بهيجة حسين: مصر تقف على أرض رخوة ومحو التاريخ مقصود.. الحِراك النسوي ليس رفاهية (حوار)

مصر تفقد دورها التاريخي ومكانتها الاستراتيجية

مصر تعاني الآن من حالة تخلف ومحو للذاكرة الوطنية بشكل مُتعمد

لستُ ناصرية لكنني ابنة هذه المرحلة والانفتاح كان بداية التهميش

الوضع الراهن مُعادٍ للثقافة والمثقفين وتغييب الوعي ليس مُصادفة

أحلم بدولة المواطنة الحقيقية والقانون العادل وهذا ليس مستحيلًا

لا يمكن اختزال القضايا النسوية في عنوان فهي معاناة يومية وحرب بلا رصاص

الحركة النسوية في مصر محرومة من الوصول إلى أصحاب المصلحة

النسويات تلعب دورًا مهمًا في السعي نحو حياة أقل عنفًا وأكثر أمنًا للنساء

عودة الحركة الطلابية ضرورة لاستعادة قدرتها على متابعة القضايا وتنظيمها

رد فعل مصر الرسمي تجاه ما يحدث في غزة يعكس ضعفًا

بهيجة حسين، الكاتبة والسياسية وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري، تُعد واحدة من أبرز وجوه الحركة المدنية والحقوقية التاريخية في مصر. جمعت في مواقفها الجريئة بين الالتزام السياسي والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، مع تركيز خاص على حقوق المرأة، العدالة الاجتماعية، ودعم حقوق سجناء الرأي.

في حوارها مع فكّر تاني ضمن سلسلة حوارات "الولاية الأخيرة ومستقبل مصر"، تناولت حسين برؤية شابة دور المجتمع المدني في مصر والتحديات التي تواجهه في ظل النظام الحالي. كما تحدثت عن أهمية الأدب والفكر في دفع التغيير الاجتماعي والسياسي، وقدمت رؤيتها المستقبلية لما تحتاجه القوى الوطنية والثقافية لمواجهة التحولات الراهنة في المجتمع المصري.

فإلى نص الحوار:

الأدب في مصر

أين تقف مصر الآن؟

مصر الآن تقف على أرض رخوة قابلة للانهيار، تفقد دورها التاريخي، مكانتها الاستراتيجية والجغرافية، وتفقد المعنى الذي قاله نابليون: "من يحكم مصر يحكم العالم".

مصر في الوقت الراهن تفقد مكانتها في محيطها العربي، وتُدار برؤية اقتصادية خليجية لا تعرف ما هي الصناعة أو الزراعة، بينما تعلم جيدًا أهمية العقارات، وتفهم فقط البهرجة والهياكل المعمارية الضخمة.

أن تُدار دولة بحجم مصر، وبطبيعة مصر، وفق رؤية اقتصادية لدول خليجية التي في الأساس لا تملك العمر الزمني الكافي لتقييم هذه الرؤى على المدى البعيد، فهذا يعني انهيارًا حتميًا.

الحقيقة أن الوضع الحالي يحمل في طياته فقدانًا للكثير من المقومات التي كانت تشكل قوة مصر على مر العصور.

في ظل هذه الأوضاع.. هل يمكن أن يكون هناك أدب أو فن محايد سياسيًا؟

في أي ظرف مُشابه من المستحيل أن نبقى على الحياد، إما أن نكون مع أو ضد. والأدب والفن وغيرهما من الأنشطة الإنسانية ما هي إلا تعبير عن موقف. سواء في الأدب الكلاسيكي أو الحديث، فإن هذه الأعمال جميعها ما هي إلا انعكاس صادق للظروف المحيطة وتعبير عنها.

كيف ترين العلاقة بين الثقافة والسياسة؟

العلاقة بين النُخبة والشارع شبه مقطوعة حاليًا، نظرًا لغياب وسائل التواصل على كافة المستويات. ولا أتحدث هنا كنخبوية أو ذات انتماء سياسي محدد، ولكن كابنة لحقبة كان المجتمع يتثقف فيها بالفعل عبر التلفزيون والراديو، ومن خلال نشرات الطباعة التي قدمت لنا كل شيء، بدءًا من مجلات الأطفال مثل "سمير" و"ميكي" وصولًا إلى الأعمال الأدبية والفلسفية الكبرى. أما الآن، فهناك قطيعة مُبرمجة ومقصودة بين ما يسمى النخبة وبين الوسائل التي تنقل الوعي للناس.

نجد إعادة لنفس الكتب التي نشأنا عليها، دون أي إنتاج جديد يُلامس الواقع الحالي. والمحتوى المقدم فاقد الصلة بمشاكل الناس وقضاياهم.

حتى التلفزيون الرسمي يفرض على الناس خطابًا تقليديًا عفا عليه الزمن. توقف إعلامنا الرسمي عن تقديم محتوى يُشكل وعيًا حقيقيًا منذ السبعينيات، وبدلًا من ذلك، فتحت الباب أمام الفكر الغيبي والنميمة السطحية. وحتى الأعمال الفنية التي يمكن أن تكون ذات قيمة تُغيَّب وتُشوَّه باتهامات العمالة والخيانة.

كثرت الكتابات المليئة بالقهر. كيف نُقاوم القهر بالأدب؟

أفكر كثيرًا: هل مقاومة الإحباط الذي يُعاني منه الشارع المصري تستلزم التواطؤ؟ الإجابة تأتي من موقفي الراسخ تجاه دور الأدب والفن؛ حيث أؤمن بأن لكل كاتب مشروعه الذي يُعبر من خلاله عما يريد أن يكتبه ويشارك به. ورغم أن الأدب قد لا يكون قادرًا على تغيير الحالة العامة للأفضل، إلا أنه يظل وسيلة فعّالة لتشكيل الوعي ومواجهة الواقع.

"الأديب المُنحاز للناس والقضايا الكبرى، يستطيع نقل الوعي وإحداث تغيير في فهم الناس لما يدور حولهم".

الكاتبة والسياسية بهيجة حسين: علاقة النُخبة بالشارع المصري شبه مقطوعة - تصوير أحمد عادل
الكاتبة والسياسية بهيجة حسين: علاقة النُخبة بالشارع المصري شبه مقطوعة - تصوير أحمد عادل

ما هي الصعوبات التي واجهتها خلال مشواركِ الكتابي في نشر أعمال تتناول قضايا المرأة وحقوق الإنسان؟ وهل ما تزال هذه التحديات قائمة في ظل زيادة القيود؟

لم أتعرض للمنع مطلقًا، ربما كنت محظوظة، لكن كان الهدف دائمًا هو كيف نكتب ونوصل الرسالة. لكني الآن توقفت عن الكتابة، فالأجواء لم تعد مواتية للإبداع أو التعبير الحر.

أرى أن التحديات تتغير عبر الزمن، ففي الثمانينيات، عملت في جريدة "الأهالي"، حيث كان التعبير عن القضايا المجتمعية مسموحًا، لكن القيود على حرية التعبير الآن أصبحت أشبه بالـ "تدجين"، إما مواءمةً مع الوضع الراهن أو خوفًا منه. فالصحف التي يمكن أن تحتضن أصواتًا معارضة باتت غائبة، ما يجعل مجال الكتابة والنشر محدودًا بشكل كبير.

هل يمكن أن يؤثر هذا التضييق على مسار الحركة الثقافية وإنتاجاتها مستقبلًا؟

الوضع الراهن مُعادي للثقافة والمثقفين بشكل واضح، لكل الأجيال، والرقابة المشددة التي تمنع الأعمال الفنية والثقافية وتعرقل نشر الكتب المهمة، حتى لو كانت تناقش الاقتصاد، كما حدث مع الكاتب عبد الخالق فاروق الذي اعتُقل بسبب كتابه "هل مصر بلد فقير؟".

أرى أن تغييب الوعي المجتمعي ليس مُصادفة، بل هو عملية متعمدة تهدف إلى إبقاء الشعب منشغلًا بلقمة العيش والمعاناة اليومية. وترى أن الإفقار والتجهيل أدوات متعمدة لإبقاء المجتمع داخل دوامة من المشكلات دون حلول.

المحتوى الإعلامي المُتاح لا يسهم إلا في تجهيل الناس. برامج حوارية تخلو من نقاش جاد حول قضايا اقتصادية أو استثمارية أو مجالات حيوية أخرى، هي برامج موجهة لا تهدف إلا إلى تضليل الناس وإهانة وعيهم.

ولن نغفل ملف التعليم الذي تتجاوز مشكلاته المناهج الدراسية إلى أزمات أعمق تبدأ من فصول دراسية غير مؤهلة، وعدم وجود مُدرسين مؤهلين ومكتفين ماديًا واجتماعيًا. هناك تردٍّ في البنية التحتية للمدارس.

إلغاء مواد مهمة مثل التاريخ والجغرافيا والفلسفة من المناهج الدراسية إنما هي إجراءات تهدف إلى قطع الشعب عن تاريخه وجذوره الثقافية، لكن في المقابل نهتم ببناء البرج الأيقوني.

إن ما يحدث ليس مجرد قرارات عشوائية، بل هو مخطط واضح لإضعاف مصر وتبعية قرارها، وذلك ضمن رؤية أكبر لإعادة تقسيم المنطقة العربية.

متى نستفيق من غفلتنا؟ نستيقظ من نومنا يومًا لنسمع بقرار هدم مقبرة الكواكبي وأن فرنسا تُعلن نقل رفات طه حسين. لماذا يُراد محو تاريخ هذا البلد؟ يبدو أن هناك من يريد خلق صفحة بيضاء فارغة ليكتب عليها ما يشاء. وهذا، على ما يبدو، هو المخطط المقصود.

المرأة في مصر

بصفتك ناشطة وكاتبة، ما التحديات التي تواجهيها كامرأة " وكل امرأة" في المجال العام؟

نحن -النساء- نعيش حربًا غير معلنة، تُستهدف المرأة في وعيها ووجودها وكيانها. يظهر ذلك في تفاصيل الحياة اليومية، حين نستقل المواصلات العامة، على سبيل المثال، فنقرأ: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية"، ما يعكس هجومًا ممنهجًا علينا، في حين إذا قررت مثلًا وضع عبارة مثل "التعليم كالماء والهواء"، قد يؤدي إلى سجني.

يتم معاملة المرأة باعتبارها كيانًا، ويتم تصنيفنا ومحاربتنا حتى في أبسط حقوقنا، مثل تقلد المناصب العليا بشكل طبيعي وليس كمنحة أو فضل من أحد. فمثًلا، الدكتورة تهاني الجبالي، وصلت إلى منصبها في القضاء بقرار جمهوري، وليس عبر التدرج الطبيعي كما هو مفترض.

فضلًا عن الرسوم الكاريكاتيرية والمقالات الساخرة التي تستهدف النساء، مثل تلك التي تُظهر القاضية وهي حامل أو تلد أثناء العمل، لماذا يراها المجتمع أمرًا يستدعي السخرية؟

غير التصريحات التي تُبرر حرمان المرأة من العمل في بعض المناطق بحجة أن الأماكن غير مهيأة لها: "لماذا لا نعيد تهيئتها؟!".

بهيجة حسين: نحن -النساء- نعيش يوميًا حرب غير معلنة - تصوير أحمد عادل
بهيجة حسين: نحن -النساء- نعيش يوميًا حرب غير معلنة - تصوير أحمد عادل

العاملات في المجال العام يواجهن تشويهًا مضاعفًا مقارنة بالرجال، حيث يُتهمن بالخيانة والعمالة والعداء للوطن. قد يتعاطف المجتمع مع الرجل الذي يتعرض لهذه التهم، بينما المرأة: "ما تقعد في بيتها". هذا التمييز في التعامل يعكس "حربًا بلا رصاص" ضد النساء.

أقول دائمًا: أنا لست ناصرية، لكني ابنة تلك المرحلة. كنت أسمع في الراديو "يابنت بلدي زعيمنا قال قومي وجاهدي ويا الرجال"، وكان هذا جزءًا من المناخ العام.

لكن هذه النبرة بدأت في التراجع مع الانفتاح الاقتصادي وحكم السادات. أصبح التجهيل والتهميش هما السمة الغالبة، في ظل غياب أي مشروع وطني يعيد لمصر مكانتها وللمرأة دورها الطبيعي في القيادة والإبداع.

كيف يمكن للمرأة في المجال العام أن تتجاوز العقبات التي قد تواجهها وتثبت دورها الفاعل؟

بالكلمة، بالفضح، وبكل الوسائل المتاحة، حتى بمحاضر الشرطة، عملت في مجلة "المرأة الجديدة" وشاركت في تحقيقات صحفية عن الاغتصاب وأحكامه، والنسب، والمواريث، والقوانين التي تسمح بضرب النساء، وطبعًا السلطة التقديرية للقاضي بموجب المادة 17 من قانون العقوبات.

أذكر حادثًا غريبًا عن فتاة من طنطا، طالبة جامعية ومريضة قلب، اختطفها مجموعة من الشباب رغم توسلاتها لهم بأنها مريضة، ولم يهتموا، اغتصبوها حتى ماتت. فتم الحكم عليهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات فقط، مستفيدين من سلطة القاضي التقديرية.

تتعرض النساء في مصر للمخاطر اليومية في حياتهن، ففي بعض المناطق الريفية مثل المنيا كن يُعانين من انعدام أبسط احتياجات الإنسان، مثل عدم وجود دورات مياه في المنازل، ما اضطرهن لقضاء حاجتهن في الشارع، معرضات للاستباحة والانتهاك.

بالإضافة إلى العاملات الزراعيات اللاتي يتقاضين أجورًا أقل، ويواجهن عقوبات أشد مقارنة بالرجال، كما أنهن لا يلقين استجابة إذا تعرضن للتحرش، وهو مثال صارخ على الظلم الذي يعيشنه يوميًا.

