السبت, يناير 17, 2026
spot_img

لماذا لم تر وثيقة السياسات الضريبية النور إلى الآن؟

لم تطرح وزارة المالية وثيقة السياسات الضريبية للحوار المجتمعي إلى الآن، رغم الحديث عن الانتهاء منها في مايو الماضي، ورهان الحكومة عليها في الوصول إلى الاستقرار الضريبي وخلق بيئة استثمارية أكثر جذبًا، عبر إصلاحات مُخططة ومُتوازنة يتم التوافق عليها.

يُفترض أن تتضمن وثيقة السياسات الضريبة، التي تطبق خلال الفترة من 2024 – 2030، عدم فرض ضرائب جديدة على الأنشطة الاقتصادية، وعدم المساس بسعر ضريبة الأرباح التجارية والصناعية، إلى جانب التخلص من الملفات الضريبية القديمة المتراكمة، بعد وضع قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

تلزم الوثيقة وزارة المالية بوضع نطاق زمني لتمرير أي إصلاحات جوهرية مُتفق عليها ولازمة للإصلاح الضريبي، والدخول في حوارٍ مُجتمعي قبل إجراء تعديل أو تمرير أي إصلاح بوقت كافٍ، عِوَضًا عن سريان التشريعات أو التعليمات من اليوم التالي للنشر، مع فتح قنوات تواصل مستمرة مع مجتمع الأعمال لضمان الاستقرار في التطبيق وخاصة من خلال الدور الأساسي للمجلس الأعلى للضرائب.

نسخة وثيقة مُسربة تبرأت منها الوزارة

محمد معيط
محمد معيط

في الفترة الأخيرة، خرجت نُسخة مسربة من الوثيقة فأثارت حالة كبيرة من الجدل؛ لغموض طريقة تعاملها مع الإعفاءات التي يستفيد منها المستثمرين. وقد حددت السعر العادل لضريبة الدخل على الشركات بـ %22.5 وضريبة الدخل على الأفراد تصاعدية تبدأ من صفر حتى %27.5، والسعر العادل للضريبة على القيمة المضافة %14، بالإضافة إلى بعض السلع والخدمات التي تخص سلع الجدول المنخفضة، و59 سلعة وخدمة معفاة من ضريبة القيمة المضافة.

إلا أن سرعان ما تبرأ الدكتور محمد معيط، وزير المالية حينها، من هذه الوثيقة. قال إن وثيقة السياسات الضريبية 2024 – 2030 ما تزال تحت الدراسة ولم نطرحها للحوار المجتمعي إلى الآن، موضحًا أن النسخة المتداولة كانت مجرد “تصور مبدئي” تم إعداده منذ عدة أشهر وطرأ عليه تعديلات كثيرة.

أشرف عبدالغني
أشرف عبدالغني

تتحدث وزارة المالية باستمرار عن أن نسبة الإيرادات الضريبية للناتج المحلي منخفضة، إذ بلغت 12.5% عام 2022 وهي أقل من متوسط القارة الإفريقية الذي يبلغ 16%، ومتوسط أمريكا اللاتينية الذي يبلغ 20.9%، ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يبلغ 33.6%.

ينظر أشرف عبدالغني، رئيس جمعية الضرائب المصرية، إن وثيقة السياسات الضريبية تمثل نقلة غير مسبوقة وتجعل مصر أول دولة عربية وأفريقية تصدر وثيقة ضريبية تخض ست سنوات قادمة، ما يحقق أعلى درجات اليقين الضريبي، ويساهم في إيجاد بيئة استثمارية أكثر جاذبية ويمثل خارطة طريق للمستثمرين، وشهادة ضمان للاقتصاد المصري.

كيف تُزيد مصر ضرائبها؟

بحسب الوثيقة، فإنه إذا أدخلت مصر إصلاحات لرفع نسبة الضرائب للناتج المحلي لتكون 15% يفترض أن تزداد نسبة الضرائب للإيرادات العامة للحكومة المصرية لتصل لحوالي 90%، عبر رفع كفاءة الإدارة الضريبية من خلال التحول الرقمي الذي يشمل الميكنة الشاملة لجميع الأعمال الضريبية، وتوسيع القاعدة الضريبية وضم الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة معدلات الحصر، وترشيد الإعفاءات والفاقد الضريبي، والضرائب على التجارة الإلكترونية وضرائب الكربون والتغيرات المناخية.

تنص الوثيقة على دور للمجلس الأعلى للضرائب لكن المجلس لم يتم تفعيله حتى الآن فالأمر مرهون بتشكيل أمانة فنية من وزارة المالية، تتولى إعداد جدول أعمال المجلس وإجراء الدراسات والبحوث عن الموضوعات التي تعرض عليه.

يطلب عبدالغني من الوزير الجديد أحمد كوجك بسرعة تشكيل الأمانة الفنية للمجلس الأعلى للضرائب، حتى يمارس مهامه لضبط أداء الإدارة الضريبية، وتوفير أقصى درجات المصداقية والشفافية في تطبيق الإجراءات الضريبية، ودراسة وإقرار وثيقة حقوق دافعي الضرائب، ومناقشة القوانين والإجراءات الضريبية، وضبط العلاقة بين المستثمرين والإدارة الضريبية، وذلك يساهم في جذب الاستثمارات، وتشجيع العملية الإنتاجية، وتعزيز معدلات النمو الاقتصادي.

في قلب ملف الوثيقة الضريبية، يفترض تواجد قانون الضريبة على الدخل الذي أعلنت وزارة المالية في يناير الماضي، أنه سيتم طرحه للحوار المجتمعي، بهدف تخفيف الأعباء الضريبية عن محدودي ومتوسطي الدخل تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية.

الوزير أحمد كجوك
الوزير أحمد كجوك

ضرائب الدخل.. الهيكل الرئيسي

تعتمد مصر في هيكل الإيرادات الضريبية على ضرائب الدخل (الضريبة المباشرة) والضريبة على السلع والخدمات (ضرائب القيمة المضافة/ الضرائب غير المباشرة) بشكل رئيسي، أي يمثلان مجتمعين ما يقارب 85% و86% في سنة 2022 و2023 على التوالي من إجمالي الإيرادات الضريبية. وتأتي الضريبة الجمركية والعقارية وبعض الضرائب الأخرى لتمثل 15% و14% في 2022 و2023.

من أمثلة الضرائب غير المباشرة: ضريبة الدمغة على خطوط التليفون المحمول والرخص الرياضية، ورسم التنمية على التليفون المحمول وسيارات الركوب والحافلات السياحية وتذاكر الترفيه ورسم التنمية على التبغ.

يقول عبدالغني إن المُعلن حتى الآن أن مشروع قانون الضريبة على الدخل لا يتضمن أي زيادة بأسعار الضريبة، وإنه يستهدف تحديد الدخول الخاضعة للضريبة لتكون أكثر وضوحًا وتبسيطًا وتعميقًا لليقين الضريبي، خاصة أن القانون الحالي مضى عليه ما يقرب من 20 عامًا، وجرت عليه تعديلات عديدة، ولم يعد متوافقًا مع المنظومة الضريبية الإلكترونية.

ووفقًا للدراسات، فإن سلطة الدولة في فرض الضرائب ليست مطلقة، لكنها مشروطة بمراعاة أوضاع المكلفين بها، ومراعاة الأسس الموضوعية في فرضها وجبایتها. کما یشترط في النظام الضريبي الجید أن یعمل على زیادة الحصیلة الضریبیة ومراعاة العدالة الضریبیة، وعدم الإضرار بالمقدرة الإنتاجیة للمكلفین، تجنبًا لأن تتحول الحصیلة الضریبیة المتزایدة إلى حصیلة متناقصة.

التوافق والملائمة.. شرط أساسي للنظام الضريبي

نجاح النظام الضریبي مرهون بمدى قدرته على تحقيق التوافق والملائمة بين مصلحة الخزانة العامة في تحقيق أكبر قدر من حصیلة الضرائب، ومصلحة الممولین في إقرار العدالة الضریبیة والعدالة الاجتماعیة في نفس الوقت، وذلك بتحملهم العبء الضریبي، ما یتفق مع قدرتهم التكلیفیة.

يؤثر الإفراط في استخدام الضرائب کمصدر للتمويل بالسلب على حرکة النشاط الإنتاجي والاستثماري والاستهلاكي بالمجتمع، ولهذا یجب عند قیام الدولة بفرض الضرائب أن يكون بقدر حاجتها إلى الحصیلة الضریبیة.

كما أن زیادة معدلات الضرائب یقتضى أن تفرض في حدود الطاقة الضریبیة للمجتمع، وألا تبالغ الدولة في فرض الضرائب بغیر مقتضى. بید أن الاستمرار في زیادة العبء الضریبي یعتبر الطریق السهل في المدى القصیر، لكن تأثیره على المدى الطویل قد يكون مكلفًا للغاية، إذ یؤدي إلى انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات للخارج للبیئات الأفضل استثماریًا واقتصادیًا.

بحسب جمعية الضرائب، يجب إعادة قانون التجاوز عن مقابل التأخير والضريبة الإضافية، استجابة لمجلس الشيوخ وجمعية رجال الأعمال واتحاد الصناعات والعديد من منظمات الأعمال وجمعيات المستثمرين والجمعيات المهنية المتخصصة.

يقول عبدالغني إن إعادة العمل بقانون التجاوز عن مقابل التأخير والضريبة الإضافية سيساهم في توفير حصيلة كبيرة لخزانة الدولة، بالإضافة إلى إنهاء نسبة عالية من المنازعات الضريبية واستقرار المراكز الضريبية للممولين وتشجيع المستثمرين على إقامة المزيد من المشروعات.

استقلالية الضرائب.. حل للصورة الذهنية السلبية

أكمل نجاتي
أكمل نجاتي

طالبت دراسات اقتصادية بإنشاء هيئة للموارد السيادية توفر للعاملين في الإدارات الضريبية الاستقلال المالي والإداري، بعيدًا عن الجدل الدائر حول هذه المسألة والمشاعر السلبية المتبادلة بين المصلحة والمجتمع المصري، فضلاً عن تحقيق الحيدة والشفافية والاستقلال للعاملين في الإدارات الضريبية. على أن تشكل لجنة لهذا الغرض تضم بعض العاملين من الإدارات الضريبية لتحديد الخطوات المطلوبة لتحقيق ذلك بما فيها تهيئة العمل بالإدارة الضريبية اللازمة لصلاحية الإدارات الضريبية للاندماج في تلك الهيئة.

يرى أكمل نجاتي، عضو مجلس الشيوخ، أن تحويل مصلحة الضرائب المصرية إلى هيئة عامة يسهم في الوصول إلى بيئة عمل محفزة للممولين والعاملين وخلق بيئة تشريعية وتنفيذية تحقق العدالة الضريبية، وخفض تكلفة الامتثال الضريبي، وأيضًا إتاحة المجال للعاملين بالإدارات القانونية للحضور بالمحاكم.

وأضاف أن استقلالية المصلحة يعمل على رفع الكفاءة التدريبية المستمرة للعاملين والمتعاملين مع الجهاز الضريبي، مضيفًا أنه قدم اقتراح برغبة لتحقيق ذلك الأمر ووافقت وزارة المالية وممثلو الحكومة على مشروع قانون لتحويل المصلحة إلى هيئة عامة، ويجري استكمال الإجراءات التشريعية.

التعليقات

موضوعات ذات صلة