لم يكن بُعبعًا.. هكذا انهارت "ريفييرا" ترامب

لم تصمد خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة إلى مصر والأردن أكثر من أسبوعين، إذ بدا وكأنه يتراجع عنها بعد رفض قاطع من القاهرة وعمان، بعد فشل محاولات التهديد بـ "مليارات الدولارات" التي تتلقاها الدولتين، أمام خطة أعلنتها القاهرة أخيرًا لإعمار قطاع غزة بدعم وأموال عربية.

في تصريحات سابقة هذا الشهر، لم يخفِ ترامب حماسه لفكرة تحويل قطاع غزة إلى ما وصفه بـ"ريفيرا الشرق الأوسط"، معتبرًا أن الولايات المتحدة قادرة على تطوير المنطقة وجعلها مركزًا اقتصاديًا وسياحيًا مزدهرًا. وقد بدا في تلك الفترة متجاهلًا للاعتراضات المتزايدة، بما في ذلك الموقف الحازم من القاهرة وعمان، اللتين أكدتا رفضهما القاطع لأي خطط لإعادة توطين الفلسطينيين على أراضيهما.

وقد ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك، معربًا عن ثقته في قدرته على إقناع قادة مصر والأردن بقبول الفلسطينيين، مستندًا إلى ما وصفه بـ"قوة إرادته". وقال حينها في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أميركية: "هم يقولون إنهم لن يقبلوا، وأنا أقول إنهم سيفعلون". هذه التصريحات عكست إصرارًا غير معهود من الرئيس الأميركي على تمرير خطته، متجاهلاً المخاوف الإقليمية والدولية.

إلا أن هذا الإصرار بدا وكأنه بدأ يتلاشى يوم الجمعة، خلال مقابلة هاتفية أجراها ترامب مع شبكة "فوكس نيوز" الإخبارية. في هذه المقابلة، بدا الرئيس الأميركي السابق وكأنه يعترف بفشل محاولاته في إقناع مصر والأردن بتنفيذ مقترحه، موضحًا أن رفضهما القاطع جعل تنفيذ الفكرة أمرًا "غير ممكن" على أرض الواقع.

اقرأ أيضًا: ترامب ملكًا.. غزة تنتظر احتلالًا أمريكيًا

كيف تراجع ترامب عن "ريفييرا الشرق"؟

في المقابلة، قال ترامب: "ندفع لمصر والأردن مليارات الدولارات سنويًا، وقد فوجئت قليلًا بموقفهما، لكنه موقفهما في النهاية". وأضاف في لهجة بدت أكثر تصالحية: "سأقول لكم، خطتي هي الحل الأمثل، لكنني لن أفرضها، فقط سأوصي بها". هذا التصريح يمثل تحولًا ملحوظًا في لهجة ترمب، وانتقالًا من التأكيد على التنفيذ إلى الاكتفاء بالتوصية، ما يشير إلى تراجع واضح عن المقترح الأصلي.

وأقر بأن إعادة إعمار غزة من دون ترحيل الفلسطينيين ستكون "غير عملية"، نظرًا لوجود حركة حماس التي تسيطر على القطاع منذ سنوات. واعتبر أن سيطرة أميركية على غزة مع تهجير سكانها "ستكون الحل الأفضل" من وجهة نظره. وقال: "الولايات المتحدة ستملك الموقع، ولن يكون هناك حماس، وسنعيد البناء من جديد". لكنه تحدث عن الفكرة بصيغة الماضي، ما يعكس بشكل واضح تخليه عن هذه الخطة.

وأضاف ترمب في ختام حديثه عن المقترح: "أحببت خطتي، أعتقد أنها كانت جيدة. تخرجهم من هناك، تبني لهم مجتمعًا جميلًا ومستدامًا".

سجلت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة 48 ألفًا و329 شهيدًا، بينهم 17 ألفًا و881 طفلًا و12 ألفًا و298 امرأة.

وكانت هذه الكلمات، على الرغم من أنها تعكس قناعة ترامب الشخصية بجدوى خطته، إلا أنها تأتي في سياق اعترافه بعدم إمكانية تنفيذها بسبب الرفض العربي، ما يؤكد التراجع الظاهر في موقفه.

الرفض ممكن.. ترامب لم يكن "بُعبعًا"

وكان زعماء الخليج ومصر والأردن عقدوا، يوم الجمعة نفسه الذي أدلى فيه ترامب بتصريحاته، اجتماعًا في الرياض لمناقشة بدائل لخطة ترامب، وذلك قبل انعقاد قمة أوسع لجامعة الدول العربية في مصر في الرابع من مارس المقبل.

وبينما لم يصدر بيان رسمي عن نتائج الاجتماع إلى الآن، إلا أن انعقاده في هذا التوقيت يشير إلى وجود تحركات عربية منسقة لمواجهة أي محاولات لإعادة طرح مقترح إعادة توطين الفلسطينيين.

وقد كشفت القاهرة عقب الاجتماع عن تفاصيل خطة إعمار غزة التي شكك فيها ترامب مرارًا. وهي خطة تستند إلى التعافي المبكر وإعادة البناء مع بقاء الفلسطينيين على أرضهم.

وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن الخطة تحظى بدعم عربي، كما كانت محل توافق مع وزير الخارجية الصيني، وانج يي، خلال مكالمة هاتفية تناولت تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، بما في ذلك غزة وسوريا والسودان.

ووفق مصادر دبلوماسية، نقلت عنها الحرة، تشمل الخطة المصرية ثلاث مراحل تمتد بين ثلاث إلى خمس سنوات، تبدأ بمرحلة "الإنعاش المبكر" لمدة ستة أشهر، تتضمن إزالة الركام وتوفير منازل متنقلة مع استمرار تدفق المساعدات. أما المرحلة الثانية، فتركز على عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، بينما تهدف المرحلة الثالثة إلى إطلاق مسار سياسي لحل الدولتين، لتعزيز فرص التهدئة المستدامة.

وكشفت مصادر لوكالة "رويترز" أن الخطة قد تتضمن تمويلًا يصل إلى 20 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، بدعم من دول الخليج والدول العربية. كما ناقش زعماء الخليج والرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الخطة خلال قمة غير رسمية في السعودية، تمهيدًا لطرحها في قمة القاهرة المقررة في 4 مارس المقبل.

صورة من اللقاء الأخوي نشرها بدر العساكر على حسابه في منصة (إكس)
صورة من اللقاء الأخوي نشرها بدر العساكر على حسابه في منصة (إكس)

هل انهارت خطة "ريفييرا الشرق"؟

وفي واشنطن، لم يصدر أي تعليق رسمي من مجلس الأمن القومي الأميركي حول ما إذا كان تصريح الرئيس ترامب الأخير يعكس تخليه النهائي عن فكرة إعادة إعمار غزة تحت إدارة أميركية، أو عن مقترح إعادة توطين السكان. إذ أن هذا الصمت الرسمي يترك الباب مفتوحًا للتكهنات حول مستقبل السياسة الأميركية تجاه قطاع غزة، وما إذا كان تراجع ترامب الظاهر يمثل تحولًا حقيقيًا في الموقف الأميركي، أم مجرد تكتيك مؤقت.

وفي سياق متصل، ألمح ترامب في المقابلة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي السابق لقطاع غزة كان بمثابة "ملكية" له، متسائلًا: "لا أعرف لماذا تنازلت إسرائيل عنه. لماذا فعلوا ذلك؟". وهو تساؤل يعكس وجهة نظر ترامب تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ويثير تساؤلات حول رؤيته لمستقبل المنطقة، وكذا أيدولوجيته الاستعمارية.

اقرأ أيضًا: الشرق الأوسط بين ضغوط ترامب والموقف الرافض للتهجير

من دون شك أن مقترح الرئيس الأميركي السابق بإعادة توطين الفلسطينيين خارج قطاع غزة قد وصل إلى طريق مسدود، وذلك بسبب الرفض العربي القاطع وعدم وجود دعم إقليمي أو دولي للفكرة. وتراجعه الأخير الظاهر يمثل انتكاسة لهذه الخطة التي أيدتها إسرائيل، ويفتح الباب أمام البحث عن بدائل أخرى لإعادة إعمار قطاع غزة وتحقيق الاستقرار في المنطقة. أو هكذا يبدو الأمر حتى الآن: أن ترامب ليس بُعبعًا، كما كان البعض يعتقد. ومن هنا يكون تحريرها كله ممكن. فقط لو توحد العرب، وأرادوا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة