“عام الطوفان” وكوابيس النهاية الإسرائيلية

ليس في السؤال تجاوزٌ للحقائق، وغضٌّ للطرف عن الواقع، ولا ينبثق من تفكير رغائبي يجافي الموضوعية، أو يتكئ إلى أحلامِ يقظة، وليس منقطعًا عن ظرف الزمان، إذ يشنُّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، حربَ إبادةٍ على لبنان، فيما تستعرُّ حربُه على غزة، ويتأهَّب لإشعال جبهة إيران، وهو الحدثُ الجلل الذي قد يقع قبل أن يفرغ الكاتب من سطوره.

السؤالُ: بعد عامٍ من الحرب.. هل نشهد إرهاصات نهاية إسرائيل؟

وهل يجوز بعد ما رأيناه -ويجب أن نعترف به- من تفوق استخباراتي تقني إسرائيلي أو أمريكي “لا فرق”، أن يكون هذا السؤال مطروحًا؟

بعد عامٍ من حرب الإبادة الإسرائيلية، وتدمير قطاع غزة عن بكرةِ أبيه، وقصف لبنان، واحتلال محور صلاح الدين، واغتيال قادة المقاومة من حماس وحزب الله، ونجاح نتنياهو؛ فتوة المنطقة الغاشم، في جرجرة طهران إلى حرب، طالما توخاها ذريعةً لضرب مشروعها النووي، على غرار السيناريو العراقي حرفيًا.

قناص من المقاومة الفلسطينية
قناص من المقاومة الفلسطينية

بعد هذه التطورات الدراماتيكية كلها، هل تبدو إسرائيل ضعيفة إلى الحد الذي يسوّغ أسئلة انهيارها؟

ثمة فكرة أو قل حالة وبائية، تهيمن على جانب ليس يسيرًا، من الفكر السياسي والاستراتيجي العربي، وفحواها أن التباين العرقي والطبقي والإثني والثقافي، في مجتمع الاستيطان، يحمل في خلاياه، عوامل انهيار إسرائيل ذاتيًا.

وإن كان ذلك صحيحًا بدرجة ما، غير أن تفاعلات هذه الفكرة أسفرت عن شيوع نظرية بائسة، تذهب إلى أن على الإنسان العربي، أن يقر عينًا، فيسترخي على أريكته، يحتسى الكولا ويُدَّخن السجائر الأمريكية، منتظرًا التفرّج على مشهد النهاية، فالخير لا بد أن يهزم الشر، لأنه خير بذاته، كما على طريقة السينما المصرية المبكرة.

تلك فكرة تثبيطية تُغري بالتواكل المذموم شرعًا، والمستقبح دنيويًا، فالقاعدة أن “أعدوا ما استطعتم من قوة”، ولكونك مُسلمًا مؤمنًا، فأنت مأمورٌ إذن، أن تُحسن الظن فترجو النصر، من هازم الأحزاب وحده.

هذه ليست دروشة مجاذيب، على طريقة مولانا التيجاني، ومَنْ على شاكلته، وليست عبارات انفجارية لدغدغة مشاعر العوام، بل قانون وضعه مهندس الكون لتنظيم وانتظام علاقاته؛ هناك قوة الحق المعنوية بالطبع، ولا بد أن تعززها قوة الحق المادية، بقدر ما يستطيع المقاومون.

هذا ما فعلته المقاومة، فإلامَّ إذن تتعرض لنوبات نباح إعلامية مسعورة، وحفلات مجون صحفية جامحة؟

حين تغدو المقاومة حماقة

القوانين الكونية وجدليات التاريخ، مع المقاومة، لكن “نخبًا عربية” ترى أن الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأسباب، ومقاومة الاحتلال، حماقة غير محسوبة، والذريعة والبرهان هي جرائم نتنياهو ضد الشعب الفلسطيني.

يُلام الفلسطيني لأن نتنياهو يقتله، هل ثمة خطاب أكثر انحطاطًا من ذلك؟

لعنة العقد الثامن.. المخاوف التلمودية التي أثارتها المقاومة
لعنة العقد الثامن.. المخاوف التلمودية التي أثارتها المقاومة

الذين استلوا سيوفهم لتقطيع لحم المقاومة شرائح، لا يرون أي مكتسب لـ”الطوفان“، ولا يطرحون في الوقت ذاته بديلًا لشعب أرضه محتلة، باستثناء الرضوخ الذليل، ورفع الرايات البيضاء، وتسوية الطريق أمام الاتفاقيات الإبراهيمية، ومن ثم إطلاق الرصاصة الأخيرة على القضية الفلسطينية.

