30 مُسوِقًا للشقة الواحدة.. فوضى "بروكرز" تجتاح مصر

تزايدت في الفترة الأخيرة ظاهرة مكالمات التسويق العقاري العشوائية بشكل مفرط، حيث لم تأخذ هذه المكالمات بعين الاعتبار عمر العميل أو قدرته الشرائية. يأتي هذا نتيجة لزيادة عدد شركات "البروكرز" التي تعتمد عليها شركات العقارات في تصريف مخزونها من الوحدات، محاولين إغراء العملاء لشراء تلك الوحدات.

تلقى محمد عبدالحي، موظف البنك المتقاعد منذ خمس سنوات، مكالمة هاتفية على هاتفه المحمول، حيث عُرض عليه شراء فيلا في شرق القاهرة بسعر 6 ملايين جنيه، مع دفع مقدم 10% فقط والباقي على مدى عشر سنوات.

تتنافس شركات البروكرز على قوائم أسماء موظفي البنوك والنقابات، وتقوم بتوزيع هذه الأسماء على موظفيها الذين يتقاضون أجورهم من عمليات البيع، مما يدفعهم لمطاردة العملاء من خلال اتصالات مستمرة بهدف التسويق قبل المنافسين. ومن ينجح في جذب العميل يحصل على كامل العمولة.

يقول عبدالحيي، الذي يعيش على مدخراته القديمة، ولم يشتر ملابس جديدة منذ تقاعده بسبب انخفاض راتبه: "عمري 75 سنة، يعني ممكن أموت في أي لحظة. يريدون إقناعي بالاستثمار وشراء فيلا يتوجب علي سداد ثمنها على عشر سنوات، مما يعني أنني سأكون في سن 85 عند انتهاء الأقساط."

في ظل ارتفاع أسعار الوحدات السكنية في مصر، لجأت الشركات العقارية إلى الاستعانة بالبروكرز، وهي شركات تسويق تتولى بيع الوحدات مقابل عمولة بنسبة مئوية من السعر الإجمالي.

كما لا ينكر المطورون الكبار وجود فوضى في سوق البروكرز حاليًا، حيث تتم العلاقات بينهم وبين شركات التطوير عبر عقود مؤقتة. وقد تعاقدت بعض شركات التطوير العقاري مع نحو 100 بروكر لتسويق مشروعاتها.

ويضيف المطور، في تصريح لـ"فكر تاني"، أن بعض المطورين قد يتعاقدون مع شركة تسويق واحدة، التي بدورها تتعاون مع عشرات البروكرز من الباطن، مما يؤدي إلى تلقي العميل العديد من المكالمات بشأن وحدة سكنية واحدة.

البروكرز من الدِلالة إلى رابطات العنق

تُعتبر مهنة "البروكرز" في مصر تطورًا حديثًا لمهنة الدِلالة، التي تعود جذورها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ففي 17 فبراير 1858، صدرت لائحة "الدِلالة" لتنظيم العمل في مجال دلالة العقارات، حيث وضعت شروطًا للانضمام إلى هذه الطائفة، متضمنة تعريفًا لها وشعارًا معدنيًا يتم تعليقه في الرقبة، كما ورد في كتاب "طوائف المهن التجارية في مصر.. للفترة من 1840-1914".

العاصمة الإدارية (أرشيفية - وكالات)
العاصمة الإدارية (أرشيفية - وكالات)

وتضمنت اللائحة جميع الأمور المتعلقة بالدلالة، بما في ذلك تقسيم العمل، والمشاركة في الأتعاب، وتحديد المهام. كما وضعت تقاليد تتضمن سلطة تأديبية واسعة على جميع أفرادها، وعوائد المهنة، وحل الخلافات بين الزبائن والدلالين. بالإضافة إلى ذلك، تم وضع ميثاق شرف يُقسم عليه كل من ينضم إلى المهنة.

وبعد عقود من الزمن، تغير اسم هذه المهنة إلى "السمسار"، الذي كان غالبًا ما يرتدي جلبابًا ويجلس في مقهى معين، ويعمل كحلقة وصل بين البائع والمشتري مقابل عمولة يتم الاتفاق عليها. وغالبًا ما كانت العمولة تقدر بشهر من قيمة الإيجار أو ألفي جنيه من البائع والمشتري في حال التمليك.

وتطورت المهنة بشكل ملحوظ، حيث بدأت تأخذ شكل مكاتب تسويق عقاري صغيرة توظف شخصين أو ثلاثة، مع فرض مقابل لــ "الفُرجة" عند زيارة السمسار لأكثر من وحدة سكنية، بغض النظر عن الشراء.

وقبل نحو 10 سنوات، شهدت مهنة السمسرة تحولًا إلى "بروكرز" مع ظهور شركات فخمة تضم موظفين يرتدون الملابس الرسمية، متخصصين في التسويق التقليدي والإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويُعزى هذا التحول إلى تنامي الشركات الخليجية العاملة في السوق المصرية، مما أضاف بُعدًا جديدًا لهذه المهنة.

لماذا تلجأ الشركات للبروكرز؟

تزايدت شركات البروكرز بشكل ملحوظ مع نمو القطاع العقاري في مصر، الذي ساهم في تأسيس عشرات الشركات الجديدة التي لا تمتلك إدارات متخصصة للتسويق. تسعى هذه الشركات لتسويق مشروعاتها بسرعة لتلبية التزاماتها المالية.

تعتمد شركات التطوير العقاري بشكل أساسي على البروكرز في التسويق، حيث تتراوح نسبتهم من إجمالي مبيعات الشركات بين 30 و70%.

هذا الاعتماد المتزايد على البروكرز ساهم في رفع العمولة التي يحصلون عليها من 2.5% إلى متوسط 7.5% في بعض المشروعات، خاصة تلك التي تعاني من ضعف الطلب أو التي تواجه التزامات كبيرة للبنوك.

ونتيجة لزيادة الطلب على البروكرز، أصدرت الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات إجراءات تنظيمية تتعلق بالمكالمات الترويجية، بهدف حماية خصوصية المواطنين ومنع المكالمات المزعجة المخالفة للقوانين.

وقد فرضت الهيئة غرامة قدرها 20 مليون جنيه على شركة ماونتن فيو بسبب إجرائها مكالمات ترويجية مخالفة، بينما تم التوصل إلى اتفاق للتصالح مع الشركة بعد توفيق أوضاعها.

ورغم هذه الغرامات، واصل البروكرز حملاتهم للتواصل مع العملاء المحتملين، مستهدفين الأفراد ذوي القدرة المالية، مثل أعضاء النقابات ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات.

اقرأ أيضًا: لماذا تخلى المصريون عن "نصف دينهم"؟

وتروي هالة عبدالله، مدرس مساعد بإحدى الكليات الخاصة، موقفًا طريفًا عندما تلقت اتصالًا من بروكر يعرض عليها شقة في الساحل الشمالي بـ 8 ملايين جنيه، لترد عليه بعبارة توضح الفجوة بين راتبها وبين سعر الشقة، مما أدى إلى إنهاء المكالمة بسرعة.

وتكررت مثل هذه الاتصالات مع مواطنين يبحثون عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، مثل شراء كيلو لحمة بـ 400 جنيه أو الحصول على سلفة قدرها 300 جنيه، مما جعل البروكرز عرضة للتنمر والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة.

المطورون يعترفون بفوضى البروكرز

قال المهندس فتح الله فوزي، رئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن سوق البروكرز في مصر يعاني من فوضى كبيرة تستدعي ضرورة التدخل لوضع ضوابط قوية ونظام يحمي كلا من العملاء والمطورين.

وأكد فوزي أن المطورين يتعرضون لضرر كبير نتيجة لهذه الممارسات.

المهندس فتح الله فوزي
المهندس فتح الله فوزيالمهندس فتح الله فوزي

وأشار فوزي إلى أن التسويق المفرط لوحدات سكنية معينة يثير شكوكا لدى العملاء، حتى في حال كانت لديهم الرغبة الجادة في الشراء.

وعزا ذلك إلى وجود مشكلات مالية قد تعاني منها الشركات المالكة للمشروعات، مما يجعلها تسعى بأي وسيلة لبيع الوحدات السكنية، وهو ما قد يؤثر سلبًا على ثقة العملاء.

وأضاف فوزي أن "البروكرز" أصبحوا يشكلون مشكلة في السوق العقارية، حيث يتعاملون على وحدة سكنية واحدة قد يصل عددهم لأكثر من 30 شخصًا.

وهذا الأمر يدل على وجود فوضى وافتقار للنظام، مما يزيد من تعقيد عملية الشراء بالنسبة للعملاء ويعزز من المخاطر التي قد يتعرضون لها.

وتأتي تصريحات فوزي لتبرز أهمية وضع إطار تنظيمي يحكم عمل البروكرز، مما يسهم في تعزيز ثقة العملاء والمطورين على حد سواء، ويضمن عدم تفشي الفوضى في سوق العقارات المصرية.

أسواق إقليمية تضبط سوق البروكرز

تقول أمل محمد، مواطنة مصرية تعيش في الإمارات، إن تنظيم سوق البروكرز أمر ممكن، كما حدث في الإمارات التي اشترطت أن يكون لكل شركة تسويق عقاري رقم هاتف خاص مرخص من الدولة، ويمنع عليها استخدام هاتفها الشخصي. كما يُسمح للشركة بإجراء مكالمة واحدة فقط مع العميل، حتى إذا لم يرد، مما يمنع الاتصال المتكرر.

وأقرت الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات مؤخرًا قواعد تنظيمية لاستخدام خطوط المحمول في المكالمات الترويجية والتجارية، تهدف إلى تقديم هذه الخدمات بشكل قانوني دون الإخلال بخصوصية المواطنين أو إزعاجهم. تتيح هذه القواعد للمواطنين معرفة اسم الجهة المتصلة ورقمها، أو الحصول على تحذير مسبق بأن المكالمة ترويجية، مما يمنحهم حرية الاختيار في الرد أو تجاهل المكالمات.

أقرت الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات مؤخرًا قواعد تنظيمية لاستخدام خطوط المحمول في المكالمات الترويجية والتجارية (الصورة وكالات)
أقرت الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات مؤخرًا قواعد تنظيمية لاستخدام خطوط المحمول في المكالمات الترويجية والتجارية (الصورة وكالات)

وفي حال تلقى المواطنين مكالمات ترويجية مجهولة المصدر، يحق لهم الإبلاغ عن رقم المتصل، وسيتم اتخاذ إجراءات قانونية ضد المتصلين الذين لم يسجلوا لدى شركات المحمول.

تشير أمل إلى ضرورة تحديد مواعيد عمل واضحة للتسويق، بحيث يكون من الصباح حتى العصر فقط، وتحظر إرسال أي رسائل عبر واتساب دون موافقة العميل. كما تدعو إلى إنشاء جهات رقابية للإبلاغ الفوري عن أي مضايقات يتعرض لها العملاء، مع إلزام شركات التسويق بالتوقيع على تعهدات تتعلق بسلوك المندوبين. وفي حال تكرار الشكاوى ضد نفس الشركة، يجب أن تُلغى رخصتها فورًا.

أسست شركات التسويق في عام 2019 الجمعية المصرية للتسويق العقاري، بهدف وضع ضوابط قانونية وتشريعية تنظم عمل المهنة وتعيد إليها الانضباط والأخلاق، في ظل التحديات التي يواجهها القطاع. لكن لا تزال القواعد التي وضعتها الجمعية لتحقيق أهدافها غير واضحة حتى الآن.

كثرة اتصالات البروكرز.. هل تكشف أزمة؟

تظهر التقديرات عدم وجود إحصائية رسمية دقيقة لعدد شركات التسويق العقاري في مصر، حيث يُعتقد أنها تتجاوز 6 آلاف شركة. ويعمل في بعضها ثلاثة أشخاص فقط، بينما تتسم أخرى بالحجم الكبير وتضم موظفين بالعشرات في تخصصات متنوعة.

إذا افترضنا أن متوسط عدد الموظفين في شركات التسويق العقاري هو 6 موظفين، فهذا يعني أن هناك ما لا يقل عن 60 ألف مسوق عقاري نشط حاليًا في مصر. وفي حال أجرت كل شركة 10 مكالمات فقط يوميًا، فإن هذا يعني أن نحو 600 ألف مواطن يتلقون اتصالات يومية تتعلق بالعقارات.

الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقًا
الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقًا

يعتبر هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أن كثرة مكالمات التسويق تشير إلى أزمة متزايدة بدأت منذ عدة أشهر.

ويُحذر توفيق من احتمال حدوث فقاعة عقارية غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن القطاع العقاري حاليًا يُقاد بطريقة "تلبيس الطواقي"، وهو مصطلح يُستخدم للدلالة على نقل المشكلة من شخص إلى آخر دون حل جذري.

بحسب تقرير لشركة زى بورد كونسالتينج للاستشارات، فإن 6 آلاف شركة وساطة عقارية حققت حوالي 65% من مبيعات السوق العقاري خلال 2023، ونجحت 5 شركات تسويق عقاري كبرى تحقيق مبيعات بقيمة 150.4 مليار جنيه لصالح الشركات العقارية خلال 2023.

ويكشف التقرير السابق عن تحقيق أكبر 5 شركات البروكرز في مصر أرباح لا تقل عن 3 مليار جنيه بافتراض أن نسبتهم 2% فقط من إجمالي المبيعات، وهو ما يكشف عن تنامي ذلك النشاط مستقبلًا وبالتالي استمرار المواطن البسيط في تلقى اتصالات تغريه بـ"الفلل ذات الأرقام الستة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة