور محادثات جدة؟ ولماذا تعرقل وصول المساعدات التي تنقلها منظمات الأمم المتحدة؟".
نيويورك تايمز: لا يمكنهم الكذب الآن
تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الدور الإماراتي في حرب السودان في تحليل حديث، حيث كشفت معلومات تفصيلية تتعلق بنشر الإمارات طائرات من دون طيار فوق الصحاري الواسعة على طول الحدود السودانية. وأوضح التحقيق أن تلك الطائرات كانت توجه قوافل تهريب الأسلحة غير المشروعة إلى ميليشيا الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في السودان، الذي يعاني حربًا أهلية متصاعدة منذ أبريل 2023.
وقد استند التحقيق إلى مذكرات داخلية، وصور أقمار اصطناعية، وشهادات دبلوماسيين، موضحًا أن الإمارات تعزز حملتها السرية باستخدام طائرات مسيرة صينية الصنع، التي تُعتبر الأكبر من نوعها في حرب السودان، مما يدل على توسيع الإمارات لقدراتها العسكرية في المنطقة.
طائرات من دون طيار للمراقبة والحراسة
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية بناء حظائر للطائرات وتركيب محطة تحكم للطائرات المسيرة في مطار في تشاد، مما يزيد من تعقيد الوضع العسكري في السودان. وفقًا لتحقيق "نيويورك تايمز"، أفاد مسؤولون أمريكيون بأن الإمارات تستخدم هذا المطار لتحليق طائرات مسيرة عسكرية متقدمة، وتزويد ميليشيا الدعم السريع بمعلومات استخباراتية ميدانية. وقد حددت الصحيفة نوع الطائرة المستخدمة، وهي "وينج لونج 2"، التي يمكنها الطيران لمدة 32 ساعة بمدى يصل إلى 1000 ميل، مما يجعلها فعالة في دعم العمليات العسكرية.
اقرأ أيضًا: صحفيات السودان.. صمود في زمن الحرب

الإمارات تحت الضغط الدولي
تصر الإمارات على أنها تسعى فقط لإنهاء الحرب ومساعدة ضحاياها. ومع ذلك، يشير تحقيق "نيويورك تايمز" إلى أن الإمارات قد قدمت 230 مليون دولار من المساعدات، بالإضافة إلى 10,000 طن من الإمدادات الإغاثية للسودان، إلى جانب دورها البارز في محادثات السلام التي قادتها الولايات المتحدة مؤخرًا في سويسرا.
ورغم هذه الجهود، يظل الدور الإماراتي محاطًا بالغموض، حيث كشف التحقيق عن محاولات كبار المسؤولين الأمريكيين إقناع الإمارات بالتخلي عن عملياتها السرية. وقد أبلغت الولايات المتحدة الإماراتيين صراحةً بما تفعله دولتهم في السودان، وذلك بحسب ما أفاد به خمسة مسؤولين أمريكيين على دراية بالمحادثات.
وفي ديسمبر الماضي، أثارت نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، هذه الاعتراضات الأمريكية بشأن تهريب الأسلحة الذي تديره الإمارات في السودان مع رئيسها الشيخ محمد بن زايد. ووفقًا لما نقلته "نيويورك تايمز"، يبدو أن محمد بن زايد قد أقر ضمنيًا بدور بلاده في الصراع، حيث أشار إلى علاقته بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي أرسل قوات للقتال إلى جانب الإمارات في حرب اليمن.
اقرأ أيضًا: أزمة السودان تتفاقم.. الجيش والدعم يُفشلان محاولات الحل الدولية
أوضح رئيس الإمارات أيضًا أن قوات الدعم السريع تعد حصنًا ضد الحركات السياسية الإسلامية في المنطقة، التي يعتبرها تحديًا لمصالح الإمارات. وعلق أحد المسؤولين الأمريكيين على ذلك بقوله: "لا يمكنهم الكذب علينا بعد الآن".
أكدت مذكرة سرية للسفير الأوروبي في السودان أن الإمارات سلمت طائرات من دون طيار وأنظمة دفاع جوي لقوات الدعم السريع، مما ساعدها في تحييد التفوق الجوي للجيش السوداني. وفقًا لتحقيق "نيويورك تايمز"، يشير هذا الدعم العسكري إلى تورط الإمارات العميق في الصراع السوداني، ويثير تساؤلات حول نواياها الحقيقية في المنطقة.

لماذا السودان؟
يشير التحقيق إلى أن السودان يتمتع بثروات طبيعية كبيرة، مما جعله مركزًا للتنافس العالمي والإقليمي على الموارد الطبيعية في إفريقيا. ويدرك الإماراتيون منذ فترة طويلة أهمية الموانئ البحرية في الاقتصاد العالمي، حيث أقامت شركة "موانئ دبي" ووسعت أنشطتها خارج حدودها، مع إيلاء اهتمام خاص بالسواحل السودانية.
يضم السودان ثلاثة موانئ رئيسية على ساحل البحر الأحمر، وأكبرها هو الميناء الجنوبي المخصص لاستقبال الحاويات. وكانت الإمارات قد دخلت في اتفاقية لتطوير ميناء "أبو عمامة" على ساحل البحر الأحمر باستثمارات تصل إلى 6 مليارات دولار. ومع ذلك، أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى تعليق تنفيذ هذه الاتفاقية، مما أضاف تعقيدات جديدة للعلاقات بين البلدين.
ويشير التحقيق إلى أن الإمارات تحاول الآن استغلال ذهب السودان، حيث يسعى قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، للتعاون مع الإمارات في هذا المجال. وقد لعبت منطقة "جبل عامر" دورًا محوريًا في تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية للسودان منذ انفصال الجنوب.
كشفت مؤسسة "جلوبال ويتنس" أن شركة "كالوتي"، التي تدير مصفاة للذهب في الإمارات، تقوم باستيراد ذهب السودان الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع. وقدرت التقارير أن الإمارات استولت على 50 طنًا من الذهب بقيمة تتجاوز 1.3 مليار دولار سنويًا، مما يعزز نفوذها الاقتصادي في المنطقة.