تنص الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021- 2026) على التعليم والصحة باعتبارهما محورين رئيسيين يجب العمل على تحقيقهما. وهو ما يتفق مع المواد الحاكمة للدستور المصري. إلا أنه وبتقييم الواقع الفعلي لتطبيق ما نصت عليه الاستراتيجية والدستور، لا تزال الإخفاقات كبيرة في قطاعي الصحة والتعليم، رغم التصريحات الطموحة التي رافقت -ولا تزال- إطلاق هذه الاستراتيجية، بحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "فكر تاني".
على مستوى التعليم، تتضمن الاستراتيجية العديد من المستهدفات، أبرزها: تحسين جودة التعليم، والوصول الشامل لجميع فئات المجتمع، وخفض الأمية، وتطوير التعليم الفني، ورفع معدلات القيد، والحد من التسرب من العملية التعليمية، وتضييق الفجوة التعليمية بين الأطفال فى الحضر والريف، والتوسع فى إنشاء مدارس لكل المراحل التعليمية فى جميع المناطق، وتحسين جودة التعليم قبل الجامعي، بما يتوافق مع المعايير العالمية، وتطوير نظام التعليم الفني والتدريب المهني.
اقرأ أيضًا: عام على الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. ولكن!
وما الذي حققناه على مستوى التعليم؟
إذا ما تحدثنا عن التعليم، فإن الاستراتيجية "لم تحقق نتائج ملموسة"؛ كما يقول كمال مغيث الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، حتى بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاقها.

يقول "مغيث"، في حديثه لـ"فكر تاني"، إن التعليم حق أساسي، يجب أن يكون مجانيًا كما كان في العهود السابقة، وهذا لم يحدث، بل وتفاقم الوضع في السنوات الأخيرة، وتحديدًا مع وزارة طارق شوقي، التي فرضت مصروفات على التعليم، أثرت سلبًا على الأسر ذات الدخول المحدودة.
ويوضح الخبير التربوي أن الوضع الحالي يشير إلى أزمة كبيرة في التعليم؛ فالقطاع يعاني من نقص حاد في المعلمين، ويواجه تحديات مالية تؤثر على جودة التعليم، كما أن السياسة الإنفاقية المتبعة في التعامل معه تخالف نص الدستور، الذي ينص على تخصيص 4% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي، بينما الميزانية الحالية لا تتجاوز 300 مليار جنيه.
"لدينا مشكلة كبيرة، والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لم تنقذ واقع أو مستقبل التعليم في مصر"؛ يقول "مغيث".
التطوير ونسبة الـ 4% إنفاق "ضرورة مُلحة"
ترى فاتن عدلي، خبيرة تطوير التعليم، أن المدارس الحكومية في مصر شاهد قوي على الإخفاق، وأن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لم تُغير شيئًا في الوضع المتردي منذ سنوات.
تقول في حديثها لـ"فكر تاني": "الحقيقة أن لا شيء مما جاء في الاستراتيجية تحقق على مستوى التعليم؛ إذ لا تزال كثافات الفصول فوق الطاقة الاستيعابية لما يصل إلى 100 طالب في بعض الحالات، وهو أمر يعوق مهمة المعلم ويؤثر سلبًا على تأثيره بين طلابه. كما لا تزال لدينا أزمة في توفير الوجبات المدرسية لكل المدارس، وهي ضرورة مُلحة إذا ما التفتنا للدراسات العلمية والتوصيات الأممية التي تربط بين التغذية الصحية والقدرة العقلية والتعليمية لدى الأطفال".

تشير فاتن عدلي كذلك إلى الأمية باعتبارها مشكلة قائمة منذ سنوات، يُظهر واقع التعامل الرسمي معها أن لا إرادة حقيقية لحلها، وتضيف أن التحديات الكبيرة التي تواجه نظام التعليم في مصر والإحصائيات التي توصّف الوضف الراهن تستدعي اهتمامًا بالغًا بمعالجة قضايا الأمية والتسرب من المدارس، واتخاذ خطوات ملموسة لتحسين الوضع التعليمي.
اقرأ أيضًا: عامان على “الاستراتيجية الوطنية”.. حقوق الإنسان في مصر لا تزال منتقدة ومنقوصة
كما تشدد على أن تحقيق هذا المأمول على مستوى التعليم أمر غاية في الصعوبة إذا ما لم نلتزم حكوميًا بالوصول إلى نسبة الإنفاق على التعليم التي أقرها الدستور (4% من الميزانية).
وقد أكد تقرير للبنك الدولي عن العام 2022-2023 أن تراجع الإنفاق العام على التعليم في مصر يؤدي إلى نقص حاد في جودة التعليم نتيجة نقص أعداد المعلمين والقائمين على العملية التعليمية، الذين لا يتجاوز عددهم مليون معلم، في وقت يزيد فيه عدد الطلاب في مراحل التعليم قبل الجامعي على 24 مليون طالب، يزيدون كل عام بمعدلات عالية في السلم التعليمي.
ومع استمرار تبعات الأزمة الاقتصادية من ارتفاعات متتالية في أسعار المنتجات والخدمات الأساسية لدى المصريين، بات التعليم بشكل عام من الأمور المُكلفة على أولياء الأمور من الطبقات المتوسطة والدنيا، الأمر الذي يصل بحال التعليم في الأخير إلى إضرار بمبدأ تكافؤ الفرص، وهي ما يتطلب تطويرًا حقيقيًا بوضع استراتيجيات واضحة لتحسين جودة التعليم وضمان تحقيق المساواة في الفرص التعليمية، كما تشير فاتن عدلي.
نحن بحاجة لمناهج تعزز حقوق الإنسان

تقول منى عبد الراضي، عضو المكتب السياسي بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي منسقة الجبهة الوطنية لنساء مصر، إن التردي في مستوى التعليم في مصر وصل إلى كل شيء تقريبًا، وهو متغلغل في العنصرين الرئيسيين للعملية التعليمية؛ الطالب الذي هو بحاجة إلى مناهج تعليمية تعزز مفاهيم حقوق الإنسان، والمعلم الذي ينقصه التدريب على هذه المفاهيم".
وتضيف منى في حديثها لـ"فكر تاني": "إن كانت هناك أي نتائج، كنا لمسناها.. نحن بحاجة إلى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم بين الطلاب، ووضع سياسات واضحة لحماية حقوق الطلاب، وثُقل قدرات المعلمين ودعم التعليم الفني كجزء من حقوق التعليم".
اقرأ أيضًا: الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. 3 سنوات على ربيع القاهرة المعطل
الصحة في مصر.. مبادرات رئاسية وخصخصة
وفقًا للدستور المصري، تلتزم الدولة بضمان توفير الرعاية الصحية المتكاملة لكل مواطن مصري، وفقًا لمعايير الجودة. كما ينص الدستور على تخصيص نسبة لا تقل عن 3% من إجمالي الإنفاق العام للصحة.
ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذا الالتزام توفير موارد مالية كافية وإدارة فعالة للقطاع الصحي، بما في ذلك الحفاظ على جودة المرافق الصحية، وتوسيع نطاق خدماتها لتشمل جميع المناطق الجغرافية بشكل عادل.
إلا أن هذا يخالف الواقع الذي يواجهه القطاع الصحي في مصر؛ إذ تشير الإحصائيات إلى أن عدد السكان في مصر يزداد بمعدل 1.6 مليون نسمة سنويًا، بينما لم تتواكب الميزانية المخصصة للصحة مع هذه الزيادة السكانية. وقد أدى ذلك إلى عدة مشاكل تتعلق بنقص الأطباء وهجرة الكوادر الطبية ونقص الأدوية، ما يضع ضغوطًا هائلة على النظام الصحي.

ومن جهة أخرى، فقد شهد القطاع الصحي في السنوات الأخيرة توجهًا حكوميًا مُعلنًا نحو خصخصة بعض المستشفيات العامة. وهذه الخطوة جاءت نتيجةً لعدم القدرة الحكومية على إدارة هذه المنشآت بكفاءة.
وبينما تهدف الخصخصة إلى تحسين مستوى الخدمة من خلال إدخال استثمارات جديدة وتحسين الإدارة، فإنها أيضًا تثير تساؤلات جادة حول مدى قدرة الفئات الأكثر ضعفًا على الوصول إلى الرعاية الصحية.
هنا، يشير محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، إلى عدد من المبادرات الرئاسية التي حققت نجاحات ملحوظة في تحسين الرعاية الصحية، ومن بينها مبادرات مكافحة السمنة والتقزم والكشف المبكر عن الأورام من الإنجازات البارزة، التي تسعى إلى معالجة القضايا الصحية المزمنة وتعزيز الوقاية من الأمراض، بما يعكس اهتمامًا متزايدًا في السنوات الأخيرة بصحة المواطن المصري، على حد قوله.
ويشير محمود فؤاد أيضًا -في حديثه عن الاهتمام الحكومي بقطاع الصحة وهو في أغلبه بتوجيهات رئاسية- إلى توسيع نطاق قانون التأمين الصحي ليشمل خمس محافظات جديدة، الأمر الذي يعتبره خطوة إيجابية نحو تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة في المناطق الريفية والنائية، بما يعزز أمل المصريين في الحصول على خدمات صحية متكاملة وعادلة.
إلا أنه لا تزال هناك تساؤلات حول تفعيل ما ورد في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، خاصةً فيما يتعلق بالقطاع الصحي. يلفت محمود فؤاد إلى تحديات كبيرة تواجه القطاع على هذا المستوى، مثل نقص التمويل وعدم كفاية الميزانية المخصصة.
ويدافع المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء عن خصخصة المستشفيات الحكومية، فيقول إن تحويل بعض المستشفيات العامة إلى كيانات خاصة إنما جاء نتيجة للعجز في الإدارة والتشغيل، وهي خطوة تهدف إلى تحسين الكفاءة، ولكنها تثير قلقًا بشأن مدى توفر الخدمات الصحية للجميع.
ويضيف أن التحدي الأكبر هو توفير التمويل الكافي لبناء المستشفيات وتوفير الخدمات الصحية. بينما يلفت إلى أن الحاجة تستدعي تحسين إدارة الموارد المالية وتوجيهها بشكل أكبر لدعم القطاع الصحي وضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية لجميع المواطنين.