كمجنون يُطوِّحُ الأحجار، عشوائيًا من دون أن يتوخى هدفًا محددًا، يرمي يمينًا وشِمالًا، ليس فقط نحو أعدائه؛ حركة حماس في غزة، وحزب الله في جنوب لبنان، والحوثي في اليمن، أو حتى الجمهورية الإيرانية، وإنما في اتجاه واشنطن الحليفة والشريكة، والقاهرة الوسيطة أيضًا.
يُوفد نتنياهو مبعوثيه إلى مباحثات الدوحة فالقاهرة، ثم إلى القاهرة فالدوحة، لا راغبًا في هدنة تتيح محاصرة الحريق المرشح للامتداد إقليميًا، وإنما لشراء الوقت لحين انتهاء الانتخابات الأمريكية؛ يتنكَّر للرئيس بايدن الذي أمدَّه من لدنّه، منذ اندلاع الحرب، بدعمٍ عسكري واستخباراتي ومادي ودبلوماسي، جعله وفق التعبير القرآني في وصف بني إسرائيل، "أكثر عتادًا وأكثر نفيرًا"، ولولاه ما صَمَدَ محضَ أسابيع، أمام بسالة المقاومة في غزة.
يراهن على المرشح الجمهوري ترامب، الذي يعدّه حليفًا أفضل له شخصيًا، ولدولة الاحتلال أيضًا، وفي سبيل ذلك يقذف إدارة الرئيس العجوز في البيت الأبيض بالحجارة، والغريب أن واشنطن تتلقى حجارته راضيةً مرضية، وكأنَّ المثل الشعبي "ضرب الحبيب زي أكل الزبيب"، قد استحال لسان حالها، والأغرب أن يتلقاها العرب على النحو ذاته.

مآرب نتنياهو في عرقلة الهدنة
ليس سرًا أن لمجرم الحرب الصهيوني، في استمرار "حرب الإبادة الجماعية في غزة"، مآرب شتى؛ بعضها يتعلَّق بسعيِهِ أن ينجو برأسه من مقصلة الإقالة، وما سيتبعها حتمًا من محاسبةٍ سياسية على فشله في الاحتراز لطوفان الأقصى، فالمثول للتحقيق جنائيًا في تورطه في 3 قضايا فساد.
كما تستمر الحرب لأسباب تتصل بالمرجعية الآيديولوجية لدولة الاحتلال، التي تأسست أصلًا على شرعنة التهجير العرقي للسكان الأصليين، فالمطلوب إسرائيليًا على الدوام، هو الحصول على "أرض أكثر وعرب أقل"، وفق عنوان دراسة المؤرخ الفلسطيني؛ نور مصالحة.
لتحقيق ذلك لا بأس في ارتكاب المجزرة تلو المجزرة، ولا أزمة أخلاقية في وصول عدد الشهداء الفلسطينيين إلى أكثر من 41 ألفًا، أكثر من ثلثهم من الأطفال، فشعب الله المختار يخوض حربًا وجودية ضد قوى الشر؛ الأغيار من العرب الهمجيين، الذين وصفهم وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بأنهم حيوانات بشرية.
لا هدنة تلوح في الأفق، والائتلاف الإرهابي الحكومي في تل أبيب، سينثر الشوك في طريق العربة، وسيعرقل المفاوضات بشتى السبل، وقد يمضي بالمنطقة إلى "حرب الكل ضد الكل"، ونتنياهو لن يتورع عن اتخاذ خيار نيرون؛ إحراق الأرض وما عليها، وسيواصل قذف حجارته صوب جميع الأطراف.
مؤخرًا.. أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغَّر "الكابينت"، بضغط من نتنياهو وتأييد من وزراء كتلته اليمينية، قرارًا بعدم سحب قوات الاحتلال من محور صلاح الدين "فيلادلفيا" الحدودي بين مصر وغزة.
دع عنك ما قيل بشأن خلافات نتنياهو ووزير دفاعه، حول القرار الذي ينسف بندًا رئيسيًا من اتفاقية كامب ديفيد، ولا تلتفت إلى ما أشيع حول صراخهما وزعيقهما المتبادل، ولا تحسبن أن تحرير الأسرى لدى حركة حماس، يعني رئيس الحكومة الإسرائيلية من قريب أو بعيد، أو أن الخلاف بين اللصين سيشق صف التشكيل العصابي.

