الأزمة في مصر أن هناك مسؤولًا ما، يعتقد بأنه عبقري وحكيم فيلسوف، في كل موقع يحسب أنه أوتي علم الأولين والآخرين، وبوسعه وحده أن يقرر القرار الصحيح، من دون رجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة، فالشعار "نفِّذ الأمر" ولا تنبس ببنت شفة.
هذا المسؤول الذي نقصده ليس فردًا معينًا، لكنه فكرة سائدة، والمعلوم أن الفكرة لا تموت، وهو أمر مؤسف حين تكون تلك الفكرة فاسدة ومفسدة معًا.
المسؤول الخارق ذاك يبدو متحكمًا بوضوح في ملف الآثار والتجميل الحضري، فإذا به يشيع القبح هنا، ويصطنع الرداءة هناك، ويشوه الجميل هنالك، وكأنه من نسل التتر الذين لا يدخلون قرية إلا دمروها.
في جميع محافظات مصر، وتحت لافتة التطوير، تُقتلع أشجار وتغدو حدائق عامة أطلالًا تلوح كباقي الوشم، وتُهدم آثار لإقامة كوبري أو شق نفق، وحين يضج الرأي العام بالغضب، يخرج علينا هذا المسؤول أو ذاك، اسم النبي صاينه وحارسه، بابتسامته المخاطية اللزجة: "ليست مدرجة في قائمة الآثار"، ليسوغ الحماقة الشنعاء.
قبل نحو ثمانية أشهر سولت نفس المسؤول الخارق، وهي أمّارة بالسوء أو بالقبح، طرح ما قيل إنه مشروع قومي لكساء الهرم الأصغر بغية إعادة الشيء إلى أصله، وفق التسمية الرسمية، وهو المشروع الذي أطلق عليه منتقدون على سبيل السخرية والاستنكار معًا "المشروع القومي لتبليط الهرم".

وقتها قامت الدنيا ولم تقعد لوقف مهزلة الاعتداء على الأثر المصنف باعتباره أهم الشواهد الحضارية التاريخية على سطح الأرض، وأسفرت حالة الغضب في مفارقة غير متوقعة، عن استجابة رسمية من الدولة، إذ تشكلت لجنة علمية برئاسة الدكتور زاهي حواس، لدراسة المشروع وتقييم انعكاساته، حتى انتهت إلى توصية بوقفه فورًا.
بطبيعة الحال كان السؤال المركزي بعدئذٍ، لماذا لم تتأسس تلك اللجنة أولًا قبيل الإعلان عن النية في تنفيذ الخيبة القوية تحت بند التطوير؟
لكن وبطبيعة الحال في الجمهورية الجديدة، لا أحد يجيب أو يهمه أن يجيب فالشعار والمنهج وفلسفة اتخاذ القرار تقوم على مبدأ "بطلوا هري".
اقرأ أيضًا : المشروع القومي لـ"تبليط الهرم"
الهدم والتخريب تحت لافتة التطوير
وبعد وقف مشروع تبليط الهرم الأصغر، لم يتوقف المسؤول الخارق الجهبذ العلامة عن قراراته القبيحة، فإذا بقرار هدم جبانة باب النصر، وهدم قبة مسجد حليم باشا التي كانت صورها تدمي قلوب المصريين، ممن يرون تراث أسلافهم الذين طالما وقفوا يباهون به الأمم، يستحيل أمام عيونهم الكسيرة ركامًا كأنما تعرض لقصف جوي من الأعداء.

بأي منطق ما من دولة تعتدي على تاريخها بهذه الصورة الوحشية، التي نراها في مصر، وما من دولة تستصغر تاريخها فتهدم آثارها لإنشاء مرآب للسيارات.
النعيق هنا وهناك سواءً كان نعيق مسؤول، أو نعيق غراب من إعلاميي السامسونج بأن هذه فاتورة التطوير، لا يمكن أن يبرر الجريمة، ثم إن من قال إن التطوير يقوم على التنكر للأمس، والتعامل مع الآثار وفق مقولة "انسف حمامك القديم"؟
لماذا تُتخذ القرارات بشأن الآثار المصرية من دون دراسة علمية يتولاها المختصون؟
في دول بغير تاريخ، تحاط بيوت ترجع بالكثير إلى خمسينيات القرن الماضي، بأسوار حديدية ويقال إنها من شواهد الحضارة، وهو الأمر الذي يبدو مضحكًا للمصريين الذين ترك أسلافهم نحو رُبع آثار العالم شاهدةً على عراقتهم وأصالتهم.
قبل أيام شاهدنا بأعيننا عملية "تلميع أسود قصر النيل"، بما بدا أنه ورنيش أسود، والمبرر الجهول الغبي كان صيانتها.
مَن المسؤول الذي ارتكب هذه الجريمة؟

لا أحد يعرف، وأغلب الظن أن أحدًا لن يعرف، وكذلك لن يُحاسب أحد، فهذا "سِلو بلدنا".
المسؤول الخارق الجهبذ العلامة مطلق اليدين، يبرطع براحته ويرفس كالحمير كما يشاء، وقد نصحو من نومنا فنجد أنه اقترف جريمة أخرى، فنغضب ونحتقن ونسب ونشتم، قد لا تهتم الأوساط الرسمية بما نقول، فالاعتراض يؤخر مسيرة التشويه الحضاري، التي يراد منا أن نصدق أنها عملية تطوير ينبغي أن تُسجل بأحرف من نور في كتاب الإنجازات.
ترك الحبل على الغارب لمن لا يفهم ويظن أنه وحده الذي يفهم، سيؤدي إلى الإجهاز على ملامح العراقة المصرية، والقضاء على كل ما هو أصيل، لإقامة عمارات زجاجية قبيحة أو كباري أو جراجات سيارات مدفوعة الأجر، على أنقاضه.
وقف هذا العبث يقتضي على الفور اعتماد آليات حاسمة صارمة، لدراسة أي مشروع ذي علاقة بالطابع الحضري والعمراني، والالتزام بهذه الآليات بما لا يجعلها كالكثير من القوانين حبرًا على ورق.
هناك سرطان يسري في المدن المصرية العريقة، فإذا بخلاياها الحضارية تتآكل ذاتيًا، في حين لا يستطيع الممزقة قلوبهم كمدًا إلا الاعتراض بالتدوين على السوشيال ميديا، أو عبر مقال صحفي سيمط المسؤولون بوزهم استهزاءً به على الأرجح.
اقرأ أيضًا : "تصفير عمر مصر".. استمرار هدم المقابر الأثرية يثير غضبًا واسعًا
فضة المعداوي صاحبة الكلمة
كان الراحل أسامة أنور عكاشة رصد بواكير كارثة التشويه العمراني، باعتبارها عرضًا جانبيًا لسيادة الرأسمالية الجاهلة والبربرية عبر نموذج تاجرة السمك "فضة المعداوي"، في مسلسله الرشيق "الراية البيضاء"، في النصف الأخير من الثمانينات.
كانت تاجرة السمك تريد الاستيلاء على فيلا السفير مفيد أبو الغار، بشتى السبل المشروعة وغير المشروعة، لكن الرجل الذي يقدر المعنى من الأشياء، قد رفض باستماتة فانضم إليه نخبة من المثقفين الذين قرروا مقاومة القبح بكل ما في وسعهم.
المشهد الأخير من الحلقة الأخيرة، ينتهي باصطفاف المثقفين في مواجهة بلدوز يتقدم لهدم الفيلا، من دون أن يعرف المشاهد ما إذا كان الجمال سينتصر على القبح، أم أن القبح بما يملكه من قوة سيفرض كلمته.
أغلب الظن أن عكاشة أراد أن يقول إن القرار للناس، فإن هم سكتوا سيهزمهم القبيح، وإن هم قاوموا سينتصرون.
كثيرًا ما أفكر فيما إذا كانت الرقابة اليوم، يمكن أن تجيز عملًا بهذا المستوى من الاشتباك مع المبادئ المادية المتوحشة، بخاصة بعد أن أصبحت فضة المعداوي ليست مجرد تاجرة أسماك جاهلة بربرية، بل صارت أيضا سياسة رسمية.
لا يحتاج الأمر إلى تفكير، فمع ضيق مساحات التعبير عن الرأي إلى حدود غير مسبوقة، ليس ممكنًا إجازة مثل هذا العمل، ولربما رفع محامٍ مغمور قضية على السيناريست الراحل، يتهمه فيها بالتحريض على العنف والدعوة للتظاهر، وقد يصل الأمر إلى اتهامه بالانتماء لجماعة محظورة.
فضة المعداوي تمكنت بأكثر مما كانت قريحة عكاشة تتخيل، فلم تعد تكتفي بأن تعيث في الأرض فسادًا فحسب، بل غدت بالتوازي تلاحق معارضيها بقائمة اتهامات جاهزة معلبة، لإرغامهم على حبس أنفاسهم حتى ينهي البلدوزر مهمته.
مجددًا أن الأزمة الكبرى في مصر أن الذي لا يفهم في موقع المسؤولية، وهو على جهله وجاهليته وضلال سعيه يظن أنه يحسن صنعًا.
في روايته الموجزة والتي لا تزيد عن 120 صفحة يرصد نجيب محفوظ نموذج الفاشل المنفوش، والجاهل المتشدق بأنه يعرف وحده "العلم الحقيقي"، عبر شخصية جعفر الرواي الذي خرج عن طوع جده فتزوج راعية أغنام لكن الزيجة لم تستمر لأنه لا يتقن عملًا يتكسب منه.

بعدها تزوج الرواي من سيدة ثرية، فدرس القانون ثم اعتزل الناس ليكتب كتابًا يحتوي على فلسفته في الحياة، ولمَّا عرض الكتاب على صديق فأبدى انتقاداته لأفكاره المهترئة لم يتورع عن قتله، ليقضي عقوبة بالسجن يخرج بعدها مجنونًا يهذي في الشوارع.
هل كان محفوظ يعلم أن الرواي ذاك سيغدو مسؤولًا كبيرًا ذات يوم لكنه لن يكتفي بالهذيان اللفظي إذ ستكون قرارته التخريبية أيضًا كالهذيان؟
من المشروع القومي لتبليط الهرم الأصغر، مرورًا بهدم المقابر، وصولًا إلى دهان أسود قصر النيل بالأسود، تبدو حياتنا سوادًا في سواد، ولا نملك حتى الوقوف كما فعل السفير أبو الغار ورفاقه في وجه بلدوز فضة المعداوي، لأن هذا الوقوف السلمي في وجه القبح قد يعتبر عملًا إرهابيًا.