لا أفهم اختزال معاناة النساء في "قضية" أو عنوان صغير. تفاصيل حياتنا اليومية تكشف عن حجم هذا الاضطهاد، سواء في حرمان النساء من التعليم، أو تهميش احتياجاتهن الأساسية، أو التعرض للعنف والتحرش، وبعد كل هذا يُطرح سؤال: "هم الستات عايزين إيه؟"، تُؤكد "عايزين آدميتنا"، حقنا في المشي في الشارع دون أن تُعامل أجسادهن كمادة للسخرية أو التهكم.

وفي المقابل يُبرز المجتمع صورًا سلبية عن النساء، بينما يتجاهل تسليط الضوء على ملايين النساء اللاتي يعيلن أسرهن أو يشاركن في إعالتها، في ظل ضغوط النوع الاجتماعي، والزواج المبكر، والعنف الأسري، وعنف الشارع.

كيف أثرت السنوات السابقة من التضييق على مسار تطور "الحراك النسوي"؟

الحركة النسوية أصبحت محصورة بين النخبة، حيث اقتصرت النقاشات على المجتمع النسوي والمنظمات النسوية ومكاتب المرأة داخل الأحزاب. المجال العام مغلق أمامنا، ونتحدث مع بعضنا البعض دون التمكن من الوصول إلى الجمهور الأوسع.

لم يعد بإمكاننا تنظيم فعاليات ميدانية مثل إقامة خيمة في الشارع، أو التحدث مباشرة مع الناس لتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم تجاه المرأة، مثل حقوق الزوجة والابنة، مثلما كنا نفعل سابقًا.

هناك أيضًا فئة من النساء يشكلن عائقًا أمام حقوق المرأة، فالقرارات التي تتعلق بالختان، أو الحرمان من التعليم، أو الزواج المبكر، هي قرارات تُتخذ من قبل الجدة أو النساء الأكبر سنًا في مناطق كالصعيد.

الحركة النسوية في مصر أصبحت محرومة من الوصول إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، ومستقبلها يواجه مزيدًا من التضييق إذا استمر هذا الحصار وعدم تمكينها من التفاعل مع المجتمع بشكل مباشر.

كيف ترين دور الناشطات المصريات اليوم في ظل التحديات الاجتماعية والسياسية؟

أؤمن بقانون التراكم، فالجهود المتواصلة ستُثمر في النهاية، فالسخونة في القضايا تؤدي إلى الغليان، ما يدفع إلى التغيير، خاصة مع الأدوات الجديدة التي تمتلكها المنظمات النسوية، بجانب التصعيد المستمر، ولا بد أن يُسفر عن نتائج إيجابية.

بهيحة حسين: المجال العام مغلق أمامنا ولن ننتظر قرارًا فوقيًا-تصوير أحمد عادل
بهيحة حسين: المجال العام مغلق أمامنا ولن ننتظر قرارًا فوقيًا
-تصوير أحمد عادل

وبفضل الحركة النسوية، هناك تطور ملحوظ في الوعي المجتمعي والقانوني منذ 2014، بسبب التوعية التي بدأت بشكل مؤطر منذ ما قبل 2011. وهذا التطور ساهم في نبذ التحرش والعنف لفترة، إلا أنه شهد تراجعًا لاحقًا نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية الشديدة على المجتمع المصري، ما أدى إلى انحسار الاهتمام بالقضايا النوعية.

كما أن التضييق الذي واجهته منظمات المجتمع المدني منذ 2020، شكّل ضربة كبيرة للجهود الحقوقية، فمواجهة اتهامات مثل العمالة والتخابر، واقتحام المقار وتهديد العاملين بها، وإغلاق مركز "النديم" مثلًا، الذي كان يقدم الدعم للنساء المعنفات، كلها أمور تؤدي للتراجع في الوعي المجتمعي تجاه قضايانا.

كما أن الضحايا يتعرضن لتشويه ممنهج باستخدام منطق الإخوان: "إيه اللي وداها هناك؟"، ما يعكس ارتباكًا عامًا، سواء في المنظمات الحقوقية أو في التعامل مع القضايا الكبرى مثل التحرش والاغتصاب.

لكن النسويات ما زلن يلعبن دورًا مهمًا في السعي نحو حياة أقل عنفًا وأكثر أمنًا للنساء، ويجب استخدام كافة الوسائل المتاحة، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، كأداة ضغط لها القدرة على تحقيق التغيير عبر تراكم الجهود. فالتغيير يحتاج إلى المثابرة، والضغوط لا ينبغي أن تكون عائقًا أمام استمرار الجهود النسوية والمجتمعية، بل دافعًا لاستمرار النضال من أجل تحقيق العدالة والمساواة.

ما هي العوائق التي تواجه المرأة المصرية لتحقيق التمكين الكامل؟

ترفع الدولة شعار التمكين، إلا أن الإجراءات المعقدة والبيروقراطية تقف عائقًا أمام تحقيق هذا التمكين بشكل فعلي. قد يُضطر النساء إلى الابتعاد عن الآليات المقدمة من الدولة بسبب الضمانات المالية المطلوبة، والتي قد تُعرضهن للخطر. إذا كنتُ مضطرة، فلن ألجأ إلى هذه الآليات لأنها غير مهيأة لتلبية احتياجات النساء بشكل آمن وفعّال.

تحقيق التمكين ليس مجرد شعار، بل ضرورة مُلحّة تتطلب إرادة سياسية وإجراءات واقعية تُمكّن النساء من تحقيق الاستقلال المالي والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.

استقلال المرأة اقتصاديًا هو الحل الحقيقي لتقدم المجتمع. تُعاني يوميًا لتلبية احتياجاتها واحتياجات أسرتها، ما يجعل دخلها مصدر الأمان الوحيد لها. لذا، فإن تمكين النساء يعد أولوية نظرًا لما تواجهه من تحديات مضاعفة.

ما هي الجوانب التي تعتقدين أنها لا تزال تحتاج إلى تطوير في دعم قضايا المرأة؟

أولًا، يجب أن تؤمن الدولة بأهمية النظر لقضايا المرأة على كافة الأصعدة، بدايةً من التعليم وقضايا الأحوال الشخصية والعمل، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بالتفاصيل التي تعاني منها المرأة، مثل التمييز في المواريث، وقضايا الختان والزواج المبكر. إلا أن الدولة لا تبدو مقتنعة بأن هناك قضية حقيقية بحاجة إلى الحل.

من الضروري أن تؤمن الدولة بحقوق المرأة وأن تضمن تنفيذها، مقابل ما تقدمه النساء لهذا الوطن. أكثر من 30% من الأسر المصرية تُعيلها نساء، بينما تشارك النساء في النسبة المتبقية. ومن هنا، يُعد تدريب رجال إنفاذ القانون على كيفية التعامل مع المرأة بنفس الاهتمام الذي يولونه لدورات حقوق الإنسان أمرًا حيويًا.

أما بالنسبة للحركات المدنية، ففي ظل المناخ السياسي الضيق الذي نعيشه، من المتوقع أن تظل الحركة النسوية بنفس الأداء، ولكن عليها تطوير أدواتها من خلال الإعلام البديل، الذي يتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الصحفية غير التابعة للدولة. هذا الإعلام قادر على الوصول إلى شريحة واسعة من الناس، رغم الظروف الحالية.

وعلى المستوى الشعبي، يجب ابتكار وسائل جديدة لانتزاع الحقوق، كما حدث في قضية حق أبناء الأم المصرية في الحصول على الجنسية. كان ذلك نتيجة للضغط المستمر من كافة الجهات وبجميع الطرق.

في الماضي، كانت هناك اعتصامات صغيرة أمام مجلس الشعب، لكن الوضع الآن أصبح أكثر صعوبة بالتأكيد. مع ذلك، فإن التجربة لا تزال مفيدة. يُعتقد أن توعية الناس قد تضر، لكن الحقيقة هي أن هذه التوعية تشكل خطوة هامة في الطريق نحو التغيير.

بهيجة حسين: على الدولة أن تؤمن بحقوق المرأة وأن تضمن تنفيذها-تصوير أحمد عادل
بهيجة حسين: على الدولة أن تؤمن بحقوق المرأة وأن تضمن تنفيذها
-تصوير أحمد عادل

السجينات في مصر

"مروة عرفة، نرمين حسين وعلياء عواد.. وغيرهن" كيف ترين وضع سجينات الرأي في مصر اليوم؟ وهل تعتقدين أن قضيتهن تحظى بالاهتمام الكافي من المجتمع ووسائل الإعلام؟

ألوم هنا على أبناء الجيل الحالي. زميلاتكم في السجون دون أن نعرف عنهن شيئًا. أنا امرأة مهتمة وأعمل في المجال العام، لكن أسماء هؤلاء النساء جديدة عليّ. يجب أن تهتموا أكثر بالتعريف بهن وبقضاياهن بجميع الوسائل المتاحة.

تسليط الضوء على قضايا سجناء الرأي عبر وسائل التواصل المتعددة ليس رفاهية. كنت سجينة رأي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وحين كان يتم القبض علينا، كان العالم ينهار، ولم تكن لدينا الوسائل التي تملكونها الآن للتواصل والانتشار.

أنتم كجيل اليوم مقصرون في حق زملائكم، ليس فقط في تذكر الأسماء، ولكن في كيفية تناول هذه القضايا.

أين التركيز على تاريخهم وعلى القضايا التي سُجنوا بسببها؟ في السابق، كنا نُحتجز في قسم خاص يسمى "جرائم الرأي"، وكان هناك عنبر مخصص لسجناء الرأي، ورغم الصعوبات، كانت تلك التجربة غنية من حيث ما شهدناه. أما اليوم، فالسجناء يتم سجنهم مع الجنائيين، وهو أمر غير مقبول.

من واجبكم أن تكونوا على دراية بكيفية الاعتقال، وظروف السجون، وهل يتم اتباع القوانين واللوائح المتعلقة بهم، وكيف يتم معاملتهم. هل يحصلون على كافة حقوقهم التي أقرها القانون والدستور والاتفاقيات الدولية؟ نحن لا نعرف، والعالم لا يعرف. يجب تسليط الضوء الكافي، لأننا اليوم لا نعرف شيئًا عنهم في الداخل.

رأيك في تطبيق سياسات مكافحة التحرش والتمييز في المؤسسات الصحفية والثقافية المصرية؟

الفاعل الأول في قضية التحرش والتمييز هي الضحية، ولن يتم تنفيذ سياسات فعّالة لمكافحة هذه الظواهر إلا إذا قامت النساء بالإبلاغ والمطالبة بالضغط لتطبيق سياسات تحظر التحرش والتمييز، وإذا لم تتخذ المؤسسة أي رد فعل أو لم تستجب للمطالب، يجب على الضحية اللجوء إلى النيابة. 

في القانون المصري، لم تكن هناك تعريفات واضحة حول التحرش بأنواعه المختلفة، وكنّا نعاني سنوات طويلة حيث كان الاغتصاب هو الجريمة الوحيدة المعترف بها. ولكن الآن، تمت إضافة تعريفات قانونية لأنواع التعدي والعقوبات المناسبة لها، ما يعطي النساء الحق في فرض حقهن بقوة القانون.

من الضروري أن تضغط النساء لتطبيق سياسات مكافحة التحرش في أماكن العمل، بما يضمن حقوقهن بشكل قانوني، يجب أن يكون الضغط مستمرًا وطويل النفس، مع الدفاع عن الحق، وضمان الحماية من المديرين ومن التعرض للإيقاف عن العمل أو التصيد لأخطاء غير حقيقية، من المهم أن تتوفر حماية قانونية فعّالة للنساء، مثل حماية الشهود، لضمان عدم تعرضهن لأي تمييز أو تهديد أثناء سعيهن للحصول على حقوقهن.

ما هي التحديات التي تواجه النساء العاملات في هذه المؤسسات وكيف يمكن تحسين البيئة المهنية لضمان حماية حقوقهن؟

في المؤسسات الخاصة، هناك فرصة أكبر للتغاضي عن تطبيق القوانين، حيث يعمل قطاع كبير من الناس، وخاصة عاملات المنازل، دون عقود موثقة.

لذلك، يجب أولًا زيادة وعي النساء، فهن "أصحاب المصلحة" في هذه القضايا، وهن من يجب أن يضغطن من أجل الحصول على بيئة عمل آمنة.

ومن الضروري أن تعرف النساء حقوقهن بشكل جيد، لأن إصرار النساء على حقوقهن يضمن سلامة التعامل معهن، ويؤكد أنهن لن يتنازلن عن حقهن أبدًا.

الحياة مليئة بالتحديات، والضغط الاجتماعي قد يكون كبيرًا، لكن الحق يتطلب أصحاب نفس طويل، الذين لا يتراجعون عن المطالبة بحقوقهن مهما كانت الظروف.

الحوار الوطني 

نذهب إلى الملف السياسي.. كيف تقيمين الحوار الوطني؟ وهل كان على المعارضة المشاركة أم التجاهل؟

شاركنا في الحوار الوطني تحت اسم "الحركة المدنية الديمقراطية"، وذلك بعد أن تم الضغط على النظام من الخارج بسبب قضايا حقوق الإنسان وقضايا سجناء الرأي، لذا، اقترح النظام هذا الحوار، وكان قرار التحالف هو المشاركة، لكن مشاركتنا توقفت عند المرحلة الأولى، بعدما تقدمنا بدراسات هامة في ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والقضايا السياسية.

وفي رأيي، كانت هذه فرصة جيدة لإعداد مثل هذه الدراسات، ويمكن اعتبارها نجاحًا جانبيًا هامًا، بأن تقدم الحركة المدنية تحليلًا مدروسًا حول كل القطاعات، ما يُعد خطوة هامة نحو إيجاد وسائل وطرق فعالة لتحقيق تغييرات ملموسة.

لكن أثناء المرحلة الأولى، ظلت وتيرة الاعتقالات، وبيع أصول ومقدرات الدولة كما هي، بالإضافة إلى العبث في منظومة التعليم، وهذا التوجه أشار إلى أن النظام كان يحاول استخدام الحوار كعنوان لصندوق النقد الدولي، دون أن يكون هناك تغييرات حقيقية على الأرض. وهذا الجو اللامع لم يكن سوى استخدام سطحي لتواجدنا، وبناءً عليه قررنا الانسحاب من الحوار الوطني.

وفي رأيي الشخصي، لم يكن من الضروري المشاركة منذ البداية، وقد تأكدت من هذا الأمر بعد التجربة التي مررنا بها.

البرلمان ووضع المرأة

كيف تقيمين دور البرلمان الحالي؟

الحقيقة أنني لا أشعر أن هناك برلمانًا في مصر، فما هو دور البرلمان؟ أولًا، قرروا عدم إعلان الجلسات، وثانيًا، لا نعرف ما يتم تقديمه من استجوابات أو طلبات إحاطة، وكأنه عمل سري لا علاقة له بالشعب.

ليس هناك أية آلية من آليات الرقابة، ولا نملك وسائل معارضة للقوانين أو المشاريع أو ما يتم تناوله في هذا البرلمان. والأغلبية من أحزاب "مستقبل وطن" و"حماة وطن"، حتى أصبح البرلمان أشبه بالمؤسسة الحكومية التي تجتمع فيها الأحزاب المؤيدة والمناصرة ورجال الحكومة، ليتوافقوا على ما تقدمه الحكومة والنظام، دون وجود معارضة فعّالة أو حوار حقيقي.

بهيجة حسين: البرلمان الحالي موالِ ولن يكون له دور حقيقي على الأرض-تصوير أحمد عادل
بهيجة حسين: البرلمان الحالي موالِ ولن يكون له دور حقيقي على الأرض
-تصوير أحمد عادل

هل توجد معارضة فعلية أم أنها مجرد معارضة ديكورية؟ ومن المسؤول عن تعطيل عمل البرلمان؟

لا، لم يُعطل أحد عمل البرلمان، بل تم اختياره بناءً على آليات مشابهة لتلك التي كانت تستخدمها جماعة الإخوان. صحيح أن البرلمان جاء عبر الانتخابات، ولكن بنفس الأساليب التي كان ينجح بها الإخوان.

وتحول مفهوم المجتمع المدني إلى جمعيات خيرية فقط، ولم يعد يشمل النقابات والأحزاب والجمعيات التي تناقش القضايا الوطنية. حتى الإعانات التي توجهت لغزة، ومكتوب عليها "مستقبل وطن"، وهو أمر لم يجرؤ عليه الحزب الوطني سابقًا.

منظومة سلطوية تم فرضها داخل مبنى مجلس الشعب، ما جعل البرلمان يفقد دوره الحقيقي كأداة للمحاسبة والنقاش المفتوح حول القضايا المهمة.

هل هناك مستقبل للدور البرلماني للمرأة يكون منحازًا لقضاياها بشكل صريح؟

هذا البرلمان، بكل الأفراد الموجودين فيه، لن يكون له أي دور حقيقي. كمرأة مصرية، أطالب بنائب أو نائبة يعرفون احتياجاتي، في كل تفاصيل الحياة اليومية لكل الطبقات على حدة. لكل منا مشكلاتها الخاصة، ونحن ننتظر هذا التمثيل الذي لم نحظَ به حتى الآن.

لم نشهد برلمانًا يطرح شعارات خارج ما تطرحه الدولة من شعارات، ويتم التعامل معنا بصفتنا أقليات، وليس كمواطنين كاملين.

نحن مثل الشباب والأقباط، فلماذا لا يتم التعامل معنا كمواطنين على قدم المساواة؟ المسيحي مواطن، والمرأة أيضًا مواطنة.

متى يترك النظام الميادين مفتوحة في الانتخابات لطرح البرامج، وأختار من يمثلني ويعبر عن احتياجاتي؟ لأن فكرة الكوتة تضرب أساس المواطنة وتضعف فكرة التمثيل الحقيقي لمصالحنا.

كيف تقيمين تجاهل البرلمان لإصدار قانون مفوضية مكافحة التمييز رغم الإجماع الذي يحظى به؟

إذا تم فرض "مفوضية التمييز" من قبل صندوق النقد الدولي أو لجان الأمم المتحدة، فسيتم مناقشتها. ولكن، لا يوجد في القاعدة الفكرية لدى نواب الشعب، إلا قليلاً منهم، رؤية أو قناعة فكرية بضرورة مناقشة هذا الموضوع، رغم الإجماع عليه. هؤلاء النواب يمثلون أصوات النظام وليس الشعب، ما يضعف أي إمكانية لتحقيق تغييرات حقيقية.

هناك رفض مجتمعي لمشروع قانون الاجراءات الجنائية ورغم ذلك تم تمريره من حيث المبدأ.. كيف ترين ذلك؟

لم أتابع عن كثب تطورات هذا القانون، لكن هناك قوانين يجب تعديلها مثل حق النشر وتداول المعلومات. هناك حاجة لتعديلات، فمن حقي كمواطن الحصول على المعلومات، ولذا يجب النص على حرية تداول المعلومات وتجريم من يحجبها.

وفيما يخص العنف المنزلي ضد المرأة، كثيرًا ما يُقال "بلاش فضايح، البيوت أسرار"، ولكن لا بد من مواجهة هذه القضايا علنًا. كما يجب إلغاء المادة 60 من قانون العقوبات، فإذا أبلغت الضحية عن عدم موافقتها، يجب احترام هذا البلاغ.

هناك أيضًا مشكلة في إنفاذ القانون، مثل حالات التعذيب في أقسام الشرطة. مع احترامي للقضاء المصري، فإن السلطة التقديرية للقاضي، حتى لو كانت في صالح الضحية، تظل قائمة على تقدير إنساني، ما قد يؤدي إلى اختلالات في تطبيق العدالة.

فعلى سبيل المثال، القاضي العظيم حكيم منير صليب الذي حكم في انتفاضة الخبز 18 و19 يناير، كان منطوقه مثابة قصيدة شعر تُدافع عن حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي وحقه في ثروات بلاده، بينما قام قاضٍ آخر بتفريق الدكتور نصر حامد أبو زيد عن زوجته.

الأحزاب السياسية

برأيكِ، لماذا يفتقر الشارع المصري للحركات السياسية والأحزاب الفاعلة التي تُعبر عن احتياجات المجتمع وتطلعاته؟

إن اختفاء الأحزاب السياسية في مصر منذ عقود طويلة لا يمكن إنكاره، وهو أمر بدأ منذ ثورة 1952، عندما تم حل الأحزاب السياسية.

وعلى الرغم من أن هذه الأحزاب قد تباينت في توجهاتها، إلا أنها كانت موجودة وتمارس دورًا في الشارع المصري، وكانت تشارك في الحراك السياسي. ومع ذلك، فإن المنع التام لممارسة السياسة في المجال العام لا يؤثر فقط على المواطن المصري، بل يؤثر أيضًا على المستقبل.

بدون فتح المجال السياسي للأحزاب، بأي توجه كانت باستثناء الأحزاب الدينية، لن يكون هناك مستقبل حقيقي، خاصة أن الأحزاب الإسلامية تجد مساحة للعمل تحت الطاولة في مفاصل الدولة، ما يجعلهم الأكثر حضورًا.

ولذا، فإن فتح المجال العام أصبح أمرًا ضروريًا، لأنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإننا في غضون عشر سنوات قد نُواجه فوضى مطلقة نتيجة ضغط الحياة وكبت الحريات، فضلًا عن التوسع في الاعتقالات والإدانات ضد المواطنين.

كيف تؤثر قلة هذه الحركات على قدرة المواطنين على المشاركة السياسية والتعبير عن آرائهم؟

تراجع دور الأحزاب في الشارع المصري تدريجيًا بعد 2011، ليختفي تقريبًا منذ عام 2013، ليحل محله السكوت التام في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة. يخلق هذا السكوت بيئة سياسية غير واضحة، وتفسير هذا الوضع ليس سهلًا.

كيف يمكن إعادة مثل هذا النشاط إلى الشارع المصري؟

ألا ننتظر قرارًا فوقيًا، فليس من المتوقع أن يأتي النظام ويفتح لنا المجال للعمل السياسي بمحض إرادته، وقد اختبرنا ذلك من قبل عندما طُرح الحوار الوطني.

لكن يجب على الأحزاب أن تؤمن أولًا بأن الثمن أغلى مما تتخيل، وأن تنتزع هذا الحق مرةً ثانيةً من خلال النضال المستمر، ويمكن أن يكون العمل الجماعي بين الأحزاب، الذي يتبنى القواسم الفكرية والجماهيرية المشتركة، أداةً مفيدةً في هذا الاتجاه.

فرغم أن عدد الأحزاب قليل وإمكاناتنا المادية شديدة المحدودية، يجب أن تتعاون الأحزاب مع بعضها البعض لتطوير حلول استراتيجية للنزول إلى الشارع مجددًا. وفي الواقع، ظهرت بعض بوادر هذا التعاون في اللقاءات التي تم تنظيمها، لكن ما زال النشاط السياسي محدودًا.

على سبيل المثال، اللجنة الشعبية للعدالة الاجتماعية التي تأسست في أغسطس الماضي، وهي عبارة عن مجموعة من الأحزاب التي تضم التيارات الناصرية، الشيوعية، الاشتراكية، والتحالف الشعبي الاشتراكي وحزب الكرامة.

تطرح مفاهيم وأفكارًا تتعلق بالعدالة الاجتماعية، وتؤكد على أهمية توحيد القوى الوطنية في مواجهة التحديات. ففي الفترة من 2013 إلى 2017، شهدت الحياة العامة في مصر حالة من الخمول، لذا كان من المهم إعادة إحياء اللجنة الشعبية كي تستكمل دورها.

ولعل هذا الدور يرتكز على ضرورة توحد الأحزاب الوطنية في كيانات جماعية لخوض المعركة السياسية والاجتماعية. ورغم الصعوبات المتوقعة من مضايقات ومواجهات، إلا أن هذه المعركة لها ثمن كبير يجب علينا دفعه.

برأيك، كيف يمكن تحسين وضع حقوق الإنسان في مصر بما يتماشى مع المعايير الدولية؟ هل للمجتمع المدني دور في صياغة منظومة التشريعات لحماية حقوق المواطنين أم أصبح هذا الأمر من الماضي بسبب التضييق الأمني على دور المجتمع؟

سيظل للمجتمع المدني دور دائمًا، ويستمر هذا الدور في طرح التشريعات التي تُساهم في تحسين الحياة وتطويرها وفقًا للقوانين. وهذا الدور لن يتوقف، حتى في المجتمعات التي لا تُعاني مثلنا، فهم يحتاجون لمجتمع مدني حقيقي وفعال. ويجب أن يكون دائمًا يقظًا وواعيًا، مراقبًا للمجتمع، وحاضرًا بمفكريه ومتخصصيه لدراسة القضايا، وطرح التشريعات، ومواجهة التحديات. لكن السؤال الأهم هو: من سيستجيب؟

بالطبع، ليس لدي أمل في أن تستجيب الأنظمة الحاكمة بسهولة. ولا بد من معركة كبرى، وسنضطر لدفع ثمنها بكل الطرق، من خلال الضغط الشعبي المتواصل، ونحن نحتاج إلى هذا الضغط، لأننا حين نتوجه إلى الشعب في ظل هذا المنع، سندفع الثمن، طالما قررنا التوجه للناس.

في رأيك، ما هي القضايا التي تعتقدين أنها الأكثر إلحاحًا على الساحة؟

أنا مؤمنة أنه لا توجد أولوية واحدة يجب التحرك وفقًا لها، بل يجب التحرك بالتوازي. فعندما أتحدث عن الحبس الاحتياطي، وأنا أمام هذا العدد الكبير من المعتقلين الذين يقضون خمس سنوات من حياتهم في الحبس الاحتياطي فقط، فهذا أمر لا يمكن تصوره أو قبوله، ويجب أن نضغط من أجل تغييره.

وعلى المستوى الآخر، هناك فئة من الناس لا تجد ما تأكله أو ما تعيش به، ولا تملك حتى الأمل في المستقبل، والشريحة العليا من الطبقة المتوسطة تعاني من انتهاك حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، ويجب الضغط في هذا الاتجاه أيضًا، بالتوازي مع قضية الحبس الاحتياطي والعنف ضد المرأة.

أصبحنا الآن نسمع عن جرائم جديدة تتعلق بثقافة المجتمع المصري، جرائم نسمع عنها لأول مرة، مثل جرائم الفيديوهات التي يظهر فيها شخص يعذب البنات، أو حالات العنف التي يمارسها الآباء والأمهات ضد أطفالهم، خصوصًا البنات، إلى حد الموت.

لكل ذلك، يجب أن تُطرح جميع هذه القضايا بالتوازي، فالمجتمع كأنه صحيفة كبيرة تحتوي على أقسام متعددة، كل قسم يحتاج إلى ضغط مستمر. فأنا لا أصطدم بين القضايا، ولا أُفضّل قضية على أخرى، بل أوازن بين جميع القضايا وأطرحها بنفس القوة والاهتمام.

ما هو تقييمك للتغيرات الاجتماعية في مصر خلال العقدين الماضيين، خاصة فيما يتعلق بالمجال الثقافي؟

أريد أن أوضح أن الحديث لا يقتصر فقط على العشرين عامًا الماضية، بل يشمل أيضًا الأربعين أو الخمسين عامًا الماضية. هناك تدهور واضح في الحالة الثقافية في مصر، حيث شهدت النوافذ التي كان المجتمع يطل منها على الثقافة تحولات كبيرة.

في الماضي، كان هناك العديد من المؤسسات الثقافية المتاحة للناس، مثل بيوت وقصور الثقافة، بالإضافة إلى فرق المسرح مثل فرقة مسرح "روزا يوسف" التي كان الشاعر الكبير فؤاد حداد يكتب لها. وكان لدينا أيضًا فريق التمثيل "النصر للسيارات" التي خرج منها فنانين مميزين مثل سيد رجب.

لكن مع مرور الوقت، شهدنا تغيرات اجتماعية كبيرة أثرت على هذه المساحات، وبدأت اللغة المستخدمة في المجتمع تتغير بشكل ملحوظ، وهذا التغير ليس فقط مرتبطًا بالتطورات الاجتماعية بل أيضًا بتغيرات ثقافية في المجتمع بشكل عام.

في الماضي، كانت هذه المؤسسات جزءًا من مشروع تنموي تسعى الدولة لتحقيقه، خاصة في عهد الناصرية. ثم جاء مشروع السادات والانفتاح الاقتصادي الذي أدى إلى تبعية كاملة للولايات المتحدة، وهذا التوجه كان له تأثير سلبي كبير على الثقافة الوطنية. وبمرور الوقت، تحولت الكثير من هذه المؤسسات إلى بنايات خاوية من الثقافة والحياة على حد سواء.

حتى وصلنا إلى اليوم الذي نسمع فيه عن شائعات مثل بيع مسرح البالون أو هدم المسرح العائم. هذه المؤسسات التي كانت يومًا ما منارة للثقافة والفن أصبحت الآن هدفًا للانهيار أو البيع.

ومع هذه التغيرات، نجد أن هناك غيابًا شبه تام لأية مشاريع ثقافية حقيقية للدولة، فالحكومة المصرية اعتمدت على الاقتصاد الريعي بدلاً من الاقتصاد الإنتاجي، ما أضعف القدرة على إنتاج ثقافة حقيقية تتماشى مع تطلعات الشعب.

الأمر المؤسف هو أن هذا الوضع أفرز حالة من العزلة بين المثقفين والإعلام والمجتمع بشكل عام. الصحف والمجلات الأدبية، مثل صفحة "الخميس" في جريدة الجمهورية، التي كانت تستعرض الكتابات الأدبية وتساهم في تطوير الثقافة، اختفت أو ضعفت بشكل كبير.

وتراجعت الصحافة الأدبية بشكل عام، بينما تزايدت تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تُستخدم بشكل صحيح للترويج للثقافة بشكل هادف.

علاوة على ذلك، هناك محاولات لإعادة تشكيل الثقافة المصرية حسب "الذوق العام" السائد، الذي قد يتعارض مع الهوية الثقافية الأصيلة. على سبيل المثال، تُعرض أغاني وموسيقى حديثة تهيمن على الأذواق العامة، بينما تُغيب الأغاني الكلاسيكية والفنون التقليدية التي كانت تمثل فخرًا للمجتمع المصري. فنجد أن "الخلجنة" أصبحت سمة أساسية، ما أدى إلى إغفال التراث الموسيقي المصري الأصيل.

فبدلاً من الاحتفاء بتطورات مثل التي قام بها سيد درويش، نجد أن هناك محاولة لإعادة صياغة هذه الأعمال بما يتناسب مع معايير موسيقية جديدة، ما يؤدي إلى فقدان جوهر هذه الأعمال.

هذا الانهيار الثقافي لا يقتصر على الجانب الفني فقط، بل يمتد إلى المجالات الأدبية والتعليمية، ما يضع المجتمع في موقف صعب لمواصلة تقدمه الثقافي والفني.

الحركة الطلابية في مصر

في الفترة الأخيرة، رأينا بوادر حركة طلابية بالجامعات مع "طلاب من أجل فلسطين"، وكذلك رأينا تعاملًا أمنيًا عنيفًا معهم. كيف أسهمت مثل هذه القضايا في إحياء الوعي السياسي لدى الطلاب المصريين؟

أنا بنت الحركة الطلابية، وما حدث في الانتفاضة الثانية، وكذلك في غزو العراق، كان له تأثير عميق على الحركة الطلابية بعد السبعينات.

ففي الانتفاضة الثانية، كانت خروجًا واضحًا للحركة الطلابية، ورافقها غزو العراق، ما أثر بشكل كبير على الحركة الطلابية في ذلك الوقت. ورغم كل التحديات، فإن الأمل كان يظل قائمًا.

وتعلمنا أنه حتى إذا مرت عقود من الخمول، ما يزال هناك طلاب يحملون الهم الوطني، وإن كان عددهم قليلًا. هؤلاء الشباب قد لا يكون لديهم الوعي السياسي الكامل، ولكن لديهم الحس الوطني المطلوب.

أي نظام، مهما كانت قوته، لا يستطيع أن يغيب الوعي لدى الشعوب. وأنا متأكدة أنه لولا القمع الموجه ضد الشباب، لكانت هناك انتفاضات كبيرة داخل الجامعات، تفوق حتى ما يحدث في أوروبا وأمريكا. هذا هو الأمل، أن الشباب سيظل يحملون الأمل ويبذلون جهدهم من أجل القضية.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإنها لم تُسحب من تحت أقدامنا كمصريين، فهي قضية وطنية ونحن مرتبطون بها بالتاريخ والدم، ولن يتغير ذلك مع مرور الوقت.

بهيجة حسين: مصر تُعاني الآن حالة من التخلف ومحو للذاكرة الوطنية بشكل مُتعمد-تصوير أحمد عادل
بهيجة حسين: مصر تُعاني الآن حالة من التخلف ومحو للذاكرة الوطنية بشكل مُتعمد
-تصوير أحمد عادل

كيف تقيّمين تعامل السلطات مع هذه التحركات الطلابية، خاصة مع التقارير عن وقوع انتهاكات أمنية؟ برأيك، ما تأثير هذا التعامل على حرية التعبير لدى الطلاب؟

التعامل الأمني بهذا الشكل لن يتوقف، وقد شهدناه على مدار سنوات، بدءًا من السبعينات من القرن الماضي.

لكن ما نشهده الآن ليس مجرد قمع عادي، بل هو عنف وصل إلى حد منع لقاء طالب بطالب، وتطويق الجامعات. ورغم ذلك، تمكن الطلاب من تنظيم "طلاب من أجل فلسطين"، وهو ما يمثل الأمل الحقيقي.

هل يمكن للحركة الطلابية في مصر أن تكون مؤثرة وفاعلة في إحداث تغيير سياسي أو اجتماعي، أم أن هناك معوقات تمنعها من ذلك؟

نعم، نحن نستطيع، دائمًا نستطيع، ليس على المدى القريب، ولكن لن يستمر الوضع هكذا. هناك رسالة واضحة يبعث بها الطلاب لمصر أولًا ثم للعالم.

أولًا، رسالة الانتماء. في الحقيقة، نحن، الأجيال القديمة، اعتقدنا أنهم قد فقدوا الانتماء، لكن - على سبيل المثال - فكرة السفر التي تتمسك بها الأجيال الجديدة، ليست دليلًا على عدم الانتماء، ولكنها ناتجة عن الخوف واليأس، ومع ذلك، لا يمكن لشعب كامل أن يهاجر، ولا يمكن لشعب بكامله ألا يتفاعل مع قضاياه.

وهذا يفتح المجال لما يمكن أن يقدمه المجتمع المدني أو الحركات السياسية الأقدم، سواء الكبار أو الصغار، مع شباب الجامعات.

وهل هناك دور يمكن أن يلعبه المجتمع المدني لدعم حرية التعبير داخل الجامعات؟

من الضروري أن يصبحوا أكثر تنظيمًا وأن يستفيدوا من الخبرات المتاحة. ويجب أن يتوجه المجتمع المدني ككل إليهم لنقل الخبرات.

فكانت فترة السبعينات غنية بالخبرات، وهي من أكبر الفترات في التاريخ الحديث للحركة السياسية بشكل عام، ولذلك يجب نقل هذه الخبرات.

أنا أتصور أن هذا هو دورنا، وأننا يجب أن نتوجه إليهم، حتى لو كانت هناك صعوبة في التواصل. فالحركة المدنية ككل لم تسعَ بشكل كافٍ لتكون موجودة داخل الجامعات، لكنني أدعو للعمل الجاد. يجب أن نعمل مع شباب الجامعات بكل الطرق المتاحة.

كيف ترين مستقبل الحركة الطلابية في مصر وهل تعود مرة أخرى إلى الفترات الواضحة في مصر مثل السبعينيات وبداية الألفية؟

الحركة الطلابية الحالية يمكن أن تشبه حركة السبعينات، ولكن ليس بهدف إعادة التاريخ، لأن القضايا الآن مختلفة. ولكن، مثلما كان لدينا زخم في السبعينات، يجب أن تعود الحركة الطلابية لتستعيد قدرتها على متابعة القضايا والتصدي لها وتنظيمها.

يجب أن يكون التواصل فعالًا، وأن تتمكن الحركة من توصيل رسالتها إلى المجتمع المحيط بها والمجتمع الأكبر. هذا هو الأمل، أعتقد أن هذا هو الأمل.

القضية الفلسطينية

ما هو تقييمكِ للأداء الحكومي المصري فيما يخص العدوان على غزة؟

رد فعل الضعيف الذي لا يملك قراره.

ويظهر ذلك جليًا تجاه القضية الفلسطينية وما يحدث في غزة، موقفًا هزيلًا ومهينًا للكرامة المصرية وللمكانة الكبيرة التي تتمتع بها مصر على المستوى الإقليمي والدولي.

فلسطين بالنسبة لمصر هي عمق استراتيجي لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته. وعندما تتخذ مصر موقفًا حاسمًا فإن ذلك ليس تفضلًا، بل هو واجب لها لحماية حدودها وأمنها، وحفاظًا على تاريخها ومستقبلها.

كان من الأفضل أن تتخذ مصر مواقف أكثر حسمًا، مثل سحب السفير من إسرائيل أو اتخاذ إجراءات مماثلة تدل على قوة الموقف المصري، وهذا ما فعلته إسرائيل حين سحبت سفيرها من مصر خوفًا من ردود الفعل الشعبية والمظاهرات، ما يدل على أن الضغوط الشعبية قد تجبر الدول على اتخاذ قرارات حاسمة.

أما بالنسبة للوضع في السودان، فإن مصر، للأسف، لا تملك رؤية سياسية استراتيجية لإعادة صياغة علاقتها بالشعب السوداني أو أطراف النزاع هناك، ما يحدث في السودان يجب أن يكون موضع اهتمام كبير من مصر، باعتباره عمقًا استراتيجيًا آخر لا يمكن تجاهله.

ولكن، الحقيقة مصر لا تمتلك إرادة حقيقية للتدخل أو للمساعدة في حل النزاع السوداني، وهو ما يظهر في موقفها الضعيف في التعامل مع الأزمات هناك، يُعاني السودان من كارثة إنسانية تتفاقم بشكل مستمر، والموقف المصري في هذا السياق كان ضعيفًا للغاية ولم يكن على مستوى المسؤولية التي تتطلبها هذه الأوضاع.

مستقبل مصر 

ما الذي تطمحين إلى رؤيته يتحقق في مصر خاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات؟

أحلم بدولة المواطنة الحقيقية، حيث يتمتع الجميع بحقوقهم المتساوية في إطار قانون عادل غير مفروض علينا بل يُوافق عليه كل المواطنين بحرية، قانون يضمن لي حقوقًا أساسية مثل الحق في التنقل، الحق في الاعتقاد، والحق في التعبير عن الرأي بحرية تامة.

أن يكون لي الحق في حياة كريمة، لكن لا أريد أن تقتصر هذه الكرامة على مجرد الحياة اليومية، بل على الحق في الاستفادة من ثروات بلادي، والمشاركة في تحديد كيفية إدارتها واستغلالها لصالح الجميع، فلا ينبغي أن يكون مقتصرًا على فئة معينة، بل يجب أن يكون حقًا لكل مواطن على حد سواء.

إن حقوق الإنسان هي حقوق أساسية، ولا تقتصر على حق التعبير عن الرأي فقط، بل تشمل جميع الجوانب التي تضمن الحياة اللائقة والمشاركة في بناء المستقبل، فالحلم بدولة المواطنة هو حلم بالعدالة والمساواة، حيث يكون لكل فرد صوت يساهم في تشكيل مجتمعه.

وهل هذا ممكن؟

الواقع قد يكون صعبًا، ولكن لا يوجد شيء مستحيل في الحياة.

لابد أن نؤمن بالأمل ونواصل السعي نحو التغيير، صحيح أن الظروف الحالية قد لا تُشير إلى حدوث ذلك في القريب العاجل، ولكن التغيير يبدأ دائمًا بخطوات صغيرة، وبإرادة جماعية.

وفي السنوات القريبة قد لا يتحقق كل شيء دفعة واحدة، ولكن مع استمرار العمل على تعزيز الوعي، وتفعيل دور المواطنين في المطالبة بحقوقهم، قد نجد بداية لتحقيق تلك الأهداف.

الحلم بدولة المواطنة والقانون العادل ليس بعيدًا، ولكنه يتطلب منا جميعًا الإيمان به والعمل المستمر لتحقيقه.

هل المستقبل المصري يوحي بإمكانية أن نحظى برئيسة للجمهورية يومًا ما؟

في الحقيقة، لا يمكن أن يحدث في ظل الظروف الحالية، مصر تُعاني الآن حالة من التخلف ومحو للذاكرة الوطنية بشكل مُتعمد، خاصة بعد إلغاء أقسام التاريخ والفلسفة والجغرافيا، محو التاريخ مقصود.

ففي تاريخنا حكمت حتشبسوت البلاد، وقادت نفرتيتي زوجها إخناتون في مواجهة الكهنة أثناء محاولته تأسيس ديانة جديدة، ولكن في الوقت الحالي، يبدو مستحيلًا أن تحكم امرأة مصر، إلا إذا استعدنا مكانتنا ووجودنا وقيمتنا الحقيقية.

ختامًا.. إلى أين تتجه مصر؟

إلى مزيد من الفقد.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة