تعيش لبنان أوضاعًا إنسانية متدهورة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على أراضيها، حيث قُدِّرت الحكومة والأمم المتحدة أن أكثر من مليون شخص قد أجبروا حتى الآن على الفرار من منازلهم، مما يجعل هذه الأزمة واحدة من أسوأ حالات النزوح التي شهدتها البلاد منذ عقود.
تأثير النزاع على الأوضاع الاقتصادية
وتُعقِّد الأوضاع الإنسانية الراهنة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في لبنان، حيث سجل 44% من السكان تحت معدلات الفقر، وفقًا لأحدث تقرير للبنك الدولي.
ويعاني المواطنون من ارتفاع الأسعار ونقص حاد في الموارد الأساسية، مما يجعل الحياة اليومية صعبة للغاية.
وفي ظل هذا التدهور الاقتصادي، يستضيف لبنان حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، بينما يضطر الكثير من هؤلاء إلى الفرار مرة أخرى بسبب القصف والتهديدات المستمرة، مما يضع ضغوطًا إضافية على البنية التحتية والخدمات.
وفي إطار جهود الدعم للاجئين، أجرى المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، زيارة إلى سوريا يوم الثلاثاء الماضي.
وجاءت هذه الزيارة في سياق حشد الدعم للأشخاص الذين فروا من الغارات الجوية التي استهدفت لبنان وعبروا إلى سوريا. وقد التقى غراندي بلاجئين لبنانيين وسوريين عبروا الحدود مؤخرًا، واستمع إلى قصصهم المروعة عن كيفية نجاتهم من القصف الإسرائيلي المكثف الذي بث الرعب في نفوس أطفالهم. وأكد أن العائلات التي تحدث إليها كانت في حالة من الخوف الشديد، حيث كانت تهرب لإنقاذ أرواحها، بلا أي فكرة عن مستقبلهم بعد رحلة شاقة نحو الحدود.

تحديات العبور إلى سوريا
يواجه النازحون صعوبات كبيرة في عبور الحدود، خاصة مع تدمير الطرق الرئيسية بسبب الغارات الجوية. حيث يضطر الكثيرون لعبور الحدود سيرًا على الأقدام، حاملين معهم أطفالهم وأي حاجيات يمكنهم حملها.
تشير التقديرات إلى أن نحو 250 ألف شخص قد عبروا الحدود إلى سوريا منذ 23 سبتمبر، ومن بينهم نحو 70% من السوريين الذين كانوا قد فروا سابقًا إلى لبنان. وعلى الرغم من كل المخاطر، يظل الأمل موجودًا لدى النازحين في العثور على مأوى آمن.
وتعتبر رحلة العودة إلى سوريا محفوفة بالمخاطر، حيث يواجه النازحون مشاكل أمنية عديدة.
أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان باعتقال العشرات من السوريين بعد عبورهم الحدود اللبنانية. ولتجنب ذلك، يضطر الكثير من السوريين العائدين إلى التوجه نحو مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة، مما يتطلب منهم اجتياز مناطق تسيطر عليها قوات أمنية مختلفة، وهو ما يزيد من صعوبة رحلتهم.
كما أن العديد من العائدين يواجهون عقبات مالية، حيث يُضطرون لدفع مبالغ مالية لعبور النقاط الأمنية، مما يثقل كاهلهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.
يُضطر الكثير من السوريين العائدين إلى التوجه صوب مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة، لكن هذا الخيار يُعد محفوفًا بالخطر؛ إذ يلزم عليهم اجتياز ثلاثة مناطق خاضعة لسيطرة ثلاث قوات أمنية مختلفة هي القوات السورية، والقوات الموالية لتركيا، والقوات الكردية، قبل الوصول إلى مناطق المعارضة.
ورغم أن العائدين يقصدون طرقًا غير رسمية، إلا أنه يتعين عليهم اجتياز معابر أمنية، حيث يُجبرون على دفع أموال مقابل العبور.
اقرأ أيضًا: فقدت قناع غطرستها على حدود لبنان.. أي جديد قادم بين إسرائيل ومحور إيران؟
يقول السوري خالد مسعود: "لم تكن رحلة فراري من القتال والمعارك في لبنان طويلة وشاقة فحسب، بل بذلت الغالي والنفيس في سبيل عودتي وأسرتي إلى سوريا".

استغرقت الرحلة من لبنان إلى سوريا قرابة أسبوع، واضطر إلى دفع 1300 دولار في سبيل الوصول إلى شمال سوريا، ليستقر به الحال وأسرته المؤلفة من ستة أفراد، فضلاً عن أسرة ابنته، داخل مخيم للاجئين في معرة مصرين شمالي إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية.
وأفاد مصدر محلي على دراية بما يقوم به النظام السوري، في مقابلة مع DW، بأن فروعًا مختلفة من الجيش السوري تتعاون مع ميليشيات سواء موالية للحكومة أو للأكراد في المنطقة، لتسهيل دفع هذه الأموال.
وقال المصدر، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا على سلامته، إنه يعتقد أن الفرقة الرابعة المدرعة، التي تُعد من كيانات النخبة داخل الجيش السوري بقيادة ماهر الأسد، متورطة في تجارة المعابر.
وقال المصدر إن "العائدين في حالة خوف وإرهاق شديد، ويبحثون عن مكان آمن للإقامة. لو لم تكن الحرب في لبنان أسوأ من الوضع في سوريا، لكانوا بقوا في لبنان رغم تعرض البعض منهم إلى العنصرية هناك. يُنظر إلى العائدين باعتبارهم دولارات متحركة، فضلاً عن اتهامهم من قبل العناصر التي تقف عند المعابر بالخيانة، وبأنهم أغنياء".
الملاجئ لا تكفي للجميع والأولوية للبنانيين
يصل عدد مراكز النازحين في لبنان، وأغلبها من المدارس، إلى نحو 900 مركز، باتت متكدسة بالعائلات التي فرت من المناطق التي استهدفها القصف الإسرائيلي.
ووجهت الكثير من الانتقادات لغياب الدولة اللبنانية التي لم تتبنَّ خطة واضحة لاحتواء النازحين.
محافظة بيروت، التي حملت العبء الأكبر لأزمة النزوح، تقول إن العاصمة دخلها ما يُوازي عدد سكانها، وإن الدولة تعاني أصلاً من ضائقة مالية كبرى.
وأطلقت لجنة الطوارئ التابعة للحكومة نداءات استغاثة لدول العالم كي توفر مئات الملايين من الدولارات. كما طالب رئيس مجلس النواب نبيه بري الأمم المتحدة بتوفير جسر جوي لنقل المساعدات إلى لبنان. وجدد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي دعوته لزيادة الضغط على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار. فكلما طال أمد الصراع، زادت التعقيدات.
وفي العاصمة بيروت، يقول تامر الخوري، رئيس جمعية "ليبانيز كادتس" التي تدير ثمانية مراكز للجوء في بيروت بالتعاون مع غرفة إدارة الكوارث، إن "الأولوية في تقديم المساعدات تكون للبنانيين، لأن اللاجئين السوريين لديهم المفوضية الأممية تعتني بهم، أما اللبناني، فليس له سوى الحكومة اللبنانية".
ويضيف الخوري لبي بي سي: "بعض مراكز النزوح اللبنانية تستقبل سوريين، لكن الأولوية دائمًا تكون للمواطن اللبناني".
في قلب العاصمة بيروت، التقيت بمحمد ذو الـ 23 عامًا، وقال لي إنه يعيش الآن مع عائلته في الشارع بعدما رفضت عدة مراكز نزوح استقبالهم بسبب جنسيتهم السورية.
"خرجنا من بيوتنا، والآن نحن في الشارع. حين نذهب لمركز نزوح، يسألوننا عن جنسيتنا، وحين نقول لهم إننا سوريون، يطردوننا، لا يعطوننا حتى طعامًا".
في محافظة البقاع شرقي البلاد، تزداد التحديات أمام الجمعيات الأهلية التي تعمل على توفير المساعدات للنازحين؛ إذ تستضيف هذه المحافظة أعدادًا تُقدَّر بمئات الآلاف من اللاجئين السوريين.
الطبيب فراس الغضبان، المؤسس المشارك لجمعية "إما لبنان" وهي منظمة أهلية تعمل على مساعدة السوريين في محافظة البقاع، يقول لبي بي سي، إن "النازحين السوريين يعانون بشكل أكبر خلال أزمة النزوح هذه".
ويضيف الغضبان: "في بداية الأزمة، كان النازحون السوريون ينامون في الشوارع وعلى الأرصفة؛ فمراكز النزوح اللبنانية ترفض استقبال السوريين، لكن خلال هذا الأسبوع، تمكنا من فتح 16 مركز لجوء للسوريين".
وأوضح الطبيب السوري أن هذه المراكز صغيرة للغاية، سعة الواحد منها لا تتجاوز الـ50 شخصًا في بعض الأحيان، موضحًا أن الجمعيات الأهلية هي التي تتحمل وحدها عبء اللاجئين السوريين، "إحدى العائلات وضعنا لها خيمة أمام البيت كي لا تبيت في العراء".