حين اجترحت المقاومة المستحيلات، بعمليتها البطولية الفذة، يوم السابع من أكتوبر الماضي، كانت تعرف أن ما بعدها سيكون انفلاتًا للوحشية الإسرائيلية، لكنها تحركت وفعلت وأصابت وأخطأت وتوجعت وأوجعت وتقدمت وتقهقهرت واستصرخت أمتها العربية والضمير العالمي، فتوافق كلاهما على خذلانها، ولكنها ما زالت تقاوم.

قبل ذلك، كان نتنياهو يتشدق منفوشًا كالطاووس، بأنه أنجز الاتفاقيات الإبراهيمية، مع العرب، من دون أن يمنح الفلسطينيين شبرًا من أراضيهم السليبة، وقد كتب في مذكراته التي صدرت قبل ثلاثة أعوام، بعنوان “بيبي: قصة حياتي”، أنه نجح في كتم صوت القضية الفلسطينية عالميًا، إذ توارى أمام سياساته فرض الأمر الواقع بالقوة الخشنة.

كان المطروح إسرائيليًا؛ السلام مقابل السلام، واليوم تتصدر القضية الأحداث عالميًا، وتعلن دول أوروبية اعترافها بالدولة الفلسطينية، وتطرد دول أمريكا اللاتينية سفراء الاحتلال، وتحرك جنوب إفريقيا دعوى أمام المحكمة الجنائية.

جرَّف “الطوفان” في عنفوان جريانه، أوهام نتنياهو، وبالتوازي مسح مساحيق التنكر، عن الوجه “الدراكولي” لإسرائيل، أمام الضمير الإنساني العالمي، فإذا بطلاب أكثر من 50 جامعة أمريكية، يتظاهرون ضد حكومة بلادهم لوقوفها بجانب الجلادين ضد الضحايا، في استنساخ للحراك الطلابي الذي أوقف العدوان على فيتنام بعد 20 عامًا من المجازر الأمريكية.

بالنظر إلى علاقات التحالف أو بالأحرى، التوأمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يجوز التقليل من جدوى هذا الانتصار، الذي لم يحرز الإعلام العربي الرسمي، رغم ما ينفقه من مليارات، مثقال ذرة منه، لانشغاله بما هو أهم؛ تمجيد أصحاب الجلالة والسمو والفخامة، الأسود المغاوير لكن على شعوبهم.

آثار وعي القواعد الجماهيرية، على القرار الغربي معلومة بالضرورة، لكن لا بأس من تذكرة، فالرأي العام الغربي، ليس كالعربي مستبعدًا من عمليات صناعة القرار السياسي، والمؤكد أن الأحزاب الغربية ستُضطر تحت ضغوط الناخبين، إلى مراجعة تحالفاتها مع تل أبيب، وهو ما شرعت بوادره تلوح في تلويح بريطانيا، بوقف تصدير السلاح لجيش الاحتلال، ثم في الحرب اللفظية التي يشنها نتنياهو، على الرئيس الفرنسي ماكرون لدعوته وقف تصدير السلاح بدوره.

هذا مسمار كبير في نعش إسرائيل.

نعود للسؤال.. هل يعني ذلك أننا نشهد إرهاصات نهاية إسرائيل؟

لن أستدعي المحفوظات العربية البالية، ولا موروثات الخطابة التي لا تقتل ذبابة، بل سأنقل كلام المؤرخ والفيلسوف الفرنسي إيمانويل توب، الذي كان تنبأ في مؤلفه “السقوط الأخير” بانهيار الاتحاد السوفيتي، قبل بيريسترويكا جورباتشوف، بنحو 14 عامًا.

توب ذاك يذهب إلى ما هو أبعد من انهيار إسرائيل، إذ يقرر أن الولايات المتحدة تكاد تلفظ أنفاسها الإمبراطورية الأخيرة، لأسباب اقتصادية وعسكرية استراتيجية، ليس المجال مناسبًا للاستغراق فيها.

أيَّما يكن، ووفقًا لما هو معلوم، من ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة، ارتباطًا وجوديًا كارتباط حياة البراغيث بفراء القوارض، فإن سقوط “العائل” يفضي حتميًا إلى سقوط المعيل.

شواهد الضعف أو ربما الترنح الأمريكي، ليست خافية.

هناك تهافت فادح يتجلى في حرب أوكرانيا، وفي خسارة الحرب الاقتصادية أمام الصين، وفي نزوع الحديقة الخلفية للبيت الأبيض؛ أمريكا اللاتينية إلى اليسار، بل يتجلى أيضًا في الحرب الصهيونية على المنطقة، والتي تقف أمامها عاجزة، وقد وهنت قواها السياسية، كما وهنت القوى الإدراكية لسيد البيت الأبيض.

ليس كلام حشاشين، وليس تفكيرًا كان أمره فُرطًا.

بعد عام من الطوفان، ورغم الخسائر التي لحقت بالمقاومة تخصيصًا، والفلسطينيين واللبنانيين إجمالًا، يجوز إن لم يكن حتميًا طرح السؤال، ومعه سؤال موازٍ: لماذا يرفض البعض فكرة سقوط إسرائيل كأنها قضاء وقدر كان حتمًا مقضيًا؟

لماذا يرفضون انهيار إسرائيل؟

ذرائع رافضي الفكرة تتأسس على مقولات صهيونية رائجة، فإسرائيل لا تُقهر، إذ هي مدعومة بالسلاح والمال، ولديها جماعات ضغط في الدول الكبرى، وشبكة مصالح اقتصادية متينة، فضلًا عن تفوقها التكنولوجي، في زمنٍ غدت الحرب فيه، لا حرب نبلاء يتبارز فيها الخصوم وجهًا لوجه، بل يرتفع أوارها من وراء الشاشات.

المقاومة الفلسطينية تسيطر على دبابة عسكرية إسرائيلية (وكالات)
المقاومة الفلسطينية تسيطر على دبابة عسكرية إسرائيلية (وكالات)

لكن اللحظة الطوفانية، هدمت أسطورة المنعة الإسرائيلية، فمقاتلون بسطاء ينتعلون “شباشب بلاستيكية” ومسلحون بأسلحة من العصور البائدة، أذلوا كبرياء العدو برًا وجوًا وبحرًا، في مواجهة عسكرية ستُدَّرس لا محالة في المراكز البحثية الاستراتيجية.

عملية الطوفان استنهضت روح السادس من أكتوبر عربيًا وإسرائيليًا؛ أدرك العربي الذي عبر أسلافه قبل نصف قرن، خط بارليف، أنه يقدر على عبور القبة الحديدية، وعرف الإسرائيلي أن أرض الميعاد التي هاجر إليها، هربًا من الاضطهاد في أوروبا، ليست محصنة آمنة، فأصحابها الأصليون لا يتنازلون.

من نتائج ذلك أن نصف مليون مستوطن على الأقل هاجروا عكسيًا، منذ السابع من أكتوبر الماضي.. وهذه هزيمة فادحة، وربما من مظاهر الانهيار، في دولة تخشى انفجار القنبلة الديموغرافية في وجهها.

في تفاصيل الحقيقة من قبل ومن بعد، أن صمود المقاومة الفلسطينية واللبنانية الأسطوري، لم يجعل سؤال انهيار إسرائيل سؤالًا عربيًا فحسب، بل أصبح مطروحًا كما لم يكن من قبل في الأوراق البحثية والتحليلات الاستراتيجة والدراسات الاستشرافية والمقالات الصحفية، بل إن سياسيين ومفكرين وفلاسفة غربيين وإسرائيليين يحذرون منه على التوازي.

فوبيا إسرائيلية: هل تنهار الدولة؟

ليست صدفةً أن يقول المرشح الجمهوري ترامب، إن هزيمته ستفضي إلى محو إسرائيل من على وجه الأرض.
وليست هرطقةً أن يصرخ وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت بأن الحرب على غزة، حربٌ وجودية.

وليست أوهامًا أن ينبه المؤرخ الإسرائيلي المعروف؛ إيلان بابيه إلى اقتراب نهاية المشروع الصهيوني.

وليست مزايدة أن ترى صحيفة “هآرتس” العبرية، أن الممارسات الوحشية الإسرائيلية، تطلق العد التنازلي لانهيار الدولة.

وليس عبثًا أن تُعيد مراكز الأبحاث الغربية، تقييم تصريحات الفيلسوف الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، إبّان نكسة 1967 بأن “الفخر الوطني والنشوة التي أعقبت حرب الأيام الستة مؤقتة، وستقودنا من القومية الفخورة الصاعدة إلى القومية المتطرفة، ثم ستكون المرحلة الثالثة، هي الوحشية، والمرحلة الأخيرة ستكون نهاية الصهيونية”.
وفقًا لذلك فإن إسرائيل في مرحلة ما قبل الانهيار مباشرةً، فهل هذا صحيح؟

لا يملك كاتب السطور القول الفصل، إزاء “سرعة الانهيار”، وإن كان واثقًا من حتميته.

مجرد طرح السؤال في الداخل الإسرائيلي، يعني الكثير، فما من دولة مستقرة تسيطر عليها هيستيريا الخوف من نهايتها.

إن في خروج الأسئلة حول انهيار دولة الاحتلال، من قلب إسرائيل ذاتها، وفي تردد الفرضية على ألسنة أبرز داعميها، ما يشي بوطأة كوابيس النهاية، وحجم المحنة الوجودية الصهيونية، التي يبدو السؤال المناسب إزاءها ليس هل تنهار إسرائيل؟ ولكن متى ستنهار؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة