منصورة عز الدين كاتبة وصحفية، تتميز بكتاباتها التي تمزج بين العمق النفسي والتناول الاجتماعي والفلسفي للقضايا المعاصرة، وُلدت في محافظة الغربية بمنطقة دلتا النيل، ما انعكس في أعمالها التي تسلط الضوء على التفاعل بين الريف والمدينة وتأثير البيئة المحيطة على شخصياتها.
"تترك الطفولة بصمة عميقة على الإبداع الأدبي، حيث يتميز الأطفال بخيال واسع وبراءة تُغذي الفن، العديد من أعمالي مستوحاة من طفولتي والموروث الشعبي الذي نشأت عليه، ما ساهم في تشكيل رؤيتي للعالم وتأثيره على كتاباتي".
في كتاباتها، تتنقل منصورة بين استدعاء الماضي والبحث عن الهوية في ظل عالم متغير، مع الحفاظ على أسلوب فني بعيد عن المباشرة، حيث تعكس التراكمات العاطفية والنقدية، كما تبرز رؤيتها الأدبية من خلال تناولها الإيديولوجيات بحذر، مفضلة أن تدع القارئ يستخلص الرسائل الكامنة في النصوص.
وإلى جانب مسيرتها الأدبية، لمنصورة مكانة وتقدير كبيرين في مجال الصحافة الثقافية، حيث تكتب عن الأدب والتحولات في المشهد الثقافي المصري والعربي، ما يجعلها أحد أبرز الأصوات التي تدمج بين الكتابة الإبداعية والتحليل النقدي العميق.
في حوارها مع فكّر تاني.. نرى معها المشهد الثقافي حاليًا والتحديات التي تواجه الكُتّاب المصريين في ظل التغيرات التي نعيشها ومن بينها التطورات التكنولوجية، وعما تواجهه المرأة الكاتبة على الصعيد المحلي والعالمي.
إلى نص الحوار..
المرأة الكاتبة ومواجهة التمييز
-
بصفتكِ امرأة كاتبة، كيف ترين واقع المرأة في الساحة الأدبية؟ وهل هناك تمييز واضح بين الكُتّاب والكاتبات؟
أرى أن الكاتبات، سواء في منطقتنا أو في أي مكان آخر، يبذلن جهدًا أكبر لإثبات أنفسهن. هناك دائمًا نظرة تجعل الكاتبات وكأنهن تيار فرعي مقارنةً بالتيار الأساسي للأدب، على سبيل المثال، حين يتم الحديث عن الكتاب، تُقال عبارات مثل: "هذا أفضل كاتب في جيله"، لكن عندما يُشار إلى الكاتبات، تُقال: "هذه أفضل كاتبة بين كاتبات جيلها"، ما يعني حصر المقارنة بين الكاتبات فقط.
لكن على مستوى شخصي، أنا مؤمنة بأن الكتابة لا تُفرّق بين الرجل والمرأة؛ الفروق دائمًا فردية، وتعتمد على قدرات الكاتب وخبراته، عندما نذكر أسماءً مثل توني موريسون أو سوزان سونتاج، نتحدث عن شخصيات وأعمال عظيمة بحد ذاتها، وليس من منطلق نوعهن الاجتماعي، الكتابة تظل فردية، وتُعبر عن كل كاتب بناءً على مرجعيته وخبراته.
لكن للأسف، في بعض الأحيان، يظهر نوع من التمييز في تناول أدب المرأة. مثلًا، يُطرح سؤال عن "صورة المرأة في أعمال نجيب محفوظ"، بينما يُقال: "صورة الرجل في كتابات المرأة"، وكأن جميع النساء الكاتبات يحملن صوتًا واحدًا، وهذا خطأ كبير، الكاتبة هي فرد مختلف عن غيرها، وتعبّر عن رؤيتها الخاصة، تمامًا كما يفعل أي كاتب.

التمييز الإيجابي وتأثيره
بينما، في مراحل سابقة، شهدنا أيضًا نوعًا من التمييز العكسي، حيث كانت تُشجَّع الكاتبات فقط لأنهن نساء، وهذا التشجيع، برغم إيجابيته الظاهرية، قد يحمل نوعًا من الوصاية أو المحاباة.
أذكر في فترة التسعينيات حين ظهرت مجموعة من الكاتبات دفعة واحدة، وأطلقوا على ذلك "موسم كتابة البنات"، حتى كلمة "البنات" كانت تحمل دلالة تقليلية، وكأنهن لسن مساويات للكتاب الآخرين.
لذا، أرى أن التحديات التي تواجه النساء الكاتبات تجعلهن أكثر جدية، وتدفعهن للعمل على تطوير أنفسهن، والأهم هو أن نكتب لأننا نحب الكتابة ونجد ذواتنا فيها، وليس من منطلق المظلومية.
"لا أحد يستطيع سلب موهبتكِ أو قلمكِ، إلا إذا استسلمتِ. هذا درس تعلمناه من نجيب محفوظ، الذي كان يقول إنه سيكتب سواء لاقى النجاح أم لا"، فالنجاح الحقيقي هو أن تستمري في الكتابة لأنك تؤمنين بها، لا لأنك تسعين وراء التشجيع أو التقدير.
اقرأ أيضًا:التشكيلية سلوى رشاد.. "البحث عن معنى" في المشاعر والأحلام والمخاوف (حوار)
الأحكام النمطية والتحديات
-
هل واجهتِ صعوبات أو تحيزات كونك امرأة أثناء نشر أعمالك الأولى أو بداية دخولك إلى عالم الكتابة؟
عندما بدأت الكتابة أثناء فترة الجامعة، أذكر أن أحد زملائي قرأ قصصي دون علمي، وقدّمها لمسابقة بجامعة القاهرة، وفزت بالفعل بالمركز الأول، دون أن أكون على دراية مسبقة بذلك، شكّل هذا الفوز بداية مشجعة جدًا.
لكن الصعوبة الحقيقية تأتي بعد ذلك، عندما تحاولين تقديم صوتكِ المختلف وترك بصمتكِ، كثيرًا ما يُنظر إلى الكتابة الذاتية للنساء كأنها انعكاس لتجاربهن الشخصية، وهو ما واجهته عند صدور روايتي متاهة مريم، فاجأني أحد النقاد حين اعتبر الرواية "جرأة مني للكتابة عن نفسي"، رغم أن النص بعيد تمامًا عن أي أمر شخصي، لذلك، في روايتي التالية وراء الفردوس، تعمدتُ أن أجعل البطلة صحفية، أي تعمل بمهنتي نفسها، كأنني أقول إنني لا أهتم بهذا الخلط من جانب البعض.
على الجانب الآخر، عندما نصل إلى درجة من النجاح، قد نواجه ردود فعل عدائية وغير متوقعة، حتى من بعض الأساتذة، لكنني كنت دائمًا معزولة عن الوسط الأدبي، ليس تعاليًا، ولكن بسبب ظروف عملي، وهو عمل يتطلب جهدًا كبيرًا، كنت أكتب في ظروف صعبة بسبب ضيق الوقت وكثرة الالتزامات، أحيانًا وأنا أحمل ابنتي على كتفي وأكتب بيد واحدة على لوحة المفاتيح.
-
هل تعرضت لصعوبات في التعامل مع الوسط الأدبي؟
ابتعدت عن التجمعات الثقافية التي غالبًا ما كانت تركز على الجوانب الشخصية بدلًا من النقاش الثقافي العميق، وراهنت على الكتابة كوسيلة أساسية للتعبير والإشباع، دون الاهتمام بفكرة التلقي والتواجد الشخصي.
ورغم بعض التجارب السلبية، كنت محظوظة بدعم أساتذة وكتاب كبار مثل محمد البساطي وإبراهيم أصلان، والدكتور محمد بدوي، الذين شجعوني وقدموا لي نقدًا بناءً ساعدني على التطور.
ولعل من أكثر ما أثّر فيَّ بهذا الشأن، جملة للأستاذ إبراهيم أصلان: "الشخص الذي يكتب كتابة جيدة ويستمر، لا يجب أن يهتم بمن يجحف بحقه، لأن رأي المجحف لا يهم"، فتمسكت بهذه العبارة وأصبحت مبدأ أعيش به، إذ أركز على تطوير نفسي بدلًا من التوقف عند السلبيات أو الأحكام غير المنصفة.
الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة، بل شغف، أمارسه رغم التحديات والمسؤوليات، لأنه المصدر الأساسي لتحقيق ذاتي والاستمرار في مشواري الأدبي.
-
تحدثتِ عن تأثر كتاباتك بفترات الطفولة والمراحل المُبكرة، ماذا عن القراءات، وكيف تشكل وعيك مبكرًا؟
كانت فاطمة المرنيسي واحدة من الكاتبات اللاتي تأثرت بكتاباتهن -خلال دراستي الجامعية- وأحببتها، خاصة لما تميزت به من رؤية عميقة وقدرة على التفكيك والتحليل، إلى جانب روحها الساخرة بالتأكيد، قد اهتمت بمناطق ظلت لفترات طويلة في ثقافتنا حكرًا على الرجال، لكنها استطاعت أن تدخل تلك المناطق بنديّة وعمق بعيدًا عن التباكي أو الشعور بالمظلومية، حيث ناقشت القضايا برؤية نقدية ساخرة.
فتناولت المرنيسي قضايا النساء وفكرة "الحريم" وما تركته "الجدات والأمهات" من تأثير، لكنها لم تطرحها من زاوية الشكوى أو الضعف، بل حللت هذا الواقع بنظرة شاملة وموضوعية، مع التركيز على الجوانب الإيجابية أيضًا.
ما أضافته المرنيسي كان لافتًا للغاية بالنسبة لي في بداية علاقتي بالكتابة، فقد أعادت إحياء الموضوعات التراثية من منظور أنثوي، وركزت على إبراز النساء اللاتي غاب ذكرهن في ذلك النوع من الكتابات، وربما، جعلت هذه الإضافة تجربة قراءتي كتاباتها غنية وممتعة بالنسبة لي، خاصة في سن مبكرة نسبيًا، حيث أضافت بُعدًا جديدًا لفهم قضايا المرأة والتراث.
-
كيف تصفين تجربتكِ في الجمع بين الصحافة والكتابة الإبداعية؟ وكيف ترين الفرق بين النوعين في التعبير عن الذات؟
منذ البداية، كنت أرغب في أن أصبح كاتبة إبداعية، وبدأت الكتابة قبل قرار العمل في الصحافة أو حتى التفكير في دراستها، بعدما أنهيت الثانوية العامة، تم توزيعي على كلية الهندسة عبر مكتب التنسيق، لكن فجأة قررت أنني لا أرغب في دراسة الهندسة، كانت لحظة عفوية تمامًا، وأنا من النوع الذي يتخذ القرارات بشكل مفاجئ أحيانًا.. حين شعرت برغبتي في دراسة الصحافة، تقدمت بأوراقي لكلية الإعلام.
كان لديّ تصور -وقتذاك- أن الصحافة هي الأقرب للإبداع، وأن دراستها قد تتيح لي مساحة أكبر للاستمرار في الكتابة الإبداعية. لكن، اكتشفت لاحقًا أن الأمر ليس بالضرورة أن يكون كذلك، ومع ذلك، يمكن القول إن اختياري للإعلام كان قرارًا جيدًا، لأنه لو لم أنتقل إلى القاهرة للدراسة لما مررت بتجربة الاستقلال الشخصي والمعيشي في سن الثامنة عشرة، وهي تجربة أثّرت بشكل كبير على تطوري ككاتبة.
وبالنسبة لي، كان الأدب أشبه بممر إلى الصحافة وليس العكس، فمنذ البداية كانت له الأولوية، لذا بمجرد انتقالي للقاهرة انغمست في خلال حضور الندوات وزيارات المكتبات، على حساب الدراسة الأكاديمية المنتظمة.
ومنذ البداية، كنت مهتمة بالصحافة الثقافية، تدربت في العديد من الصحف أثناء الدراسة، رغم أن مدة التدريب كانت قصيرة غالبًا. وفي تلك المرحلة، بدأت أنشر قصصًا قصيرة، وفي السنة الرابعة من الكلية، كنت قد نشرت بالفعل في صحف هامة مثل الحياة اللندنية، وأخبار الأدب، والأهرام.
ولعل من أهم المحطات التي مررت بها، كانت عندما نشر لي الأستاذ جمال الغيطاني سبع قصص على صفحتين في جريدة أخبار الأدب، وكنت ما أزال طالبة بعد، ولاحقًا، وكان ذلك بداية مدخلي إلى عالم الصحافة.
وعندما بدأت عملي الصحفي، كنت أتجنب كتابة مقالات رأي أو قصص صحفية، إذ خُيِّل لي وقتذاك أن هذا النوع من الكتابة قد يأخذ من مخزون الكتابة الإبداعية عندي، وركزت على إجراء الحوارات والتحقيقات الصحفية. هكذا تهربت من كتابة المقالات والنصوص الحرة قدر الإمكان، كي لا أزاحم كتابتي الإبداعية ولرغبتي في فصل لغتي كصحفية عن لغتي الإبداعية، والاحتفاظ بالصحافة كوسيلة مهنية وتقنية، والأدب كمساحة حرة للتعبير عن الذات والإبداع.
ثم مع الوقت اكتشفت أن هذا الفصل تعسفي، وأن المساحات البينية بين الأنواع مصدر إثراء، إذ بعد سنوات من الكتابة اكتشفت أن مثل هذه المحاذير المسبقة أوهام، فالإبداع لا ينضب بالممارسة المستمرة بل يفيض، وتفتح الكتابة لنفسها أبوابًا جديدة، يمكنها تنشيط الخيال وتحفيزه، وهكذا تجاوزت تلك المرحلة.
منحتني الصحافة دروسًا ثمينة، علمتني الالتزام، والعمل تحت ضغط، وأدركت من خلال هذه المهنة أن الكتابة فعل يومي، وليست مجرد مسألة مزاج أو إلهام، وعندما كنت أعمل في التحقيقات، كان رئيس التحرير أحيانًا يطلب مني إعداد تحقيقات خلال ساعات قليلة في ظل ظروف طارئة، وهذا، ما جعلني أتعلم أن الكتابة هي التزام جاد، وتحتاج إلى التنظيم والصرامة مع الذات.

وبحكم عملي كمشرفة على قسم الكتب في أخبار الأدب منذ 2003، اكتسبت حساسية لغوية عالية، فأنا أتعامل مع اللغة يوميًا، وبمرور الوقت، تطورت هذه الحساسية، ما جعلني أكثر قدرة على الإيجاز، واستخلاص الفكرة الأساسية، والدخول مباشرة إلى الموضوع.
لهذا أعتقد أن الصحافة، على عكس ما يُشاع عنها، تُنمي الأسلوب وتُطوره، بشرط أن يكون الكاتب واعيًا بالفروق بين الأسلوب الصحفي والأسلوب الإبداعي، فالصحافة تُعلم الدقة والواقعية، وتُعزز التعامل مع اللغة بعناية.
في البداية، كانت الصحافة تأخذ مني وقتًا كبيرًا، لكن مع مرور الوقت أدركت أن الكتابة الإبداعية هي الأساس بالنسبة لي، وأصبحت على قناعة بأنه يمكنني التخلي عن الصحافة في أي وقت إذا لزم الأمر، وهذه القناعة جعلت الأمور أكثر وضوحًا، وإن لم تكن بالضرورة سهلة.
الذاكرة بين التخييل والواقعية
-
تهتمين بالذات، والذاكرة، والأحلام، والطفولة، في رواياتك، كيف تقاربين مفهوم الذاكرة في أعمالك؟ وما الذي دفعك للخوض في هذه القضايا؟
"نحن نكتشف انشغالاتنا مع الوقت، عملًا بعد الآخر، نبدأ في إدراك أنفسنا ورؤيتنا بناء على ما نكتبه، فنتعمق أكثر في هذه المساحات".
وأرى أن كل كاتب يهتم بالذاكرة بشكل أو بآخر؛ لأن الإنسان في الأساس هو ذاكرته، عندما أتذكر طفولتي الآن على سبيل المثال، تكون طفولتي الحاضرة بالنسبة لي -هي فقط- ما أتذكره، وربما تكون الكتابة عندي مرتبطة بفكرة الحفر في الذات.
فالذاكرة عنصر أساسي يتجلى فيما أكتب بأشكال مختلفة، لا أستطيع أن أحدد تمامًا سبب حضورها الدائم، ففي بعض أعمالي، تحاول الشخصيات استعادة حياتها من خلال التذكر، بينما تسعى شخصيات أخرى لاستعادة ذاتها عبر النسيان، أنا لا أفرض رأيي الشخصي عن الذاكرة على الشخصيات؛ بل أعيش معها تجربتها وأتركها تقودني لفهم علاقتها بالذاكرة.
وبالنسبة لي، الكتابة فعل تقمص عميق، لا يقتصر الأمر على تقمص الشخصيات فقط، بل يمتد إلى اللغة، والعالم المحيط بها، وطبيعة علاقتها بالأشياء، ومع ذلك، لا يمكنني أن أفصل نفسي تمامًا عن هذه الشخصيات. عندما أكتب، أمنحها جزءً من ذاتي لتنبض بالحياة.
علاقتي بالأشياء غالبًا ما تكون هوسية، وأعتقد أن معظم الفنانين يشاركونني هذا الهوس، وهذه العلاقة ليست محايدة؛ بل تتغير من وقت لآخر، وأجدها ضرورية للكتابة. أرى أن الغرابة في الشخصيات تضفي عليها عمقًا يجعلها أكثر إقناعًا، إذا عشت تفاصيل الشخصية وصدقتها، يصبح من السهل أن أتقمصها، بل إنها تتقمصني بدورها.
أحب الطبيعة والنباتات، وهذا يظهر بوضوح في رواياتي، لكني لا أفرض هذا الاهتمام بشكل مباشر، وطبيعة الرواية نفسها هي التي تحدد تفاصيلها.
على سبيل المثال، في "بساتين البصرة"، استخدمت الياسمين كرمز للموت بدلًا من الجمال، مستلهمة من تراث تفسير الأحلام، وفي المقابل، إذا كانت الرواية تدور حول شخصية بعيدة تمامًا عن هذا العالم، مثل شخصية تعيش في القاهرة ولا تهتم بالنباتات، فلا أسمح لنفسي بفرض اهتمامي عليها. بالنسبة لي، التوازن بين اهتماماتي وبين متطلبات الشخصيات أمر ضروري لتصبح واقعية ومقنعة.
أذكر أنني بين عامي 2016 و2017، شاركت في مشروع تعليمي في إيطاليا لتدريب طلاب المدارس على الكتابة الإبداعية، طُلب مني كتابة مشهد افتتاحي بسيط، لكنني استغللت الفرصة لتسليط الضوء على قضية اللاجئين، التي كانت تشغلني بشدة في تلك الفترة، استلهمت الفكرة من الطيور المهاجرة، وكتبت عن طفل يهاجر ويجد الخلاص في ارتباطه بكرة القدم.
هذا المشهد تطلب مني بحثًا مكثفًا حول مسارات الطيور التي تهاجر من سوريا إلى إحدى الجزر اليونانية، مثل هذه التفاصيل الصغيرة تأخذ وقتًا طويلًا، لكنها تضفي على النص عمقًا ومصداقية. بالنسبة لي، الدقة والبحث عنصران أساسيان في عملية الكتابة.
أؤمن أن التفاصيل الصغيرة، مهما بدت بسيطة، تلعب دورًا كبيرًا في بناء نص متماسك ومقنع، الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد عملية نقل للأفكار، بل تجربة عميقة تتطلب بحثًا وتقمصًا، ما يساعدني على خلق عوالم نابضة بالحياة ومترابطة بشكل منطقي وواقعي.
-
تتناول "بساتين البصرة" أفكارًا غير تقليدية في الأدب العربي مثل تناسخ الأرواح، كيف تلقى النقاد والقراء هذا العمل؟
عندما صدرت الرواية، كان التلقي مشغولًا بالعلاقة مع التراث والفلسفة الإسلامية، أكثر من كونه مركّزًا على موضوع التناسخ، ركز النقاد والقراء على الجوانب المعرفية في الرواية مثل تفسير الأحلام، فلسفة المعتزلة، التصوف، والأسئلة الوجودية.
في الحقيقة، العلاقة بالتراث تشكل العمود الفقري للرواية، استلهمت الكثير من التراث الغيبي لتفسير الأحلام، ومن التراث الفلسفي لفكر المعتزلة، تجمع بساتين البصرة بين أزمنة متعددة، وتناقش القضايا الفلسفية نفسها عبر العصور، مثل مسألة الخطيئة والقدر.
تعيش الشخصيات، في أغلب الأحيان، معتقدة بأنها تسيطر على حياتها وتتحكم في مصيرها، لكنها تواجه لحظات تنقلب فيها الأمور بفعل أحداث عبثية أو اختيارات غير واعية، وهذا التناقض بين الشعور بالحرية والاستسلام للقدر هو ما أردت إبرازه، وهو ما يشكل صراع الإنسان مع ذاته ومع القوى التي تحكم حياته.
لا أفرض إجابة واحدة على القارئ؛ قد يرى البعض أنها عن تناسخ الأرواح، بينما يراها آخرون عن الجنون أو العيش في عالم موازٍ، أما أنا، فأميل للمناطق الرمادية التي تجعل النصوص أكثر انفتاحًا وتأويلًا.
التناسخ ليس فكرة غريبة، بل نجدها حتى في منطقتنا، العلويون والدروز مثلًا يؤمنون بهذه الفكرة، كما أنها حاضرة في الهند، وجنوب شرق آسيا، وبعض المناطق المكسيكية، صديقة إيطالية لي تؤمن بأنها كانت أميرة فرعونية في حياتها السابقة، وتزور مصر بانتظام لهذا السبب، هذا ما يجعل الفكرة عالمية وليست محصورة بجغرافيا معينة، أما بالنسبة لشخصية هشام، بطل الرواية، فهو شخصية رمادية بامتياز، لا أقدم تفسيرًا واضحًا إن كان يعيش تناسخ أرواح أم حالة من الجنون، حيث يمثل هشام صراع الإنسان مع ذاته، مع وعيه، ومع محيطه، قد يكون الجنون، كما وصفه إدجار آلان بو، "وعيًا حادًا"، وليس مجرد اضطراب.
اقرأ أيضًا: رشا سنبل: على الكاتب مخاطبة الشباب بذكاء وعمق يتماشى مع سرعتهم وتطورهم (حوار)
غياب المؤتمرات الأدبية عن المشهد الثقافي
-
كيف تُقيّمين الجوائز الأدبية، وهل ترينها دائمًا منصفة؟
تلعب الجوائز الأدبية دورًا حيويًا في تسليط الضوء على الكُتّاب والأعمال الأدبية، ما يساهم في جذب انتباه القراء وتعزيز مكانة الأدب، ومع ذلك، ليست الجوائز المعيار الوحيد للجودة الأدبية، فهناك أعمال عظيمة لم تحظ بتكريم لكنها أثرت في المشهد الأدبي.
لكن، تبدأ الإشكالية عندما يكون الهدف هو الفوز بالجوائز، أو تركّيز دور النشر على الأعمال التي تتماشى مع توجهات الجوائز، ما يهدد تنوع الأدب وقيمته، وفي المقابل، إذا فاز الكاتب بجائزة دون أن يسعى إليها، فإن ذلك يُعد حافزًا إضافيًا، لكنه يجب أن يبقى ملتزمًا بالإبداع كهدف رئيسي.
أما عن الإنصاف، فإن الجوائز تظل خاضعة لتفضيلات لجان التحكيم، التي تختلف رؤاها بين لجنة وأخرى. لذا، الأفضل أن يُركز الكاتب على جودة عمله دون الالتفات كثيرًا لفكرة الجوائز.
-
هل تؤثر المؤتمرات الأدبية على المشهد الثقافي؟
بينما تُسهم المؤتمرات الأدبية في إثراء المشهد الثقافي من خلال تبادل الأفكار بين الكُتّاب من مختلف الثقافات -فهي تفتح المجال للحوار الثقافي وتعزز من تنمية الإبداع- لكن مع الأسف، شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا في تنظيم المؤتمرات، ما أثر سلبًا على المشهد الثقافي.
على المستوى الشخصي، أرى أن الكتابة اليومية تُعد أكثر أهمية بالنسبة لي من حضور المؤتمرات، لكن بشكل عام، فإن المؤتمرات تعد مؤشرًا على دعم الدولة للإبداع، كما أنها تساعد على إبراز ريادة مصر الثقافية، ومن أجل الحفاظ على هذه الريادة، يجب أن يكون هناك انفتاح ثقافي وحوار مع الآخرين، إذ إن الدول العربية الأخرى تقدم دعمًا كبيرًا للإبداع من خلال ترجمة أعمال كُتّابها ودعم المبادرات الثقافية.
-
كيف ترين غيابها حاليًا، ودور الدولة في هذا السياق؟
في السابق، كانت هناك محاولات لترجمة الأدب المصري إلى لغات أخرى، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة بسبب غياب الدعم الكافي، هذا الغياب يشمل عدم وجود منصات مهنية تساعد دور النشر المصرية على تسويق أعمالها عالميًا.
الدولة بحاجة لتوفير منصات مماثلة لتلك المتوفرة في معارض دولية مثل فرانكفورت أو الشارقة، ما يتيح للكتاب المصريين فرصة للانتشار عالميًا ودعم الأدب المصري بشكل أوسع.
-
وماذا عن غياب الفعاليات الثقافية؟
غياب الفعاليات الثقافية المستقلة مثل المؤتمرات والمهرجانات له أثر سلبي على الأدب المصري، سابقًا، كانت مصر تشهد نشاطًا أدبيًا متنوعًا من خلال مهرجانات مثل النطاق وغيره، ومؤخرًا كان هناك مهرجان "دوائر" الذي جمع كُتّابًا من مختلف الدول العربية وقدم ورشًا إبداعية على سبيل المثال.
لكن في العموم، الأدب المصري لا يزال قويًا ومتنوعًا، لكنه يحتاج إلى دعم وتنظيم فعاليات تعيد الحيوية للمشهد الأدبي.
-
على ذكر الأدوار الغائبة والحاضرة، هناك من يرى أن النقد الأدبي أصبح غائبًا أو متراجعًا في الوطن العربي. ما رأيك في ذلك؟ وإذا كان هذا حقيقيًا، كيف يمكننا استعادة هذا الدور؟
النقد الأدبي لم يغب تمامًا، لكنه أصبح مهمشًا لصالح المنصات الرقمية مثل فيسبوك ويوتيوب، التي تروج للأعمال دون تقديم تحليلات نقدية معمقة، أعتقد أن هذا التوجه من شأنه إضعاف دور النقد الأدبي الحقيقي الذي يتطلب تفكيك النصوص ودراستها بعمق وتقديم نظرة أكثر شمولية.
وإذا أردنا استعادة دور النقد الأدبي، يجب أن نعود إلى النقد الذي يهدف إلى تحليل النصوص بشكل معمق وليس فقط ترويج الأعمال، النقد الحقيقي يعزز من الفهم العميق للعمل الأدبي، ويوفر للقراء وللكُتّاب أدوات لتقييم الأعمال بشكل أكثر دقة.
-
بالنسبة للتغيرات التكنولوجية، هل تشكل خطرًا على الإبداع الأدبي؟
رغم التطورات التكنولوجية، لا يشكل الذكاء الاصطناعي خطرًا، فالإبداع ينبع من التجربة الإنسانية والمشاعر الداخلية، وهي عناصر يصعب على التكنولوجيا محاكاتها، الأدب الحقيقي يعبّر عن فجوات المشاعر الإنسانية التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استيعابها.
-
ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟
أسعى للاستمرار في الكتابة واكتشاف طرق جديدة للتعبير عن أفكاري، لدي مجموعة قصصية شبه مكتملة وكتاب بدأته في 2011 أطمح إلى إتمامه قريبًا.
اقرأ أيضًا:بهيجة حسين: مصر تقف على أرض رخوة ومحو التاريخ مقصود.. الحِراك النسوي ليس رفاهية (حوار)