في النهاية صار الأمر واقعًا، فإذا بالهدنة من رابع المستحيلات، وإذا بالحرب الإقليمية والحال كذلك، قاب قوسين أو أدنى.
لكن.. مَنْ قال إن نتنياهو لا يريد حربًا إقليمية؟
يقول نتنياهو في معرض تبريره لاحتلال محور فيلاديلفيا إن ذلك يستهدف درء المخاطر عن إسرائيل، فهناك أنفاق عابرة إلى سيناء، تُهرِّب من خلالها الأسلحة إلى المقاومة في غزة، وهي ذريعةٌ متهافتة بالقطعِ، فالقاهرة بعد الثلاثين من يونيو/ حزيران، لم تألُ جهدًا لتعضيد "السلام الدافئ"، ومن ذلك هدمها 1500 نفق حسب أدنى الافتراضات، فضلًا عن أن خلافاتها مع حركة "حماس" على خلفية الصراع السياسي مع جماعة الإخوان، ليست خافية على أحد.
لكن نتنياهو يدّعي ذلك لتسويغ مناوشة مصر، ومن ثم حشر ممثليها حين يجلسون إلى طاولة المباحثات، في حيز التفاوض على الانسحاب من المحور، الذي يعدُّ احتلاله تهديدًا يحدَّق بأمنها القومي، بما يبعدهم بالضرورة عن الملف الفلسطيني الذي سيحتل المرتبة الثانية على قائمة أولوياتهم.
وعلى الرغم من أن القاهرة لا تبدي ارتياحًا ولا استعدادًا لقبول سياسة فرض الأمر الواقع الإسرائيلية، غير أن ردها على "قلة أدب نتنياهو"، لا يبدو على القدر المناسب، إذ تجنح أكثر مما ينبغي إلى ضبط النفس، وكثيرًا ما تصمت حين يكون الكلام واجبًا مفروضًا، ناهيك عن الفعل.
من قرائن ذلك، أن الرد المصري على احتلال المحور، يأتي إعلاميًا -وعلى الدوام- عبر تصريحاتٍ باهتة لـ"مصادر مجهولة"، وهي وإن تؤشر إلى الموقف الرسمي، ليست كتصريحات المصادر المعلومة.
في علم الاتصال الجماهيري، تقول القاعدة الثابتة إن قوة الرسالة تتحدد بدرجة كبيرة، بمستوى صاحبها "المصدر"، وبتبسيط للمعنى فإن تصريحًا يُنسب لوزير الخارجية سيكون أقوى أثرًا من تصريح لمصدر مجهول، وتصريح لوزير الدفاع في حال نشوب خلاف حدودي يعدُّ أهم مما سيقوله وزير الخارجية، وكلمات رأس النظام في الحالة ذاتها أكثر أهمية من الجميع.
هذه ملاحظة مهمة من حيث الشكل، وهي ذات دلالة كبيرة على مستويات الغضب المصري، وآفاق الخيارات المتاحة لدرء "خطر على الأمن القومي".
معلومٌ أن ما وراء جدران غرف المباحثات، ليس مطروحًا ولن يُطرح جهرًا، والأغلب أن المفاوض المصري ينطلق من ثوابتٍ بأن المحور خط أحمر، لكن هذا من جانب آخر، لا يحول دون التساؤل عن ماهية أوراق التفاوض المصرية، ومدى نجاعة استغلالها.
واقعيًا إنَّ مصر ليست مكسورة الجناح، إذ تملك أوراق قوة يمكنها قلب الطاولة على "أم رأس نتنياهو"، ومنها مثلًا ورقة الرأي العام الغاضب، إزاء المجازر الصهيونية بحق الأشقاء من جهة، وإزاء الوقاحة الإسرائيلية التي سولت لمجرمي الحرب في تل أبيب احتلال المحور.
في مثل هذه الظروف، كان نظام مبارك يستثمر ورقة الرأي العام، إذ كان يرخي قبضته الأمنية بعض الشيء، فيسمح للشباب المتحمسين الغاضبين بالتظاهر ضد إسرائيل، ومن ثم يُلوّح بأن ضغوط الشارع قد ترغمه على إعادة النظر في العلاقات مع تل أبيب، وقد يدفع كتابه "المختارين المقربين" إلى الكتابة حول حتمية إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد.
صحيحٌ أن الظروف لم تعد كما كانت، إذ صرنا نترحم على "مليمترات الحرية" التي كانت متاحة في زمن المخلوع، بعد أن غدا التظاهر من كبائر الآثام، لكن ما لا يحتمل وجهتي نظر أن الدولة المصرية العميقة، لها أذرع إخطبوطية، وهي تعرف كيفية حشد الجموع في إطارٍ من سيطرتها، كما يحدث في مؤتمرات التأييد المبهرجة.
ورقة الرأي العام ككل الأوراق بين يديّ الدولة، أو قُل في جيب سترات السادة أصحاب الياقات البيضاء، و"الزي الميري"، وهي ورقة لم تفقد فعاليتها وتأثيرها على كل حال، إن أُريد طرحها على الطاولة.
تلويح مصر بإعادة النظر في المعاهدة؛ مجرد التلويح، مع نبرة رسمية أكثر خشونة وحسمًا، سيغيَّر القواعد كليًا، فإنْ كان نتنياهو كذي جُنَّةٍ يقذف الحجارة، فواشنطن رغم الانشغال بشأن الانتخابات الرئاسية، لن ترتضي العودة إلى ما كان قبل كامب ديفيد، ولا شك في أنها قادرة على كبح مجنون تل أبيب، بخاصةٍ حين يؤثر جموحه سلبًا على مصالحها الاستراتيجية.
الذين يطنطنون باستحالة مراجعة المعاهدة، نظرًا لتشابك العلاقات المصرية مع واشنطن، إنما يسوغون التهافت والرخاوة، ويسترخصون الكرامة الوطنية، في الوقت الذي تدوس فيه "بيادات عساكر الصهاينة" مع الرمال في محور فيلادلفيا على نصوص الاتفاقية، وتدفع تل أبيب فيه القاهرة نحو الحافة، بحيث يغدو لا سؤال في اللحظة المصرية، إلا السؤال الشكسبيري؛ "أكون أو لا أكون".
لكن القاهرة لا تبدو -كغيرها من العواصم العربية الوازنة- راغبةً في مقارعة تل أبيب وواشنطن، رغم أن ظرف الانتخابات الأمريكية، بالتوازي مع عنفوان المظاهرات ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، قد يمثل فرصة غير مسبوقة، لتدشين وتفعيل جماعات الضغط من الأمريكيين العرب، وتدعيم جماعات أخرى، مؤيدة للحقوق الفلسطينية، ومنها يهودية بالمناسبة.
العرب بارعون في هدر الفرص، عكسَ الصهاينة الذين يمشون على حبال الانتخابات الأمريكية، ويُجيِّشون اللوبي اليهودي لصناعة موقف، أكثر موائمةً لخططهم التوسعية.
خطط توسعية وخارطة جديدة
نعم.. لدى إسرائيل خطط توسعية، ولعل ابتلاع شمال غزة، على غرار مرتفعات الجولان السورية، قد يكون من أهم إحداثياتِ خرائطٍ، رسمها نتنياهو والذين معه مسبقًا، وقد رأيناه أمام مجلس الأمن في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي -أي قبل شهر من طوفان الأقصى- وهو يُشهِرُ خارطةً للشرق الأوسط، خاليةً من أية دولة فلسطينية.
وفي السياق ذاته، فإن همهمات إسرائيل كانت تزايدت قبل نحو ستة أشهر، بأن هناك مخططًا لتهجير الغزيين قسريًا، أو بالأحرى تهجير عدد معتّبر منهم إلى سيناء، لكن ذلك لم يتسنَّ على الأرجح، لرفض مصر خدش أمنها القومي.
والآن.. ورغم تواري أحاديث التهجير الإسرائيلية، إلا أن من الحماقة تصوّر أن "الدولة" التي قامت على سرقة الأرض، وتحت الذريعة الدنيئة؛ "طرد العرب ليس أزمة أخلاقية"، كما يقول أبوها الروحي بن غوريون، ستجافي مرجعياتها الآيديولوجية التأسيسية، فالضواري اللاحمة ليس بوسعها أن تغدو نباتية.
احتلال محور فيلادلفيا إذن، هو حجر يقذفه نتنياهو إلى "منتصف جبهة القاهرة"، بقصدِ "زنقها" في مساحة التفاوض على وضعية الشريط الحدودي الضيق، وإجهاض المساعي نحو الهدنة بالكلية، وهو إذ يفعل ذلك يضع عينه على "خارطة جديدة"، ألمح إليها ترامب حين قال: "إسرائيل صغيرة للغاية وعليها أن تتوسع".