"لا أعلم ماذا يريدون من سيدة دفعت عمرها في الدفاع عن حقوق الإنسان، عمرها 66 سنة وتعاني من أمراض عدة؟"، سؤال يلاحق المحامي بالنقض، خالد بدوي، عضو هيئة الدفاع عن العديد من سجناء الرأي، بشأن زوجته سجينة الرأي المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، هدى عبد المنعم، عضوة سابقة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، وفق حديثه لـ"فكر تاني"، خاصة بعد إحالتها لمحاكمة جديدة، محل طعن قانوني في اليوم العالمي لحقوق الإنسان.
وهدى عبد المنعم من أبرز الأسماء الموجودة ضمن قوائم سجينات الرأي في مصر، التي تضم كذلك المدافعة عن حقوق الإنسان والمترجمة مروة عرفة، والناشطة السياسية نيرمين حسين، والناشطة الحقوقية عائشة الشاطر، وسيدة الأعمال حسيبة محسوب، والصحفية علياء عواد، وآخريات.
يوجد 8 سجون مخصصة للنساء في مصر، أكبرها سجون القناطر الخيرية، وبرج العرب، ودمنهور، والعاشر من رمضان.

إحالة للمحاكمة للمرة الثانية
في 10 ديسمبر، فوجيء الوسط الحقوقي وأسرة هدى عبد المنعم، بإحالتها للمحاكمة بالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، على ذمة القضية 800 لسنة 2019 أمن الدولة العليا، وهو ما أدانته، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، موضحة أن نيابة أمن الدولة قد اتهمت هدى على ذمة ثلاث قضايا بالاتهامات نفسها دون مواجهتها بدليل واحد جاد خلال ست سنوات من الاحتجاز التعسفي.
ورغم أن القضية 800 لسنة 2019 المحالة للمحكمة، مفتوحة منذ أكثر من خمس سنوات، وفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلا أن نيابة أمن الدولة قامت منذ أقل من شهر، وتحديدًا يوم 18 نوفمبر الماضي، بالتحقيق مع هدى عبد المنعم لأول مرة على ذمتها، ليتم اتهامها من جديد "بالانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها"، دون مواجهتها بأدلة أو شهود.

وتعد هذه هي المرة الثالثة التي يوجه لها اتهام بالانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها، حيث كانت المرة الأولى في 31 أكتوبر عام 2018، عندما ألقي القبض عليها من منزلها، حيث تم التحقيق معها على ذمة القضية 1552 لسنة 2018 والمعروفة إعلاميًا باسم "قضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" ، وظلت رهن الحبس الاحتياطي لأكثر من ثلاث سنوات بالمخالفة للقانون، قبل أن يصدر ضدها حكم غير قابل للطعن عليه من محكمة أمن الدولة طوارئ التي قضت بسجنها خمس سنوات لإدانتها "بالانضمام لجماعة إرهابية" بينما قررت براءتها من اتهامها بالتمويل.
"التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" مؤسسة مصرية تم إنشائها خلال عام 2014 بهدف الدفاع عن سجناء/ات الرأي وتوفير الدعم القانوني لهم/ن وتوثيق الانتهاكات التي تقع عليهم/ن، وفي عام 2018 ، تعرضت أعضاء المؤسسة لحملة توقيف، وعلى رأسهم/ن مؤسسها المحامي الحقوقي عزت غنيم، وأعضاء مجلس الإدارة هدى عبد المنعم وعائشة خيرت الشاطر وزوجها المحامي محمد أبو هريرة بالإضافة إلى 27 متهما آخرين.
مأساة صحية تتفاقم
"هدى عبد المنعم تحيا مأساة بكل معنى الكلمة" كما يرى زوجها خالد بدوي، الذي يوضح أنه كان من المفترض في 31 أكتوبر 2023، إطلاق سراح زوجته بعد إتمامها كامل العقوبة المحكوم عليها بها، إلا أنه بدلًا من مباشرة إجراءات الإفراج عنها، تم إعادة حبسها مرة أخرى فيما يعرف حقوقيًا على نطاق واسع باسم "التدوير"، لكن تنفيه السلطات المصرية عادة.
في هذا التوقيت تم عرضها على نيابة أمن الدولة والتي حققت معها على ذمة القضية 730 لسنة 2020، بالاتهامات ذاتها التي سبق وحوكمت بشأنها، ليستمر تجديد حبس هدى احتياطيًا على ذمة القضية لمدة 14 شهرًا ، أخرها جلسة تجديد حبس في 9 ديسمبر الماضي، عبر خاصية "الفيديو كونفرنس".

وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اشتكت هدى خلال جلسة تجديد حبسها من إصابتها بدوار وإغماء نتيجة ضيق الشريان الموصل الدم للمخ، إلا أن الدائرة الثانية (إرهاب) بمحكمة جنايات القاهرة ببدر برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، قررت استمرار حبسها رغم عدم وجود مبرر قانوني يستلزم الحبس، "حيث أن هدى عبد المنعم لها محل إقامة ثابت معروف ولا يخشى قيام سيدة مسنة ومريضة مثلها بالإضرار بمصلحة التحقيق أو تهديد الأمن العام"، وفق بيان المبادرة.
وأشارت المبادرة في بيانها إلى أنه في الوقت نفسه الذي كانت فيه هدى عبد المنعم تشكو لقاضي تجديد حبسها من تردي صحتها وتعرضها للإهمال الطبي، أعلنت وزارة الداخلية عن قيام وفد من المجلس القومي للمرأة بزيارة مركز "الإصلاح والتأهيل بالعاشر من رمضان"، حيث أشادت رئيسة المجلس المستشارة أمل محمود بأوضاع مقر الاحتجاز باعتباره "صرح إنساني بمعنى الكلمة"، رغم أنه لم يلتق أي من أعضاء وفد القومي للمرأة بهدى عبد المنعم نزيلة المركز والعضوة السابقة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان.
وأوضحت المبادرة أن هدى عانت مدار السنوات الست الماضية من أوضاع احتجاز شديدة القسوة، حيث تم حرمانها خلال معظم هذه المدة من التواصل مع أسرتها أو تلقي الزيارات حسبما ينص قانون تنظيم السجون، بجانب المعاناة، من إهمال طبي قائم منذ القبض عليها في 2018، حيث تعاني من ارتجاع في الكلية اليمنى، وتوقف في الكلية اليسرى؛ بينما لم يتم تمكينها على مدار الأعوام الثلاثة الماضية من إجراء أشعة مطلوبة على القلب، رغم كل الطلبات والشكاوى التي تقدم بها دفاعها وأسرتها.
"بدوى"، أكّد معلومات المبادرة، في حديثه لـ"فكر تاني"، مضيفًا أن هدى تعاني من جلطة بالقدم اليسرى، واختلال توازن حاد بسبب التهاب بالأذن الوسطى، متسائلًا: ماذا يريدون من سيدة في هذه العمر تعاني هذه المعاناة الصحية؟ أليس الأجدر الإفراج عنها لإعطاء فرصة لبناتها بمراعاتها ومتابعة الأطباء لها؟ وما المطلوب من استمرار حبسها وغيرها من الفتيات والنساء؟".
تضامن حقوقي واسع
وفي السنوات الماضية، أعلنت العديد من المنظمات الحقوقية المصرية تضامنها مع هدى عبد المنعم، في بيانات ومسارات حقوقية محلية ودولية، دون جدوى.
وفي 29 نوفمبر الماضي، أدانت 24 منظمة حقوقية، من بينهم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، استمرار التلاعب بمصير المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان هدى عبد المنعم، مؤكدة أن هذه الممارسات نموذج لضرب السلطة المصرية عرض الحائط بأحكام القضاء ومخالفة للمبادئ القانونية التي تنص على عدم محاكمة الشخص عن نفس التهم مرتين، وفق بيان مشترك للمنظمات.

وأشارت المنظمات إلى أن ذلك يحدث في الوقت الذي تروج فيه الحكومة المصرية لاتخاذ إجراءات لتحسين حالة حقوق الإنسان في مصر على مشارف جلسة المراجعة الدورية الشاملة لسجل حقوق الإنسان لمصر بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بالتزامن مع استمرار السلطات في التنكيل بالمعارضين والحقوقيين، سواء من خلال العديد من الانتهاكات .
وأوضحت المنظمات أن قضية هدى عبد المنعم ليست معاناة فردية، بل هي جزء من انتهاكات منهجية يمارسها النظام ضد المعارضين/ات والمدافعين/ات عن حقوق الإنسان، تعكس نمطًا صارخًا لعدم احترام أحكام القضاء، ومدى تحكم الأجهزة الأمنية وقرارتها في مصير السجناء من الحقوقيين/ات والسياسيين/ات في مصر، مشيرة إلى أن ذلك يتجلى في حالات أخرى مثل حالة علاء عبد الفتاح، الذي ترفض السلطات الإفراج عنه رغم انتهاء مدة حبسه القانونية، وإبراهيم متولي، المحبوس منذ عام 2017 ويتم إعادة حبسه باستمرار من قضية إلى أخرى.
حق الحياة دون ملاحقة وسجون
"تطالب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالإفراج الفوري عن المحامية هدى عبد المنعم المحتجزة منذ أكثر من ست سنوات على خلفية اتهامات سياسية، وتهيب بالنائب العام المستشار محمد شوقي التدخل ليعلن نهاية حقيقية لجريمة التدوير ضد متهمي أمن الدولة على قضايا متتالية متشابهة لا تنتهي"، هكذا قالت المبادرة المصرية في بيانها الأخير، وهو ما يراه " بدوي" مطلب إنساني قانوني عادل يتطلب سرعة البت فيه وتمكين زوجته هدى عبد المنعم من حقها المكفول بالدستور والقانون في الحياة دون ملاحقة وسجون.