النازحون السودانيون.. يدركهم الموت أينما ذهبوا

يفر السودانيون من ويلات الحرب تاركين ديارهم بحثًا عن ملاذ آمن، ليواجهوا مخاطر الصحراء القاحلة في رحلة محفوفة بالمخاطر داخل ممرات وعرة وصحاري شاسعة، واضعين أحلامهم في النجاة بين يد الله وبين يدي مهربين لا يرونهم بشرا، بل سلعًا يتاجرون بها، مستغلين أوضاعهم وبؤسهم، فيسقطون صرعى لا يدري بهم أحد، في أكبر أزمة نزوح شهدها العالم الحديث.

يموت السودانيون في طريقهم إلى مصر قاطعين الصحراء في طريق الموت، فإن لم تقتلهم حرارة الشمس الحارقة يقتلهم العطش أو يسقطون تحت عجلات السيارة التي يرونها طوق نجاة للوصول إلى البر المصري.

النازحون السودانيون.. رحلات الموت من السودان لمصر

خلال الأيام الأخيرة، تصدرت على منصات التواصل السودانية الأخبار التي تنقل كيف يموت السودانيين بسبب تعرضهم لضربات شمس أو نقص في المياه خلال رحلتهم من السودان إلى مصر بطرق غير شرعية. وقالت وكالة الأنباء السودانية إن سوء الطقس تسبب بموت العشرات بين أوساط القادمين بالتهريب إلى مصر.

وأشار القنصل السوداني بأسوان، عبد القادر عبد الله، إلى تقديم تعازيه لأهل السودان وأسر المتوفين الذين تعرضوا لضربات شمس وهم في طريقهم للدخول إلى مصر بطرق غير قانونية.

وأوضحت الوكالة أنه منذ ثلاثة أيام، وصلت إلى المستشفى العديد من الجثامين، بعضهم بسبب ضربات الشمس، وبعضهم بسبب العطش، وبعضهم بسبب الحوادث المرورية. ونقل أحد الأطباء شهادته لما يجري مع السودانيين من حالات وفاة بسبب ضربات الشمس، وقال الطبيب نادر محروس في منشور عبر حسابه على فيسبوك: "ما يحدث مع السودانيين يحزن، وفاة أكثر من 20 شخصًا أثناء سفرهم إلى أسوان من طريق العلاقي خلال اليومين الماضيين من ضربات شمس".

وذكرت صحف ومواقع إخبارية سودانية، بينها موقع "سودان بلس" وصحيفة "السوداني"، أن ما لا يقل عن 50 سودانيًا لقوا مصرعهم أثناء عبورهم إلى مصر، برًا عبر التهريب.

اقرأ أيضًا: أطفال ونساء السودان في جوف الجوع

وظهر في مقطع فيديو مجموعة من النساء والرجال والأطفال، وهم مستلقون على الأرض، بعضهم بلا حراك، بينما يكابد بعضهم لتحريك أطرافه، أو للكلام والتجاوب مع الأشخاص الذين عثروا عليهم في الطريق الصحراوي.

كما تداول النشطاء مقطع فيديو آخر لعدد من جثامين سودانيين قضوا أثناء رحلتهم إلى مصر بالتهريب، في مشرحة أسوان، بينما ذكر متحدث في مقطع الفيديو أن عدد الجثامين بلغ 45 جثمانًا.

شهادات مروعة للفارين

نقلًا عن تحقيق لـ"بي بي سي"، يروي السودانيون قصصًا مروعة عن الهروب من أهوال الحرب وتشديد السلطات المصرية لإجراءات الدخول. لجأ السودانيون إلى طرق غير شرعية لدخول مصر، مما عرضهم لتجربة السفر في الصحراء مع "مهربين قساة" كما تقول أم سلمى، ربة الأسرة.

وصلت أم سلمى مع أسرتها إلى منطقة أبو حمد بالولاية الشمالية، قادمة من مدينة أمدرمان التي تشهد قتالًا ضاريًا بين الجيش وقوات الدعم السريع. لم تكن منطقة أبو حمد وجهتهم الأخيرة، وإنما كانوا يريدون الوصول إلى القاهرة. اختاروا المنطقة بعد أن علموا أن رحلات التهريب تبدأ من هناك، كما أوضحت أم سلمى عبر الهاتف.

بعد مكوثهم لعدة أيام في المدينة، تمكنوا من الاتفاق مع أحد المهربين لإيصالهم إلى داخل الحدود المصرية في منطقة أسوان. قالت أم سلمى: "قبل تحركنا على متن السيارة حُشرنا فيها مع توثيقنا بالحبال حتى لا نقع. تحركت السيارة من المنطقة وتوغلت في الصحراء الموحشة. سرنا طوال الليل وتوقفنا بعد مرور أكثر من ثماني ساعات في منطقة جبلية مقفرة. طلبوا منا النزول لأننا سنقضي ساعات في هذا المكان ريثما يأتي الصباح".

استمرت أم سلمى في سرد قصتها بحزن وصوتها متقطعًا: "في الصباح الباكر تحركنا وكانت السيارة تعبر الطريق بسرعة جنونية. فجأة انحرفت السيارة، ووجدنا أنفسنا على الأرض. ارتطمت أمي المسنة بجسم السيارة ووقعت. اعتقدت أنها فقدت الوعي وحاولت أن أوقظها دون جدوى، حتى اكتشفت أنها قد فارقت الحياة".

بكت بحرقة عند هذه اللحظة وتابعت: "صاحب السيارة قال إنه لن ينتظر ولن يستطيع أن يقل شخصًا ميتًا في سيارته. تركنا أنا وأمي الميتة في الصحراء. في البداية لم نصدق ما يحدث لنا، بدا الأمر كأنه مشهد في فيلم سينمائي. مكثنا لساعات قبل أن تظهر سيارة بها سلع مهربة قادمة من مصر. توقفت وعندما علم راكبوها بقصتنا أشفقوا علينا وسمحوا لنا بالعودة معهم إلى السودان. ركبنا السيارة وجلسنا على البضائع ومعنا جثة أمي حتى وصلنا إلى منطقتنا ودفنّاها هناك".

بعد مكوثهم لأكثر من شهر في أبو حمد، قرروا المحاولة مرة أخرى، ولكن عبر الطرق الرسمية. قالت أم سلمى: "ليست لدينا خيارات كثيرة. لا يمكننا العودة إلى أمدرمان حيث القتال لا يزال مستمرًا. ذهبنا إلى بورتسودان وقدمنا للتأشيرة، ولكنها لم تُمنح لنا رغم مكوثنا لنحو شهرين".

وأوضحت أنهم لم يستسلموا، وقرروا المحاولة مرة ثالثة عبر الطريق الصحراوي وعن طريق التهريب أيضًا. "انتهت كل مواردنا فقررنا السفر عبر التهريب مرة أخرى رغم تجربتنا القاسية. أعدنا الكرة، ولكننا نجحنا هذه المرة وتمكنا من عبور الحدود بأمان".

وفي تصريحات خاصة للعربية.نت، يروي أحد السودانيين: "بدأت الرحلة مع جشع سماسرة البكاسي الذين يمتصون كل ما في جيبك بكل جشع. اتجهنا شمال عطبرة حتى وصلنا إلى قهوة الجيش في الطريق الرابط بين هيا وعطبرة، ومنها دخلنا إلى قلب الصحراء في تسارع جنوني وغبار الصحراء يعمي العيون".

اقرأ أيضًا: الفاشر أسوأ فصول حرب السودان

يضيف الشاهد السوداني: "أتى علينا الصبح ووصلنا إلى مكان اسمه الرتج، وهو مكان بشع يتحكم فيه أبناء قبيلة الرشايدة بنا. الماء كالذهب، يبيعون شربة الماء التي لا تكفي رضيعًا بمبلغ 200 جنيه. كان مفترضًا أن يساعدنا أهالي القبيلة للوصول إلى أرض مصر، لكنهم بدأوا في مساومتنا، وطلب مبالغ مالية إضافية غير التي دفعناها في أول الرحلة المشؤومة. طلبوا 1000 جنيه مصري أو ما يعادلها بالسوداني على كل شخص، وهنا كانت المأساة حيث لا يملك معظم الناس هذا المبلغ في هذه الظروف ونحن هاربين تاركين منازلنا وما لنا ولا نملك شيئًا، كما لا توجد إشارة إنترنت أو اتصال للتواصل مع أحد".

وأضاف الشاهد: "حضرت عربة تحمل جهاز 'ستارلينك' لتوفر الإنترنت للسودانيين للتواصل مع ذويهم لإرسال الأموال المطلوبة لاستكمال الرحلة. أخرج الرشايدة سلاحهم يلوحون به في وجوهنا تعبيرًا عن السيادة، ولإرشادنا إلى العربات التي تقلنا في المرحلة الجديدة من الرحلة. عندما أشرقت الشمس كانت درجات الحرارة مرتفعة للغاية وكأنها 70 درجة، ونكاد نموت من العطش. بعد استنجادنا وطلبنا للماء، أعطونا شربة صغيرة لا تسد الرمق".

استمر الشاهد: "انفجرت إحدى عجلات العربة، فتوقفنا لإصلاحها مدة ساعتين تحت هذه الشمس والحرارة البشعة بدون ماء أو ظل. هنا سقطت أولى الضحايا من الحرارة المرتفعة والعطش، طفلة عمرها سنتان، كانت ظهرت عليها آثار الجفاف والتعب. استجديناهم زجاجة مياه لها لكنهم رفضوا، حتى فاضت روحها إلى بارئها أمام أعيننا. أمها دخلت في غيبوبة من الصدمة ثم لحقت بطفلتها بعد مدة قصيرة".

استنجد مسن بسائق العربة أن يعطي له شربة ماء، حيث قال إنه يعاني من مرض السكري. يقول الشاهد: "أحد الرشايدة ضرب المسن بسلاحه بلا رحمة، ووصف المسن بـ'العبد'. أصبحنا عبيدًا في أرضنا، سكتنا خوفًا من الضرب أو الموت، وتوفي هذا المسن بعد وقت قصير متأثرًا بالضرب والعطش وشدة الحرارة التي كانت لا تطاق، لا يحتملها بشر".

يختتم الشاهد شهادته: "أصر سائق العربة على إلقاء جثة المسن في الصحراء. صرنا على هذه الحال يتساقط الناس موتى من شدة الحرارة والعطش، في مشاهد مؤلمة لا تُنسى".

المأساة لا تنتهي بالوصول إلى مصر

وصل السودانيون إلى البر المصري هربًا من ويلات الحرب والقتال وتجار البشر، لكن معاناتهم لم تنتهِ هنا، بل بدأت معاناة أخرى في محاولتهم تسجيل أسمائهم لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في مصر.

في مقر المفوضية بمنطقة 6 أكتوبر، يشاهد الآلاف من الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، يتراصون في صفوف مزدحمة لتسجيل أسمائهم. يأتي البعض ليلًا لضمان حجز مكان في الصفوف الأمامية. حتى الذين سجلوا أسمائهم وحصلوا على "الكرت الأصفر" يشتكون من عدم توفر أي نوع من المساعدات.

ذكرت كرستين بشاي، المتحدثة باسم المفوضية لبي بي سي، أنهم يدركون حجم الاحتياجات الكبير وأنهم يعملون بجد لتوفير الحماية والمساعدات للواصلين، ولكنهم يواجهون مشكلة في التمويل. أشارت بشاي إلى أن الاحتياجات أكبر من قدرة المفوضية على تغطيتها، وتوجد أولويات لتقديم الدعم المنقذ للحياة، مثل العيادات الطبية التي تقدم الخدمة على الحدود من خلال الهلال المصري.

فرضت مصر قيودًا صارمة على إجراءات التأشيرة منذ يونيو 2023، وألغت اتفاق الحريات الأربع الذي كان يسمح للسودانيين فوق سن الـ 49 عامًا والنساء والفتيات والأطفال بالدخول دون تأشيرة. أجبرت هذه الإجراءات بعض السودانيين على التوجه لمكاتب الهجرة وتوثيق وضعهم مقابل ألف دولار.

قالت فاطمة لموقع "الترا سودان" إن مكتب المفوضية في مصر حدد لها مقابلة بعد شهرين للحصول على "الكرت الأصفر"، الذي يسمح لحامله بالبقاء في مصر دون ملاحقة قانونية حتى توفيق أوضاعهم. ترددت فاطمة إلى مكتب المفوضية أكثر من أربع مرات، وانتظرت ساعات طويلة لأن المقر مكتظ بطالبي اللجوء، معظمهم من السودان.

أوضحت فاطمة: "إذا كنت لا تريد الانتظار في مكتب المفوضية، يمكن أن تذهب إلى سلطات الهجرة المصرية وتقدم جوازك وتحصل على الإقامة لثلاثة أشهر مقابل ألف دولار أمريكي". تتابع: "نترك الأطفال في المنزل أو نجبر على اصطحابهم معنا ونمكث ساعات طويلة تحت الشمس على الأرصفة في انتظار الرد على الاستفسار. هل هناك جحيم أكثر من هذا؟".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة