انخفض مجددًا بـ”العقود الآجلة”.. ما مستقبل سعر صرف الجنيه أمام الدولار؟

أثار ارتفاع الدولار أمام الجنيه في العقود الآجلة تخوفات بشأن مصير العملة المحلية، خاصة بعد تراجعها رسميًا بتعاملات البنوك. وقد أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في اجتماع للحكومة بحضور محافظ البنك المركزي أخيرًا، تقديم الدعم الكامل لسياسات البنك التي تستهدف مواصلة الالتزام بمرونة سعر الصرف، وتحديد سعر العملة المحلية وفقًا لآليات العرض والطلب، لضمان استقرار سوق الصرف الأجنبي، ودعم قدرته على مواجهة الصدمات.

وقد وصل سعر الدولار في العقود الآجلة أجل 3 أشهر إلى 51.89 جنيه، وأجل 9 أشهر لـ 54.6 جنيه، وأجل عام إلى مستوى 58 جنيهًا، في مؤشر على تحوط المستثمرين من تراجع الجنيه المصري مستقبلًا.

ولا تعني العقود الآجلة تحقيق الجنيه الأرقام نفسها التي تفترضها، لكنها مجرد نوع من التأمين أو التحوط يستخدمها المستثمرون أمام مخاوف تقلبات أسعار الصرف، خاصة في ظل الظروف الإقليمية التي تمر بها المنطقة، والقلق من اتساع دائرة الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتراجع سعر الدولار في العقود الآجلة بعد قرار البنك المركزي التحرير الكامل لسعر الصرف خلال مارس 2024 من مستوى 59 جنيهًا قبل تعويم الجنيه في مارس الماضي، ليقترب من سعر الصرف الرسمي حتى نهاية يوليو الماضي.

سعر الصرف الحالي لا يحتاج للخفض

هاني جنينة (وكالات)
هاني جنينة (وكالات)

يقول المحاضر بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، هاني جنينة، إن سعر الصرف الحالي الذي يدور حول 50 جنيهًا متوافق تمامًا مع فوارق التضخم ما بين مصر والولايات المتحدة، وبالتالي لا حاجة لخفض آخر كبير مثل ما حدث في عامي 2022 و2024.

وشهد الجنيه المصري في 2022 تخفيضين؛ أولهما في مارس 2022 ليتراجع من مستوى 15.77 جنيه للدولار إلى 19.7 جنيه للدولار بتراجع 25%، ثم تعويم جديد في أكتوبر 2022 من 19.7 جنيه إلى24.7 جنيه للدولار بنسبة 25.4%، وفي مارس 2024، قرر المركزي السماح لسعر صرف الجنيه بالتحرك، وفقًا لآليات السوق “تعويم حر” ليبلغ مستوى 39 جنيهًا حينها.

اقرأ أيضًا: متى تعوّم مصر الجنيه؟

ويضيف “جنينة” أنه لا توجد مخاوف من انهيار العملة، فهناك عدة مؤشرات عادة ما تسبق انهيار سعر الجنيه مقابل الدولار وإلى الآن هذه المؤشرات لم تصدر إنذارًا بذلك وكل ما تصدره من إشارات يشير إلى ضعف وتذبذب وليس انهيار وهناك فارق كبير بينهما.

أول المؤشرات التي تحدث عنها “جنينة” هو معدل النمو السنوي في السيولة بالجنيه المصري، والتي تشمل البنكنوت المتداول في السوق وودائع بالعملة المحلية، ويتراوح قرب 15%، وهو حاليًا مرتفع قليلًا عن هذا الرقم، ولكن هناك بطء في حركة انتقال السيولة من يد ليد، فيما يُعرف بـ Low Velocity Of Circulation.

يشير Velocity Of Circulation إلى المعدل الذي ينفق به المستهلكون والشركات في الاقتصاد المال بشكل جماعي، وتشير السرعة العالية لحركة النقود إلى اقتصاد مزدهر ونشاط اقتصادي قوي، في حين تشير السرعة المنخفضة إلى إحجام عام عن إنفاق النقود.

وتتراوح نسبة السيولة إلى احتياطي البنك المركزي مقوّمًا بالجنيه، بين 3 لـ 4 مرات، وفي كل فترات انهيار الجنيه في الماضي، سبقها ارتفاع هذه النسبة إلى 8 و10 مرات، مما كان يعني أن معروض ضخم من المصري يطارد معروض ضئيل من الدولار. النسبة الآن في حدود 4 مرات وهذا جيد.

وتقارب تكلفة التأمين ضد مخاطر تخلف الدولة عن سداد السندات الدولارية والمعروفة بالـ CDS Spread تقارب 7% من أصل الدين، وهي مرتفعة قليلًا عن متوسط مصر الذي يقارب الـ3 إلى 4% ما يشير لضغوط التخارج من أدوات الدين المصرية نتيجة توترات المنطقة.

الجنيه المصري مقابل الدولار (الصورة: شترستوك، فيكتوريا فيفكو)
الجنيه المصري مقابل الدولار (الصورة: شترستوك، فيكتوريا فيفكو)

الأموال الساخنة و”الإثنين الأسود”

ووفقًا لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، فإن إجمالي الأموال الساخنة التي خرجت من مصر خلال عمليات البيع في البورصات العالمية، يوم الإثنين 5 أغسطس، لم تمثل أكثر من 7-8% من إجمالي الأموال الموجودة في السوق بذلك الوقت.

وحمل الإثنين 5 أغسطس اسم “الإثنين الأسود” بعدما هبطت العقود الآجلة لمؤشر “داو جونز الصناعي” في تعاملات ما قبل افتتاح وول ستريت بأكثر من 900 نقطة، مسجلةً أكبر تراجع يومي منذ الإثنين الأسود المشهود خلال مارس 2020 خلال جائحة كورونا، وتبع ذلك انهيارات في العديد من البورصات العالمية.

يشير “جنينة” إلى أن سعر الفائدة الحقيقي (الفائدة البنكية مخصومًا منها معدل التضخم المتوقع بعد عام) موجبًا بنسبة مرتفعة تقترب من الـ 2% أو أكثر، وهذا هو الوضع بعد رفع الكوريدور أصبح 8%، كما أن سعر صرف الجنيه متوافق مع تراكم فوارق التضخم بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية على مدار فترة زمنية كبيرة مثل 40 عامًا، وبالتالي ليس هناك تشوهًا يُذكر في سعر الصرف طبقا لنظرية تعادل القوة الشرائية أو الـPPP.

اقرأ أيضًا: الدولار المجمد.. كيف وصل “الأخضر” إلى نصف ثمنه بالسوق السوداء؟

نظرية “تعادل القوة الشرائية” قدمها عالم الاقتصاد جوستاف كاسيل وحاول فيها تحديد العلاقة بين مستويات الأسعار النسبية بين البلاد المختلفة، وترى أن التغيرات بسعر الصرف تتحدد من خلال العلاقة بين مستويات الأسعار النسبية بالبلاد أطراف التبادل الدولي.

وأبقت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي في اجتماعهـا الأخير على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 27.25% و28.25% و27.75% على الترتيب، كما قررت الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 27.75%.

هل يغطي صافي الأصول الأموال الساخنة حال خروجها؟

ويشير “جنينة” إلى توازن صافي الأصول والخصوم الأجنبية في القطاع المصرفي، مع وجود فائض يقارب الـ 13 مليار دولار نتيجة تراكم تدفقات الأموال الساخنة، ما يعني وجود 13 مليار دولار جاهزة للخروج بدون الإخلال بهذا التوازن، في إشارة إلى ضرورة عدم القلق من خروج شريحة من الأموال الساخنة.

“الكوريدور” هو سعر العائد على الإيداع والإقراض لدى البنك المركزي المصري لليلة واحدة (أسعار الفائدة)، وهو نطام استحدثه البنك المركزي في يونيو 2005، ويشمل تعيين سعرين للفائدة في ليلة واحدة في تعامل المركزي مع البنوك الأخرى أحدهما للإيداع وآخر للإقراض، ولجنة السياسة النقدية بالمرزي هي التي تحدد ذلك السعر.

لفت “جنينة” إلى أن وتيرة النمو في صافي مطلوبات المركزي من الحكومة منخفضة أو تقارب الصفر ما يشير بلغة أكثر بساطة لما يعرف بطباعة البنكنوت لتمويل عجز الموازنة، ومن الواضح أن ذلك الرقم مستقر منذ توقيع مصر على الاتفاقية المعدلة مع الصندوق في مارس 2024.

مخاوف من صدمة سعر الصرف

أحمد العطيفي
أحمد العطيفي

يضيف المحلل المالي، أحمد العطيفي، أنه خلال شهر واحد خرجت أموال ساخنة تعادل تقريبًا 1.2 مليار دولار، وفي الفترة الزمنية ذاتها صعد الدولار أمام الجنيه رسميًا بما لا يقل عن 1.50 جنيه ليصل متوسط سعر الصرف إلى 49.20 جنيه، متسائلاً: هل نمتلك القدرة على التعامل مع تلك الصدمات؟

كشف البنك المركزي المصري عن ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية في مصر إلى أعلى مستوى في تاريخه عند 46.383 مليار دولار بنهاية يونيو، بزيادة قدرها 258 مليون دولار مقارنة بنهاية مايو السابق عليه، موضحًا أن المتوسط الحالي للاحتياطي يغطي نحو 8 أشهر من الواردات السلعية لمصر.

يطالب العطيفي بالتفرقة بين مفهومين: “مرونة سعر الصرف” و”الصدمة”. فالأولى تعني ترك السعر للعرض والطلب، وهذا لا يتوفر بشكل كامل حاليًا لأنه من الواضح أن سعر الصرف ليس متروكًا للعرض والطلب. أما الصدمة فهي عدم القدرة على التحكم في المرونة غير الكاملة والحدود السعرية، ما يؤدي إلى تحرك السعر سريعًا في نطاق أكبر من المتوقع.

وأعاد صندوق النقد الدولي التشديد، أكثر من مرة، على ضرورة محافظة مصر على “نظام سعر صرف مرن ونظام صرف أجنبي مُحرر” لتجنب تراكم الاختلالات الخارجية، بجانب المزيد من ضبط الأوضاع المالية والتنفيذ السليم للإطار اللازم لمراقبة الاستثمار العام.

تابع العطيفي: “من الواضح أنه يمكن خلال الشهور القادمة حدوث هذه الصدمات، ولا يوجد حل قصير الأجل سوى تدفقات جديدة من الدولار بغرض الاستثمار المباشر وليس فقط استثمار غير مباشر”، محذرًا من أن آثار الصدمات المتراكمة ستكون سلبية على سعر الصرف وكذلك على سعر الفائدة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة