حذّر الملك أبو شوتال، القيادي في قوات الدعم السريع، التجار في المناطق التي تسيطر عليها قواته من تصدير أي منتجات إلى مصر، مشددًا على أن أي تصدير، حتى لو كان فنجان صمغ عربي أو فول سوداني، سيواجه بأشد العقوبات.
وقد شملت هذه السلع التي حظرتها "الدعم السريع" الصمغ بأنواعه، والفول السوداني، وزيت الطعام، والماشية بأنواعها، والسمسم، والتمباك، وأنواع من الأعلاف، والذهب، والمعادن الأخرى، والكركديه، والبامية المجففة.
وردًا على ذلك، أكد المتحدث باسم وزارة التموين أحمد كمال، في تصريحات صحفية، وجود أرصدة من اللحوم في مصر قادمة من السودان وجيبوتي تصل إلى نحو 20 ألف رأس. وأشار إلى أن عمليات الاستيراد لا تزال مستمرة من السودان والصومال وجيبوتي دون أي عقبات لوجيستية.
كما أضاف كمال أن الحكومة رغم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها، قررت دعم الأمن الغذائي في السودان، ووردت كميات كبيرة من السلع الغذائية الأساسية للسودانيين، مثل السكر والزيت والأرز والدقيق.

كيف ردت مصر على "الدعم السريع"؟
لم تعلّق القاهرة بعد على التصعيد الأخير من "الدعم السريع"، لكنها ردت على اتهامات سابقة لقائد هذه القوات الفريق أول محمد حمدان دقلو، والذي ادعى أن مصر تدعم قوات الجيش عملياتيًا وعسكريًا. وهو ما ردت عليه الخارجية المصرية ببيان رسمي حاد اللهجة، نفت فيه الاتهامات الموجهة إليها، واصفة الدعم السريع بـ"الميليشيا".
أكدت وزارة الخارجية أن هذه الاتهامات تأتي في وقت تبذل فيه مصر جهودًا مكثفة لوقف الحرب في السودان وحماية المدنيين، وتعزيز الاستجابة الدولية لخطط الإغاثة الإنسانية لدعم المتضررين من النزاع. وشددت الوزارة على استمرار تقديم أشكال الدعم الممكنة لكل السودانيين لمواجهة التحديات الناتجة عن هذه الحرب.
وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، يشكلون نحو 8.7% من إجمالي السكان، تشكل الجالية السودانية، بما يشمل المقيمين والنازحين الجدد، أكثر من نصف عددهم، وفق التصريحات الرسمية.
خبراء: مصر أقرب إلى تجاهل تصعيد حميدتي
تدفع مصر بأنها ليست طرفًا في النزاع السوداني الأهلي، وتؤكد على التزامها الحياد، كما يقول اللواء سمير فرج الخبير العسكري، الذي أشار في تصريحات صحفية لـ"الشرق الأوسط"، إلى أن مصر أقرب إلى تجاهل تصعيد حميدتي؛ حفاظًا على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
وهو ما يتفق معه العميد خالد عكاشة مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، حين يقول إن "مصر تتمتع بحكمة أكبر، وتدرك أن تصرفات حميدتي هي نتاج أزمة داخلية بعد هزيمته الميدانية".
الجيش والدعم السريع وخريطة النفوذ
على الأرض، بدأ الجيش السوداني عمليات هجومية لاستعادة أجزاء مهمة من مدينتي الخرطوم وبحري، وتمكن من السيطرة على كوبري الحلفايا من جهة بحري، وحقق تقدمًا في مدينة الخرطوم، حتى ثلثي حي المقرن.
يقول موقع "سودان تريبيون" إنه بعد عام ونصف من الحرب، تغيرت خارطة السيطرة، حيث تمكن الجيش من السيطرة على مواقع جديدة كانت تحت سيطرة الدعم السريع، بما في ذلك جبل مويا بولاية سنار.
الوضع العسكري في الخرطوم يعتبر معقدًا، حيث تتواجد قوات الدعم السريع في مدينتي الخرطوم وبحري، مما يضيف تعقيدًا إضافيًا للمعارك. وتضم هذه القوات نخبة مدربة بشكل عالٍ، خاصة في المناطق الجنوبية من الخرطوم وشمالية بحري. ويعتبر الخبراء العسكريون أن الخرطوم من أكثر المناطق تعقيدًا بالنسبة للجيش بسبب تضاريسها المتشابكة ومبانيها الشاهقة.
كما أفاد مصدر عسكري بأن قوات الدعم السريع تنتشر في المناطق الاستراتيجية، مما يسهل عليها توجيه ضربات مضادة ضد الجيش السوداني. ويرى الدعم السريع أن لديه القدرة على المناورة بشكل أكثر فعالية في الأحياء التي يسيطر عليها، مما يزيد من تعقيد جهود الجيش لاستعادة السيطرة.

مصر والإمارات حليفين ولكن
منذ تشكيلها في العام 2013، شاركت قوات الدعم السريع في السودان، وهي مجموعة شبه عسكرية انبثقت عن ميليشيات الجنجويد، في نزاعات مختلفة منذ تشكيلها في عام 2013. بينما بدأت حربًا أهلية ضد قوات الجيش في أبريل 2023 مع اختلافات سياسية على قيادة البلاد التي تقاسمتها مع الجيش بعد الانقلاب على اتفاق السلطة المشتركة مع القوى المدنية.
وقد أدى هذا الاقتتال إلى انتشار العنف على نطاق واسع وأزمة إنسانية غير مسبوقة، شهدت كذلك تدخلات خارجية معقدة، كان أبرزها مصري لصالح الجيش السوداني، الذي تنظر إليه القاهرة باعتباره مؤسسة وطنية رئيسية، وإماراتي لصالح "الدعم السريع"، ولحسابات تتعلق بالذهب السوداني.
اقرأ أيضًا: الدور الإماراتي الخطير في السودان
أما بالنسبة للقاهرة، فإنها رغم دعمها المعلن للجيش السوداني تفضل تجنب التصعيد مع قوات الدعم السريع، التي تظهر بشكل متزايد باعتبارها تمثل تهديدًا للسلام والاستقرار في المنطقة. وهذه الديناميكية تعكس المخاوف المصرية من إمكانية تفكك السودان إلى مناطق غير مستقرة تؤثر على الأمن القومي المصري.
أما إماراتيًا، فقد تكررت الاتهامات السودانية لأبوظبي بتقديم دعمٍ مباشر لقوات الدعم السريع، وتطور آخر هذه الاتهامات إلى مشادة كلامية في يونيو الماضي بين مندوبي البلدين خلال اجتماع في مجلس الأمن.
كما قدّم مرصد النزاعات، المدعوم من وزارة الخارجية الأمريكية، أدلة جديدة على تسهيل إيران والإمارات وصول أسلحة إلى الجيش وقوات الدعم السريع. وأكد التقرير أن الإمارات استخدمت مطار أم جرس كنقطة طريق لتسهيل وصول الأسلحة.
وتشير التقارير إلى أن الإمارات تنظر إلى الحكومة السودانية باعتبارها ضعيفة، ولذا، فإنها تفضل دعم "الدعم السريع" وتراه الخيار الأفضل لحماية مصالحها الاقتصادية. ويُظهر ذلك من خلال تمويلها لمشاريع استراتيجية وتحركاتها الجيوسياسية في المنطقة.
أما بالنسبة لمصر، فإن انتصار حميدتي قد ينعكس سلبًا على أمنها القومي، لأنه قد يؤدي إلى انقسامات داخل السودان، مما يعقد الأمور أكثر بالنسبة للقاهرة.
نزاع يتطور إلى أبعاد إقليمية أخرى
مع استمرار الاقتتال يتجاوز النزاع السوداني الحدود الوطنية ليؤثر على التوازن الإقليمي في شرق إفريقيا.
ترى إثيوبيا أن ضعف الجيش السوداني سيكون مفيدًا لمصالحها، خصوصًا فيما يتعلق بنزاع سد النهضة. تفضل إثيوبيا التعامل مع حميدتي، الذي يمكن أن يسبب إرباكًا لمصر في ملفات عدة، مثل الوصول إلى الموارد المائية ومشاريع التنمية في المنطقة.
وتؤكد الدراسات أن هذا التوتر لا يقتصر فقط على العلاقات بين مصر والسودان، بل يمتد ليشمل مجموعة من الدول في شرق أفريقيا. ويعتبر المراقبون أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى تفكك السودان إلى مناطق غير مستقرة، مما يزيد من خطر الفوضى، الذي تخشاه مصر على حدودها الجنوبية.
