مع استمرار الحرب الأهلية في السودان لنحو 15 شهرًا، تزايدت حدة المعارك وتفاقمت التداعيات الإنسانية بشكل خطير، ما دفع الملف السوداني إلى صدارة المنابر الإقليمية والدولية. ففي ظل مواجهة ملايين السودانيين خطر الجوع والنزوح، ومع تصنيف الأزمة ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية والعنف في العالم، تواصلت التحركات الدبلوماسية والسياسية للبحث عن حلول سلمية تنهي الصراع المستمر.
مؤتمر القاهرة الذي استضاف قادة دول جوار السودان، وزيارة رئيس الوزراء الإثيوبي إلى بورتسودان، بالإضافة إلى محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة، جميعها محاولات لاحتواء الأزمة وتخفيف معاناة الشعب السوداني.
مؤتمر القاهرة.. تفاعل الجار الأقرب
في أوائل يوليو الجاري، استضافت القاهرة في يوليو الجاري مؤتمرًا لقادة دول جوار السودان السبع، بهدف بحث سُبل إنهاء الحرب والتداعيات السلبية للصراع على دول المنطقة، والتوصل إلى تسوية سلمية للأزمة السودانية، بالتنسيق مع المسارات الدولية والإقليمية.
كما أعلنت الخارجية المصرية عبر صفحتها في "فيسبوك"، أن المؤتمر يسعى لبناء توافق بين القوى السياسية والمدنية السودانية من خلال حوار وطني سوداني بحت، بحضور الشركاء الإقليميين والدوليين.
اقرأ أيضًا: النازحون السودانيون.. يدركهم الموت أينما ذهبوا
وفي افتتاح المؤتمر، أكد وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بدر عبد العاطي، على أهمية وقف الحرب بشكل فوري ومستدام، وتسهيل عمليات الاستجابة الإنسانية العاجلة لتخفيف معاناة السودانيين، مشيرًا إلى أن أي حل سياسي يجب أن يستند إلى رؤية سودانية خالصة بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، وشمول جميع الأطراف الوطنية الفاعلة مع احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.
هذا المؤتمر تفاعلت معه الأطراف السياسية، فرحبت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" بدعوة القاهرة، معبرةً عن سعيها لتعزيز جهود إحلال السلام في السودان. وأعرب صديق الصادق المهدي، الأمين العام لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية ومساعد رئيس حزب الأمة القومي، عن تفاؤله بنجاح المؤتمر في جمع وتوحيد موقف القوى المدنية ومعالجة المسائل الإنسانية، مؤكدا أهمية مخاطبة المجتمع الدولي لتحقيق هذا الهدف.
بين مرحب ومهاجم.. كيف ينظر السودانيون لمؤتمر القاهرة؟
يقول المتخصص في العلوم السياسية الزمزمي بشير، في تصريح لـ "إندبندنت بالعربية"، إن نجاح المؤتمر قد يفضي إلى جبهة مدنية واسعة تسهم في تسريع الحل السلمي للأزمة السودانية، لكن هذا قد لا يكون كافيًا وحده لوقف المعارك، على حد قوله، خاصة مع تعقيد الأوضاع بانخراط أطراف إقليمية ودولية في الأزمة، وتفاقم العداء بين الأطراف المتحاربة في ظل الفوضى والانتهاكات.
ويرى المفكر السياسي اليساري الشفيع خضر، الذي نقلت عنه "الجزيرة نت"، أن موافقة القوى المدنية والسياسية على المشاركة في المؤتمر تشير إلى إدراكها لخطورة الوضع الراهن في السودان وضرورة التعاون لمنع انهيار الدولة السودانية.
في المقابل، هاجم مصطفى تمبور، رئيس حركة تحرير السودان، مؤتمر القاهرة، واصفًا إياه بأنه لقاء للعلاقات العامة بين الحاضنة السياسية لـ"الدعم السريع"، مؤكدًا أن المؤتمر لن يقدم جديدًا. وحذر "تمبور"، عبر تغريدة على منصة "إكس"، من أن الشعب السوداني لن يسمح بما سماه "الاستهبال السياسي" الذي يعيد الميليشيات إلى الساحة مجددًا، مشددًا على أن الخيار الوحيد هو تطهير البلاد من عبث التمرد.
زيارة أبي أحمد.. استقرار السودان يشغل دول الجوار
وفي سياق التحركات الدولية والإقليمية المكثفة، أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد زيارة رسمية ليوم واحد إلى العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، في التاسع من يوليو، ليكون أول رئيس حكومة يزور السودان منذ اندلاع الحرب.
فور وصوله، عقد أبي أحمد اجتماعًا مغلقًا مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان لبحث الأزمة السودانية وسبل إنهاء الحرب. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام مجلس السيادة السوداني، ناقش الجانبان تطورات الأوضاع في السودان وعلاقات البلدين.
وكشفت مصادر لموقع الجزيرة نت أن الجانبين تخطيا التوترات التي شابت العلاقات في أعقاب تصريحات أبي أحمد في يوليو 2023 بشأن الفراغ في قيادة السودان، واستقباله لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في أديس أبابا.
تعزيز التعاون والتنسيق الأمني
عرض رئيس الوزراء الإثيوبي لعب دور في تقريب المواقف بين البرهان وحميدتي لاستئناف محادثات السلام. كما اتفق الجانبان على إجراءات لتعزيز التعاون والتنسيق الأمني للحفاظ على الاستقرار على الحدود، لا سيما في ظل اقتراب المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من الحدود الإثيوبية.
اقرأ أيضًا: أطفال ونساء السودان في جوف الجوع
مؤشرات ومعطيات جديدة
يرى مراقبون أن زيارة أبي أحمد تحمل مؤشرات هامة في ملف حرب السودان، إلى جانب العلاقات بين البلدين الجارين. فيقول المحلل السياسي لؤي عبد الرحمن، رئيس تحرير موقع "قلب إفريقيا"، إن زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي تؤكد أن مخاطر الحرب السودانية تجاوزت حدود السودان إلى دول الجوار.
بينما يشير المتخصص في العلاقات الدولية الأمين عبد المجيد، في تصريح لـ "إندبندنت بالعربية"، إلى أن أديس أبابا حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع السودان، حتى في أصعب الأوقات، وأنها تسعى للحفاظ على شعرة معاوية بين البلدين.
ويضيف المتخصص في العلاقات الدولية أن انتقال إثيوبيا من موقف المتهم بمساندة "الدعم السريع" إلى مساندتها للحكومة السودانية يمثل تطورًا إيجابيًا لصالح بورتسودان، ما يعزز الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
محادثات جنيف.. لقاء غير الراغبين في وقف الحرب
وفي جنيف نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت المحادثات غير المباشرة بين طرفي النزاع السوداني، بمبادرة من الأمم المتحدة، تستهدف التوسط في تحقيق وقف لإطلاق النار وتسهيل توزيع المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين المتأثرين جراء النزاعات المستمرة.
وفي تعليقه، أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الطرفين لم يجتمعا وجهًا لوجه في الجلسة المقررة، ما يعكس تعقيدات الإطار الذي تجري فيه المحادثات.
ويتوقع محللون أن تسفر المحادثات عن اتفاق يهدف إلى تأمين مسارات آمنة لتوزيع المساعدات الإنسانية، خاصة بعد نجاح بعض المنظمات الدولية في إيصال المساعدات إلى مناطق مختلفة في دارفور وولايات كردفان.
بينما من جهة أخرى، أعرب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، عن رفضه للمفاوضات ما لم تتضمن انسحاب قوات الدعم السريع من البنية التحتية المدنية، معتبرًا أن الحل العسكري لا يعتبر خيارًا ممكنًا.
ومن جانبها، أشارت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، إلى أن الحرب في السودان تدور بين جنرالين غير مهتمين بالمدنيين، داعية إلى ضرورة حل سياسي يتم التوصل إليه عبر طاولة المفاوضات.
وتأتي هذه المحادثات على خلفية قرارين لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان صدرا في وقت سابق من العام الحالي. وهي ضمن سلسلة من المحاولات الدولية للوساطة، والتي لم تحقق حتى الآن نتائج ملموسة تُفضي إلى وقف دائم للقتال.
